تشانغ جون *
لا يزال انتعاش معدلات النمو في الاقتصاد الصيني أقل من التوقعات التي راهن عليها المحللون، على الرغم من عودة النشاطات في مختلف قطاعات الاقتصاد التي تلت ركود الوباء، وهو أمر مفهوم وطبيعي لا يحتاج إلى كبير عناء.
وقد راهنت مراكز الأبحاث، ومعها المحللون الأكثر دراية واهتماماً بما يجري في الصين، على أن نهاية إغلاقات مرحلة تفشي الوباء لا بد أن تطلق العنان لموجة قوية من الطلب المكبوت. لكن الذي حدث أن الطلب الكلي الذي كان يتباطأ قبل الوباء، عاد إلى مساره السابق. وعلى الرغم من أن الصينيين يسافرون ويتواصلون ويتسوقون ويتناولون الطعام خارج المنزل، إلا أن نمو الإنفاق الاستهلاكي للأسر كان محدوداً، ولم يعوض الاستثمار في الأصول الثابتة العائدات المرجوة.
وظل النشاط الاقتصادي ضعيفاً مع استثناءات قليلة، مثل قطاع مركبات الطاقة الجديدة. ونتيجة لذلك، كان النمو أضعف بكثير مما كان متوقعاً. ومع أن نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي وصل إلى 4.5% في الربع الأول، إلا أنه من المتوقع أن يتباطأ في الربع الثاني. وتحوم معدلات التضخم الأساسي حول الصفر، ولا يزال مؤشر أسعار المنتجين في النطاق السلبي. وعندما تولت الحكومة الجديدة السلطة في وقت سابق من هذا العام، لم تقدم على الفور حزمة سياسات شاملة تهدف إلى تعزيز التعافي بعد الوباء.
ومن المؤكد أنه في النصف الثاني من العام الماضي، اتبعت الحكومة الصينية بعض الإجراءات التي تهدف إلى تخفيف القيود المفروضة على الأسَر والشركات. لكن التدخلات لم تكن كافية، لا سيما في ما يتعلق بقطاع العقارات، الذي يشكل نحو 40% من الاستثمار الصيني السنوي في الأصول الثابتة. هنا أثرت توقعات السوق بتراجع أسعار المساكن على ميزانيات الأسر، وأعاقت شراء المنازل الجديدة.
في الوقت نفسه، تواجه الحكومات المحلية قيوداً مالية شديدة، كما تدهور وضع الديون التي تحقق الفائدة لمنصات التمويل الحكومية المحلية بشكل حاد، ما قد يُقوض الاستثمار في البنية التحتية. وفي حين أن القيود المالية المفروضة على قطاع الشركات أكثر مرونة إلى حد ما، فإن الافتقار إلى الثقة يؤثر سلباً في الاستثمارات الخاصة. أضف إلى ذلك انخفاض العمالة والأجور بسبب الجائحة، ما يعني أن هناك حاجة إلى سياسات داعمة.
ومما يبعث على التفاؤل أن حزمة السياسات التي تهدف إلى دعم الانتعاش الاقتصادي هي على الأرجح قيد الإطلاق. فقد أشار بيان اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح إلى أن مثل هذه الحزمة ستشمل تدخلات تهدف إلى زيادة الأجور ودعم الأسر ذات الدخل المنخفض لزيادة الإنفاق الاستهلاكي.
ويمكن أيضاً تخفيف قيود التمويل على مطوري العقارات، من أجل تنشيط القطاع. إذ يبدو أن بنك الصين الشعبي مستعد لخفض معدلات الإقراض من أجل تشجيع الاقتراض. ومن المرجح أن تنظر الحكومة المركزية في مقايضات الديون الحكومية المحلية الجزئية، أو تطلب من البنوك الحكومية تقديم قروض طويلة الأجل من أجل تعزيز القدرة الشرائية للحكومات المحلية.
وقد لا يمكن لصناع القرار الصينيين التحايل على كل المعوقات التي يواجهها الاقتصاد، خصوصاً في ظل التحولات الجيوسياسية العالمية، وبالتحديد علاقة بكين المتدهورة مع واشنطن، ما قد يعيق التعافي الاقتصادي على المدى القصير. لكن على المدى البعيد من المحتمل أن تكون فرص الصين ممتازة، باعتبار أنها دولة ذات سجل حافل بالازدهار في أوقات الأزمات وحالات عدم الاستقرار.
إلى ذلك، واجهت الصين تصاعد عدم اليقين في بيئتها الخارجية عبر توسيع وحماية وصولها إلى الموارد الاستراتيجية، مثل الطاقة والمعادن النادرة، سواء من خلال تعزيز شراكاتها مع الدول المعنية، أو التغلب على اعتمادها على الموردين الأجانب. واليوم تهيمن الصين على سوق العناصر الأرضية الاستراتيجية تلك.
كما ينعكس تفكير الصين الاستراتيجي ومرونتها الاقتصادية أيضاً في النمو السريع الأخير في صادرات السيارات الكهربائية الجديدة في أعقاب صدمة الوباء والأزمة الجيوسياسية التي أثارتها حرب أوكرانيا، وترى شركات صناعة السيارات الصينية فرصاً لتعزيز الصادرات إلى مناطق/ مثل أوروبا التي تسعى إلى تسريع تحولاتها الخضراء.
وقد تفوقت الصين على كوريا الجنوبية في إجمالي صادرات السيارات في عام 2021، وعلى ألمانيا العام الماضي. ومن المتوقع أن تصدر الجمهورية أربعة ملايين سيارة هذا العام متجاوزة اليابان لتصبح أكبر مصدر للسيارات في العالم. ولكي توسع انتشار السيارات الكهربائية محلياً، ستعمل الحكومة الصينية على تمديد الإعفاء من ضريبة الشراء مدة أربع سنوات أخرى.
* عميد كلية الاقتصاد بجامعة فودان، ومدير المركز الصيني للدراسات الاقتصادية
* بروجيكت سينديكيت
تشانغ جون*
زادت الودائع المصرفية الصينية بمقدار 26.3 تريليون يوان (3.9 تريليون دولار)، العام الماضي، مدفوعة باستراتيجية الحكومة الصارمة لاحتواء «كوفيد -19»، والتي تراجعت عنها في ديسمبر/ كانون الأول الفائت، وفقاً للبيانات الأخيرة الصادرة عن البنك المركزي هناك. وارتفعت في المقابل مدخرات الأسر بمقدار 17.8 تريليون يوان (2.6 تريليون دولار)، في عام 2022، منها نمو بأكثر من 5 تريليونات يوان في الشهرين الأخيرين فقط، من العام نفسه.
وبالنسبة للعديد من الاقتصاديين والمحللين في الغرب، تمثل هذه «المدخرات الزائدة» طلباً مكبوتاً قد يؤدي إلى موجة مما يُسمى «الإنفاق الانتقامي» هذا العام، ودفع الانتعاش الاقتصادي العالمي قُدماً. وبينما من المتوقع أن تشهد الصين انتعاشاً في الاستهلاك هذا العام، فإنه من المرجح أن تحافظ الأسر الصينية على مستوى أعلى من المدخرات الاحترازية على المدى الطويل.
ومن المؤكد أن الزيادة في مدخرات الأسر الصينية العام الماضي غير عاديةّ وتعكس عدم قدرة المستهلكين على الإنفاق نتيجة لعمليات الإغلاق الوبائي الصارمة التي أجبرت الملايين على البقاء في منازلهم، وأحياناً لعدة أشهر في كل مرة. والآن وبعد رفع القيود وفتح الأبواب، من المنطقي أن تستفيق الكثير من هذه المدخرات النائمة، ما يرفع حجم الاستهلاك كثيراً.
لكن، تجدر الإشارة هنا إلى أنه ليس كل فائض في المدخرات هو نتاج ضعف إنفاق المستهلكين، فهناك نسبة كبيرة جداً من الودائع الأسرية موجودة كإجراء احترازي. فالأسر الصينية عموماً، تدّخر في شكل إسكان واستثمار مالي، وفي العام الماضي أخّرت شراء المنازل وانسحب كثير من هذه الأسر من سوق الأوراق المالية، وغيرها من الأصول المالية ذات الأداء الضعيف لمصلحة الاحتفاظ بأموالها في الودائع المصرفية. ووفقاً للتقديرات، انخفضت مشتريات المساكن بنحو 3-4 تريليونات يوان صيني في عام 2022، ويرجع ذلك في الأغلب إلى توقعات المستثمرين تراجعاً اقتصادياً مستمراً. وحتى لو عاد الإنفاق الاستهلاكي إلى طبيعته هذا العام، فمن المرجح أن تمنع حالة عدم اليقين المتزايدة الأسر الصينية من صرف مدخراتها التي جمعتها بصعوبة في المساكن، أو الأسهم، لذلك ستظل الودائع المصرفية أعلى قيمة.
وأظهر مسح أجراه بنك الشعب الصيني خلال الربع الثالث من العام الماضي، أن الأسر الصينية لا تزال تميل إلى الادخار. وقال نحو 22% فقط، من المستجيبين إنهم يرغبون في شراء المزيد من الأشياء، مقارنة ب 58% عبّروا عن رغبتهم في زيادة مدخراتهم، فيما ينوي نحو 19% زيادة الاستثمار. ويعكس هذا من ناحية الطبيعة التي جُبل عليها سكان الصين لفترة طويلة، حيث لم يستطع عقدان من النمو القوي للدخل التأثير، إلا قليلاً، في معدل ادخار الأسر. كما يعكس أيضاً الحذر المستمر بشأن الاقتصاد، وسط الجهد الذي تبذله الأسر بالفعل للتعامل مع ارتفاع تكاليف الإسكان والتعليم والرعاية الصحية في الصين.
ويجب على صانعي السياسة الصينيين الاعتراف بالمخاطر التي تشكلها المدخرات الزائدة على التنمية الاقتصادية للبلاد، ومعالجة أزمة كلفة المعيشة التي تجعل المستهلكين الصينيين يترددون في الإنفاق. صحيح أنها أحرزت تقدماً كبيراً في إعادة بناء نظام الضمان الاجتماعي الخاص بها على مدار الثلاثين عاماً الماضية، إلا أن الصين لم توفر لمواطنيها مستوى من الحماية يتناسب مع قوتها الاقتصادية. وحتى في المدن الكبرى، مثل بكين وشنغهاي، حيث دخل الأسرة مرتفع نسبياً، لا يزال السكان يكافحون لتحمل التكاليف الباهظة للإسكان والرعاية الصحية والتعليم ورعاية المسنين.
ولتشجيع المدخرين على الإنفاق مرة أخرى، يجب على الصين أولاً تخفيف عبء كلفة المساكن داخل المدن الكبرى، ربما من خلال بناء إمدادات كافية من المساكن الحكومية العامة، والإيجارات طويلة الأجل في المناطق الحضرية، والتأكد من أن هذه الوحدات تلبي معايير السلامة والجودة العالية في جميع أنحاء البلاد، الأمر الذي ينهي حالة الادخار الطويلة بين الأسر، ويشجعها على الاستهلاك، خاصة بين الشباب.
وبخلاف الإسكان ميسور الكلفة، فإن تقديم الدعم المالي للأسر لتأمين احتياجاتها الأساسية من خلال برامج الرعاية الاجتماعية أمر بالغ الأهمية لاستعادة ثقة المستهلكين، وهنا يتعين على صانعي السياسة إعادة تصميم هيكل الإنفاق المالي الحكومي. وعليه، يمكن أن يؤدي الشعور المتزايد بالحماية المالية والرعاية الاجتماعية للأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط إلى زيادة الإنفاق ومسار تنمية أكثر استدامة خلال العقود المقبلة.
ولكن من دون إصلاح شامل لسياستها المالية ونظامها الضريبي، ستقود مدخرات الأسر المتراكمة إلى إعاقة الآفاق الاقتصادية طويلة الأجل للصين، التي اعتمدت بدورها في العقود الأخيرة على استراتيجية النمو القائم على الاستثمار والائتمان لتعزيز الطلب الكلي وتعويض الاستهلاك البطيء.
* عميد كلية الاقتصاد بجامعة فودان، ومدير المركز الصيني للدراسات الاقتصادية (بروجيكت سينديكيت)
تشانج جون *
المسألة الآن هي «متى» وليس «هل» ستلحق الصين بالولايات المتحدة في السباق التكنولوجي للسيطرة على العالم؟
في ما يتعلق بالتأثير الجيوسياسي، لا شيء يمكن أن يكون أكثر أهمية من تحول الولايات المتحدة من التعاون الاستراتيجي إلى المنافسة الاستراتيجية مع الصين. حيث أدى هذا التغيير إلى تبدد وجهات النظر الإيجابية للعديد من المراقبين بشأن الآفاق الاقتصادية للأخيرة.
يبدو أن الافتراض هو أن الصين ليس لديها خيار سوى التراجع عن مسار التنمية الناجح والشروع في مسار أقل ازدهاراً نحو الاعتماد على الذات، مع سيطرة الحكومة الكاملة على الاقتصاد للتحوط من الصدمات الجيوسياسية، لكن جهود الصين لتعزيز اكتفائها الذاتي في بعض المجالات ما هو إلا استجابة منطقية للضغوط الخارجية التي قد تنذر بالهلاك لنموذجها الاقتصادي أو آفاقها التنموية.
في السنوات الأخيرة، كثفت الولايات المتحدة من جهودها لاحتواء صعود الصين. فإلى جانب تطبيق الحواجز الجمركية وغير الجمركية على الواردات منها، حدّت أمريكا من الاستثمار الصيني على أراضيها، ومنعت الشركات الصينية من الاستحواذ على شركات معينة في قطاعات مثل التكنولوجيا الفائقة في الولايات المتحدة، وقيدت وصولها إلى التقنيات الحيوية التي تسيطر عليها مثل أشباه الموصلات، ومنعت رأس المال الأمريكي من دخول بعض الصناعات الاستراتيجية في الصين، كما أجبرت الشركات الصينية على الخروج من البورصات الأمريكية.
لا يمكن أن تحمل هذه السياسات سوى تكاليف استراتيجية متصاعدة للولايات المتحدة، وخلافاً للاعتقاد السائد، فإن تأثيرها الدائم في الاقتصاد الصيني يمكن أن يكون محدوداً للغاية، وغير كاف لتحييد الصعود الاقتصادي للصين عن مساره. وهناك نقطة أكثر أهمية يتعين الوقوف عندها، وهي تجاوز الصين بالفعل عتبة حاسمة من حيث القوة التكنولوجية حين تُقاس بقيمة المخزون الهائل لتراكم رأس المال المادي والبشري. إنها الآن مسألة «متى» وليس «هل»، ستلحق الصين بالولايات المتحدة في السباق التكنولوجي للسيطرة على العالم؟
كانت بكين واضحة في أن البلاد يجب أن تتحرك بشكل أسرع نحو التكافؤ التكنولوجي العالمي لتخفيف مخاطر التأثير الجيوسياسي بشكل أفضل. ففي السنوات الأخيرة، عززت الحكومة الإنفاق لتقوية قدرات الصين في القطاعات الأساسية والاستراتيجية، بما في ذلك التعليم والعلوم والتكنولوجيا والزراعة والطاقة المتجددة. كما نفذت سياسات تهدف إلى دعم التطور السريع للصناعات المتطورة ذات التقنية العالية، مثل البيانات الضخمة والحوسبة السحابية والجيل الخامس والذكاء الاصطناعي.
وبالمثل، ووفقاً لخططها الخمسية، تعمل الصين على توسيع نظام بنيتها التحتية الرقمية. وبحسب وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات، أنشأت الصين بالفعل 1.4 مليون محطة لشبكات الجيل الخامس، أكثر من 60% من الإجمالي العالمي، حيث تم بناء أكثر من 650 ألف محطة في العام الماضي وحده.
وما هذه الجهود إلا استجابة للحاجة الذاتية للصين للتحول إلى مرحلة أكثر تقدماً من التنمية الاقتصادية، وليست مجرد رد فعل لسياسات الاحتواء الأمريكية والصدمات الجيوسياسية. وبالنظر إلى ضرورة ذلك، ربما كان التأثير الأكبر للجهود الأمريكية لاحتواء الصين هو إبراز نقاط ضعفها والعمل المكثف على معالجتها.
لا تعتقد السلطات الصينية أن سياسات الاحتواء الأمريكية ستجبر الصين على الخروج من النظام الاقتصادي العالمي الحالي، أو تقودها إلى تبني نموذج تنمية محلي فقط تسيطر عليه الحكومة. فالتنبؤات بهكذا تأثير لسياسات الولايات المتحدة تقلل من أهمية المكاسب التنافسية التي دفعت الصعود الاقتصادي للصين على مدى العقود القليلة الماضية، والتأثير العميق الذي أحدثته في الاقتصاد العالمي.
لقد بنت الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وراكمت رأسمال مادياً وبشرياً ضخماً، وهي اليوم متأصلة بعمق ومركزية في عمليات الإنتاج العالمي، وقد شكلت علاقات متكاملة مع الاقتصادات المتقدمة. وبالتالي، من المستبعد جداً إخراجها من سلاسل التوريد العالمية بأي طريقة كانت.
في الواقع، حتى في الوقت الذي سعت فيه الصين إلى بناء المرونة في الداخل، استمرت في السعي وراء الحرية الاقتصادية، كتحسين مناخ أعمالها، وخلق قطاع مالي أكثر انفتاحاً، وإنشاء العديد من مناطق التجارة الحرة. وبقيت الحكومة ملتزمة بتحرير السوق المحلية من أجل الحفاظ على ارتباطها بالأسواق العالمية.
وبغض النظر عن التحديات الجيوسياسية، يجب على الصين أن تواجه مشكلاتها الداخلية، بدءاً من أزمة الخصوبة المتسارعة. وعلى الرغم من أن بكين قد خففت من السياسات التقييدية بهذا الصدد، فإن تجربة شرق آسيا تشير إلى أن الخصوبة قد تستمر في الانخفاض، وإن كان ذلك بمعدل أبطأ.
ولوقف انخفاض عدد السكان في سن العمل، من المرجح أن ترفع الصين سن التقاعد قريباً. في الوقت نفسه، وللتحوط من تأثير شيخوخة السكان في النمو الاقتصادي المستقبلي، ستواصل الحكومة زيادة الاستثمار في التعليم، وبالتالي الارتقاء بمهارات العمال وزيادة إنتاجية العمل على المدى البعيد.
* عميد كلية الاقتصاد بجامعة فودان ومدير المركز الصيني للدراسات الاقتصادية (جابان تايمز)
تشانج جون *
تميل القوى العظمى عبر التاريخ إلى امتلاك نفوذ واحد أو أكثر تبسط من خلاله سيطرتها على باقي العالم، وتفرض هيمنتها المطلقة. وكان هذا صحيحاً، وربما لا يزال، بالنسبة للولايات المتحدة، وينطبق الآن على الصين، فإلى جانب كونها قوة اقتصادية وتجارية رائدة، أصبحت على نحو متزايد قوة مالية عالمية أيضاً.
بطريقة ما، لم يتوقع العديد من الاقتصاديين في الغرب ذلك السيناريو، وفشلوا في تضمين متغير الحجم المهم للاقتصاد الصيني في حساباتهم. وحتى قبل عقد من الزمان، تفاءل قلة منهم فقط، بنمو القوة المالية الخارجية للصين، حيث سلط المشككون الضوء أكثر على نقاط الضعف في البلاد. واليوم، وبعد عشر سنوات من التشكيك، بات من المستحيل تجاهل النفوذ المالي للتنين الصيني.
واعتباراً من إبريل/نيسان 2019، أضاف مؤشر «بلومبيرج باركليز» العالمي المجمع، وهو أداة تتبّع رئيسية لأداء السندات العالمية، 364 من سندات السياسة البنكية والسيادية الصينية المقومة بالرنمينبي، إلى مزيج السندات الخاص به.
فكان الإدراج الأول للسندات الصينية المحلية في مؤشر عالمي رئيسي علامة فارقة في انفتاح الأسواق المالية الصينية. وتلا ذلك مزيد من التقدم، حيث أضاف «جيه بي مورجان» سندات الحكومة الصينية إلى مؤشره الرئيسي في الربع الأول من عام 2020، وسيحذو مؤشر «فوتسي راسل» للأسواق الناشئة حذوه في وقت لاحق من هذا العام.
وبذلك سيتم إدراج السندات الصينية في جميع أسواق السندات الرئيسية الثلاثة التي يتتبعها المستثمرون العالميون. ولم يعد مفاجئاً أن مؤشر عولمة الرنمينبي، RMB globalization index، الذي يقيس النمو في استخدام العملة في الخارج، قد وصل إلى مستويات قياسية جديدة هذا العام وبعد ثلاث سنوات من النمو السنوي بنسبة 40%.
كما أدى «التدويل» السريع لسوق السندات في الصين إلى تسريع تدويل الرنمينبي. فمنذ عام 2010، والحكومة الصينية تسمح للبنوك المركزية، وبنوك المقاصة الخارجية، والبنوك المشاركة في الخارج، بالاستثمار في سوق السندات بين البنوك في الصين.
إلى ذلك أطلقت الصين في عام 2014 قناة استثمار عبر الحدود، تربط بورصة شانجهاي وبورصة هونج كونج، وأخرى تربط بورصة «شنتشن» بهونج كونج، بعد عامين. ومنذ ذلك الحين أتاح بنك الشعب الصيني للمستثمرين المؤسساتيين الأجانب، الوصول مباشرة إلى سوق السندات بين البنوك الصينية. وفي عام 2017، أسست الصين «تشاينا بوند كونيكت»، وهو مخطط يتيح للمستثمرين الأجانب الوصول إلى أسواق الدخل الثابت في البر الرئيسي الصيني عبر البنية التحتية التجارية في هونج كونج.
ووفقاً لصحيفة فاينانشال تايمز، فإن هذه الجهود تؤتي ثمارها. فقد امتلك المستثمرون الأجانب ما قيمته 35.3 مليار دولار من الأسهم الصينية الصافية من خلال قنوات الاستثمار في الأسهم لهذا العام، بزيادة سنوية بلغت نحو 49%. واعتباراً من يوليو/تموز، كان لديهم أكثر من 228 مليار دولار من أسهم الفئة «A» المقومة بالرنمينبي التابعة لشركات مقرها الصين.
علاوة على ذلك، اشترى المستثمرون الأجانب ما قيمته أكثر من 75 مليار دولار من السندات الحكومية الصينية هذا العام، بزيادة 50% على أساس سنوي، ونحو 578 مليار دولار من السندات الصينية من خلال قناة «تشاينا بوند كونيكت». ويمتلكون اليوم نحو 806 مليارات دولار من الأسهم والسندات الصينية، بزيادة 40% على العام الماضي.
لقد ضخت الولايات المتحدة وأوروبا مبالغ ضخمة من الأموال وسط سياسة نقدية فضفاضة للغاية، تهدف إلى التعامل مع جائحة «كوفيد 19»، واعتُبرت الصين وجهة أكثر أماناً من اقتصادات الأسواق الناشئة الأخرى على المدى البعيد.
وأظهر مسح المستثمر العام العالمي الصادر عن منتدى المؤسسات المالية والنقدية الرسمية، أن 30% من البنوك المركزية تخطط لزيادة مقتنياتها من الرنمينبي خلال العامين القادمين، مقارنة ب10% العام الماضي. وفي إفريقيا تحديداً، يخطط ما يقرب من نصف البنوك المركزية لزيادة احتياطياتها من العملة الرسمية الصينية.
ونتيجة لذلك، فإن نصيب الرنمينبي من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية آخذ في الارتفاع بمتوسط معدل سنوي يقارب نقطة مئوية واحدة على مدى السنوات الخمس المقبلة. ويتوقع بحث أجراه «جولدمان ساكس» و«سيتي بنك»، أن الرنمينبي سيكون من بين أكبر ثلاث عملات تأثيراً في العالم خلال عقد من الزمن.
وبينما تفتح الصين أسواقها المالية أمام العالم، فإنها تسير قدماً نحو تطوير العملة الرقمية لبنكها المركزي. ويتم في هذه الأثناء اختبار «اليوان الرقمي» في العديد من المدن الرئيسية، مما يضع البنك المركزي الصيني في طليعة البنوك المركزية للدول الأخرى في تصميم نظام العملة الرقمية الخاص به.
ونظراً لأن مبادرة الحزام والطريق تزيد من تدفقات التجارة والاستثمار بين الداخل والخارج، فإن اليوان الرقمي الجديد سيوسع استخدام الرنمينبي في تسوية المعاملات عبر الحدود، ويقلل الاعتماد على شبكة «سويفت»، ويمهد لإنشاء نظام دفع رقمي إقليمي أكثر ملاءمة بقيادة الصين. والأهم من ذلك، ستساعد العملة الصينية الرقمية البلاد على تدويل ديونها المحلية البالغة قيمتها عدة تريليونات من الدولارات، وبالتالي خلق سوق ضخم ومناخ ملائم لتحويل الرنمينبي إلى عملة دولية.
مهما كانت التحديات التي تواجهها الصين، لم يعد ممكناً تجاهل صعودها المالي. والتنبؤات التي لم يأخذها أحد على محمل الجد، ستحدث بشكل أسرع وأكثر شمولاً مما توقعه معظم المراقبين.
*مدير المركز الصيني للدراسات الاقتصادية (ساوث تشاينا مورننج بوست)
منذ تنصيب شي جين بينغ رئيساً جديداً للصين، لم تسجل التقارير عن القمع الرسمي للمعارضة أي تراجع يُذكَر . لكن برغم أن الانتقادات الموجهة إلى الصين في مجال حقوق الإنسان لها ما يبررها بوضوح، فمن الأهمية بمكان ألا نغفل عن حجم التغيير السياسي الحقيقي الذي طرأ على الصين .
فمنذ عام ،1978 أشرف النظام السياسي في الصين على نقل قدر كبير من القوة الاقتصادية من الدولة إلى شعبها . ونتيجة لهذا، أصبح بوسع الصينيين إدارة المزارع العائلية، وامتلاك المساكن والشركات، والتحكم في اختياراتهم التعليمية، وتسجيل براءات الاختراع، وجمع الثروات . والواقع أن ممارسة هذه الحقوق الفردية كانت على وجه التحديد سبباً في إرساء الأساس للتحول الاقتصادي الجاري في الصين .
فمن خلال خلق المصالح الاقتصادية الخاصة المتنوعة والمتضاربة التي يتسم بها المجتمع الرأسمالي، كان لزاماً على الصين أن تعمل على إنشاء مجموعة من المؤسسات اللازمة لبلورة هذه الحقوق والتوسط في ممارستها . وتشتمل هذه الترتيبات المؤسسية الناشئة على عقود وقانون تجاري، وتشريعات خاصة بالإفلاس والعمالة، ومحاكم تشرف على فرض القوانين والتشريعات . وفي الآونة الأخيرة، أصبحت اللجان المحلية، والمنظمات غير الحكومية، ووسائل الإعلام المتزايدة القوة، والمظاهرات العامة المجازة قنوات راسخة في الوساطة في الصراع الاجتماعي .
بيد أن نقل الحقوق كان في كثير من الأحيان يتسم بالغموض وعُرضة للفساد الرسمي بشكل متكرر . ونتيجة لهذا فإن الحزب الشيوعي الصيني يواجه مطالبات متزايدة من قِبَل أبناء الطبقة المتوسطة الميسورة الذين نالوا تعليماً جيداً بقدر أعظم من الشفافية والمساءلة في المؤسسات التي تعتمد عليها حياتهم المهنية وأرزاقهم .
وبفضل سنّ قانون التقاضي الإداري في عام 1990 تمكن المواطنون الصينيون من إقامة الدعاوى القضائية ضد الحكومات المحلية والهيئات العامة . وفي الأعوام الأخيرة، مثلت مئات الآلاف من المنظمات غير الحكومية، التي تعمل غالباً بموافقة رسمية، الأفراد في ما يتصل بقضايا بالغة الأهمية، بما في ذلك المصادرة، وهدم المساكن، والانتهاكات البيئية، وحقوق العمال، والرعاية الصحية . وتضخم عدد الدعاوى القضائية المقامة ضد الحكومة إلى أكثر من مئة ألف سنويا، مع فوز المدعين بأكثر من ثلث القضايا .
وتمثل الاحتجاجات الشعبية سبيلاً آخر يستطيع سكان الصين من خلاله حماية مصالحهم . ففي مختلف أنحاء البلاد، كثيراً ما يحتج المواطنون على طردهم بشكل غير مشروع من مساكنهم، غالباً على يد مسؤولين محليين فاسدين . ولقد شهد أحدنا مؤخراً أحد احتجاجات الشوارع في ووهان، وهي أكبر مدينة في وسط الصين . حيث تمكن المحتجون، الذين تسلحوا بلافتات الاحتجاج بعد حصولهم على تصريح بالتظاهر، وبعد أن علموا بأن مساكنهم تقرر هدمها لأغراض التنمية العمرانية، تمكنوا من الحصول في نهاية المطاف على تعويضات أكبر كثيراً من تلك التي عرضتها عليهم الحكومة المحلية في البداية .
وقد أصبحت مثل هذه الاحتجاجات ضد المؤسسات العامة، وأصحاب العمل، وشركات الإنشاء شائعة (ولو أن السلطات لا تصرح بها في كل الأحوال) . والواقع أن زعماء الصين أدركوا أنه في حال عدم إتاحة هذه القنوات للتعبير الشعبي عن المظالم، فإن احتمالات اندلاع الاضطرابات السياسية والمدنية سوف تكون أعظم كثيراً من حالها اليوم . وفي عموم الأمر، بات بوسع الصينيين أن يدافعوا عن مصالحهم، شريطة أن يسعى المحتجون إلى الوساطة والتعويض عن حقوقهم الاقتصادية وألا يحاولوا التعدي على سلطة الحزب الشيوعي الصيني .
ويرى بعض المراقبين في هذا الخطوط العريضة لنظام ديمقراطي ناشئ . فولاية كل من الرئيس ورئيس الوزراء في الصين محدودة بفترتين من خمسة أعوام . والواقع أن المناقشات التشريعية داخل المؤتمر الشعبي الوطني، الذي ينتخب أعضاؤه الذين يقرب عددهم من ثلاثة آلاف نائب من مجموعة واسعة من المنظمات المحلية والوطنية، من الممكن أن تصبح حماسية للغاية في كثير من الأحيان .
على سبيل المثال، استغرق قانون الإفلاس في الصين، الذي سنّ في عام ،2006 نحو 12 عاماً من المفاوضات، مع نضال فصائل داخل المؤتمر الشعبي الوطني، والحزب الشيوعي الصيني، والسلطة التنفيذية، من أجل موازنة مصالح العمال والدائنين . وعلى نحو مماثل، خضع قانون الملكية في الصين لأعوام من المناقشة، حيث قاومت بعض القوى المحافظة بدعم من العديد من المنافذ الإعلامية تفعيل قوى السوق والخصخصة في الدفاع عن المواطنين الأكبر سناً الذين ظلت أرزاقهم تعتمد على الوظائف الآمنة التي توفرها ملكية الدولة .
وباختصار، فبرغم أن النظام السياسي في الصين يعمل بطريقة أكثر مركزية من المبين في دستور البلاد، فإنه يوفر مجموعة متزايدة من السبل التي يستطيع المواطنون من خلالها ممارسة نفوذهم على الحياة السياسية .
ومن بين القيود الرسمية الأكثر تعنتاً وإجحافاً المفروضة على المواطنين الصينيين تقييد الانتقال من الريف إلى المدن وتحديد عدد الأطفال لكل زوجين بطفلين فقط . والواقع أن كلا السياستين تعكس التوزيع المنحرف لسكان الصين، حيث يكتظ النصف الشرقي من البلاد بأكثر من 90% من السكان، الأمر الذي يؤدي إلى خلق ازدحام شديد واحتمالات عدم الاستقرار السياسي . ومع ذلك فإن كلا القيدين أصبح أخف إلى حد كبير في استجابة للضغوط الشعبية .
إن الحافز الذي يدفع الزعامة الصينية إلى إجراء مثل هذه التغييرات ليس الرغبة في تبني المثل العليا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان أو الاستجابة للمطالب الخارجية . بل إن زعماء الصين الملزمين بتحقيق هدف الرخاء الاقتصادي سمحوا لجني الحقوق الفردية بالخروج من القمقم . والآن يتعين على نفس الزعماء أن يتسامحوا مع ويسهلوا إنشاء المؤسسات الكفيلة بالتوسط في النزاعات التي من المحتم أن تنشأ حول هذه الحقوق .
وما دامت الصين مستمرة في توفير الحقوق الاقتصادية الأساسية لمواطنيها، فإن هذه التغيرات التراكمية التدريجية، لابد أن تدفع البلاد في اتجاه التحول الديمقراطي التدريجي على الرغم من بطئها . وحيثما تترسخ الحقوق فإن التقدم على مسار بناء المجتمع المدني سوف يتبع ذلك لا محالة .
* تشانغ جون أستاذ علوم الاقتصاد ومدير مركز الصين للدراسات الاقتصادية في جامعة فودان في شنغهاي . جاري جيفرسون أستاذ علوم الاقتصاد في كلية إدارة الأعمال الدولية، والمقال نشر بترتيب مع بروجيكت سنديكيت