عززت الصين إنتاج الفحم المحلي ووارداته إلى مستويات قياسية، حتى مع تقليص الطاقة المتزايدة من السدود الكهــرومائية ومزارع الطاقة الشمسية لتوليد الطاقة الحرارية خلال موجة الحر صيفاً.
ويظل تــوليد الطـــاقة باستخدام الفحم أمراً بالغ الأهمية لضمان موثوقية إمدادات الكهرباء، وخاصة في فصل الشتاء، عندما يكون إنتاج الطاقة الكهرومائية والطاقة الشمسية أقل بكثير ويعتمد النظام بشكل أكبر على الطاقة الأحفورية.
وعلى الرغم من النشر القياسي لموارد الرياح والطاقة الشمسية، لا يزال الفحم يوفر أكبر حصة من توليد الطاقة في جميع أوقات السنة، حيث يرتفع إلى أكثر من 75% في أشهر الشتاء.
لذلك فإن المخزونات الكافية ضرورية لضمان حصول المولدات الحرارية على ما يكفي من الوقود في متناول اليد للعمل بكامل طاقتها في أبرد جزء من الشتاء. في حين تتراكم المخزونات لدى المولدات لتوفير الوقود الكافي وتجنب تكرار نقص الطاقة الذي ابتليت به الصين في خريف وشتاء عام 2021.
وضاعفت مناجم الصين إنتاجها من الفحم إلى مستوى قياسي موسمي بلغ 390 مليون طن متري في يوليو/تموز 2024، ارتفاعاً من 378 مليوناً في الشهر نفسه من العام السابق، و373 مليوناً لعام 2022. كما زادت شركات التعدين المحلية من الإنتاج خلال الصيف للتعويض عن الوتيرة البطيئة نسبياً في الأشهر الخمسة الأولى من العام. ولكن، بالرغم من أن الإنتاج التراكمي في العام حتى يوليو الماضي كان متأخراً بمقدار 15 مليون طن متري فقط عن الفترة نفسها من 2023، إلا أن العجز انخفض عن مستوى 54 مليون طن متري في العام حتى مايو.
حتى الآن في عام 2024، أبلغت منغوليا الداخلية، وشنشي، وشينجيانغ، وهم ثلاثة من أكبر أربعة منتجين على مستوى المقاطعات، عن إنتاج موسمي قياسي. فقط شانشي، حيث كان الإنتاج ثابتاً إلى حد كبير مقارنة بالعام السابق، فشلت في تسجيل رقم قياسي موسمي في الأشهر السبعة الأولى. وبحسب وكالة أنباء شينخوا الحكومية، خفضّت شانشي الإنتاج بعد سبع سنوات من النمو السريع لتحسين القدرة وزيادة نسبة المناجم المتقدمة.
وبالنسبة لتوليد الكهرباء، تمثل أكبر أربع شركات منتجة للفحم في البلاد أكثر من 80% من قدرات الإنتاج الصيني، وهم المصدر الأساسي لتوليد الطاقة في جميع المناطق، باستثناء أقصى الجنوب.
وفي الوقت نفسه، ارتفعت واردات الفحم إلى مستوى قياسي موسمي بلغ 296 مليون طن متري في الأشهر السبعة الأولى من 261 مليون طن متري في عام 2023، و139 مليون طناً في عام 2022.
وقد استُخدمت هذه الواردات كبديل للإنتاج المنخفض من شانشي، ما خلق مساحة للتنفس لإعادة هيكلة القطاع. لكنها حاسمة أيضاً في قوانغدونغ والمناطق الجنوبية الأخرى، حيث إن جلب الفحم عن طريق البحر أرخص من الرحلات الطويلة بالسكك الحديدية من أقصى الشمال.
إلى ذلك، يُظهر استهلاك الكهرباء السنوي في الصين ما تسميه الحكومة «ذروة مزدوجة» في الصيف والشتاء. وتحدث الذروة الأولية بين يونيو/حزيران وأغسطس/آب، مدفوعة بتكييف الهواء والتبريد، اللذين يمثلان 30% من الحمل الأقصى على مستوى البلاد، ويرتفعان إلى أكثر من 40% في بعض المقاطعات.
ولكن فصل الصيف في الصين يترافق أيضاً مع هطولات مطرية تكون عادة في أعلى مستوياتها بسبب الرياح الموسمية في شرق آسيا، حيث تبلغ الطاقة الكهرومائية ذروتها، ما يخفف بعض الضغط على شبكة النقل، باستثناء سنوات الجفاف.
وفي يوليو/تموز 2024، قلص الإنتاج القياسي من محطات الطاقة الكهرومائية والطاقة الشمسية توليد الطاقة الحرارية، ومعظمها من الفحم، بنحو 25 مليار كيلووات/ساعة مقارنة بالعام السابق، وهو أول انخفاض موسمي منذ عقد على الأقل. ولكن الذروة الثانوية تحدث بين ديسمبر/كانون الأول وفبراير/شباط، مدفوعة بالتدفئة والإضاءة، وليس أقل كثيراً من الصيف.
كما يتزامن الشتاء مع موسم الجفاف، عندما ينخفض توليد الطاقة الكهرومائية بشكل حاد، عادة بنحو 50% مقارنة بالصيف. ويكون توليد الطاقة الشمسية أقل إلى حد ما، نظراً لساعات النهار الأقصر في سهول شمال الصين، حيث توجد معظم محطات الطاقة الشمسية. والنتيجة، اعتماد نظام الكهرباء بشكل أكبر على الفحم خلال ذروة الشتاء مقارنة بفترة الصيف.
في السنوات الخمس الماضية بين عامي 2019 و2023، وفرت المولدات الحرارية 755 من الكهرباء للعملاق الآسيوي، بين ديسمبر/كانون الأول وفبراير/شباط، مقارنة بأقل من 70% بين يونيو/حزيران وأغسطس/آب. وفي الصيف، يكون مصدر التوليد الهامشي أحياناً محطة كهرومائية أو حديقة شمسية؛ لكن في الشتاء يكون دائماً محطة طاقة تعمل بالفحم.
وعليه، من المرجح أن تتسع الفجوة بين أنماط الصيف والشتاء على مدى السنوات القليلة المقبلة مع تسريع بكين لنشر الحدائق الشمسية. وسيستمر ضمان موثوقية الكهرباء في الاعتماد على بناء مخزونات كافية من الفحم خلال مواسم الربيع والخريف لتلبية ذروة الطلب في الفصول الباردة.
* محلل أسواق النفط والطاقة في «رويترز»
جون كيمب *
أظهرت تدفقات التجارة العالمية علامات تسارع في بداية عام 2024، وذلك بعد أن بدأت الاقتصادات الصناعية الكبرى في الخروج من الركود الذي ضرب أواخر عام 2022، وهو ما من شأنه أن يعزز الطلب على وقود النقل مثل الديزل.
يأتي ذلك في الوقت الذي تشوهت فيه مؤشرات النشاط على المدى القصير بسبب أنماط الطقس غير العادية في جميع أنحاء أمريكا الشمالية وأوروبا، حيث كان الطقس معتدلاً بشكل استثنائي في ديسمبر/ كانون الأول، تلته درجات حرارة أكثر طبيعية في يناير/ كانون الثاني.
ومع ذلك، تشير معظم المؤشرات بشكل عام إلى أن نشاط التصنيع والشحن بدأ يتسارع بشكل ملحوظ منذ بداية العام في حالات مختلفة، رغم أسعار الفائدة المرتفعة نسبياً.
ووصلت أحجام التجارة العالمية المعدلة موسمياً إلى أعلى مستوى لها منذ 10 شهور في يناير الفائت، بحسب البيانات التي جمعها المكتب الهولندي لتحليل السياسات الاقتصادية. كما ارتفعت الأحجام في يناير مقارنة بالعام السابق للمرة الأولى منذ مارس/ آذار 2023، وقبل ذلك في أكتوبر/ تشرين الأول 2022.
ونما الإنتاج الصناعي العالمي المعدل موسمياً في ديسمبر قبل أن يتراجع في يناير، ومن المرجح أن يكون ذلك بسبب الطقس وتوقيت العطل. لكن خلال الأشهر الثلاثة من نوفمبر إلى يناير، ارتفع الإنتاج بنسبة 1.7% مقارنة بالعام السابق، وهي أسرع زيادة منذ أكتوبر 2022.
إلى ذلك، أعلن مطار هيثرو بلندن أكثر الأعوام ازدحاماً للشحن الجوي منذ فترات ما قبل الجائحة. حيث كانت الشحنات الجوية التي تمت مناولتها في الشهرين الأولين من العام هي الأعلى منذ عام 2019، وبارتفاع نسبته 21% مقارنة بالعام الماضي.
كما أبلغ الميناء البحري الضخم في سنغافورة عن التعامل مع حجم قياسي من حاويات الشحن في بداية عام 2024. مع ارتفاع إجمالي شحن الحاويات بنسبة 18% في يناير وفبراير مقارنة بالعام السابق، وهو أسرع نمو منذ عام 2018 وقبل ذلك عام 2010.
وارتفع مؤشر الأسهم «كوسبي 100» في كوريا الجنوبية، الذي يتتبع التجارة العالمية، بوتيرة سريعة، نظراً لتعرضه الشديد للشركات المصدرة.
في السياق ذاته، ارتفعت شحنات الحاويات التي تمت مناولتها في أكبر تسعة مواني في الولايات المتحدة بنحو 7% في يناير/ كانون الثاني مقارنة بالعام الماضي. ونقلت خطوط السكك الحديدية الكبرى في البلاد ما يقرب من 5% من الحاويات متعددة الأحجام في يناير مقارنة بالعام السابق، وهو أسرع نمو منذ عام 2021 وقبل ذلك عام 2016.
وترسم المؤشرات الأخرى، مثل نقل البضائع عبر مطار ناريتا في اليابان وحمولة الشاحنات على الطرق السريعة في الولايات المتحدة، صورة أكثر تبايناً. ومع ذلك، كانت حركات الشحن ثابتة بعد الانخفاضات المستمرة في عام 2023 وأواخر عام 2022، والتي كانت الأشد على ما يبدو في هذه الحقبة.
في غضون ذلك، أدت الاشتباكات الحاصلة جنوب البحر الأحمر وخليج عدن ومهاجمة سفن الحاويات، إلى إعادة توجيه التجارة بين آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية إلى الطريق الأطول والأكثر كلفة حول رأس الرجاء الصالح.
ومن المرجح أن يؤدي انقطاع تدفقات الحاويات إلى تشويه إحصائيات الشحن لشهري فبراير ومارس، ما يزيد من صعوبة تأكيد أي تغيير في الاتجاه. لكن الصورة العامة هي أن حركة الشحن بدأت في الارتفاع حتى قبل أن يخفض بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنوك المركزية الكبرى الأخرى أسعار الفائدة.
وفي حال خفضت البنوك المركزية الكبرى أسعار الفائدة هذا العام، كما أشار صناع السياسات، من أجل البدء في الإنفاق على الإسكان والمواد المعمرة باهظة الثمن، فإن الارتفاع في أسعار الشحن سوف يتسارع أكثر.
يُذكر أن معظم نواتج التقطير البترولية المتوسطة، بما في ذلك الديزل وزيت الغاز ونسبة من وقود الطائرات، تُستخدم في نقل البضائع والتصنيع والبناء. وبالتالي فإن تجدد النمو في النشاط الصناعي سيعزز استهلاك تلك النواتج، ومن المرجح أن يرفع أسعار الوقود وهوامش أرباح مصافي التكرير، خاصة أن المخزونات هي بالفعل أقل من المتوسط على المدى الطويل.
علاوة على ذلك، تمثل نواتج التقطير المتوسطة أكبر مجموعة من المنتجات البترولية، مع 29% من استهلاك النفط العالمي، وقد ترتفع النسبة إلى 35% إذا تم تضمين وقود الطائرات. وتمثل زيوت الوقود الثقيلة 7% أخرى من الاستهلاك العالمي، ويستخدم بعض منها في الشحن البحري، وكذلك في توليد الطاقة البرية والأفران الصناعية.
وبالتالي، ستترجم أحجام الشحن المرتفعة بسرعة إلى نمو أسرع في الاستهلاك، ما سيؤدي على الأرجح إلى رفع أسعار النفط الخام وكذلك الوقود المكرر المتوسط والثقيل.
يُعد الاستقرار الواضح في التصنيع والشحن، فضلاً عن التوازن الدقيق في سوق الوقود، من بين العوامل التي تجعل البنوك المركزية حذرة بشأن توقيت وحجم تخفيضات أسعار الفائدة. والسيناريو الأكثر ترجيحاً هو تخفيضات متواضعة في أسعار الفائدة، وتسارع متواضع في التصنيع والشحن، وارتفاع معتدل في أسعار النفط والوقود خلال الفترة المتبقية من عام 2024.
* محلل الأسواق في «رويترز»
جون كيمب
انخفضت العقود الآجلة للغاز الأمريكي، والمعدلة في ضوء التضخم، إلى 1.58 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية في 15 فبراير/شباط الجاري، عند أدنى مستوياتها منذ إطلاق العقود الآجلة عام 1990، وذلك مع امتلاء مخزونات السوق بسبب الشتاء المعتدل واستمرار نمو الإنتاج.
وبلغت مخزونات الغاز العاملة 2.535 تريليون قدم مكعبة في التاسع من فبراير، وهو أعلى مستوى خلال هذا الوقت منذ 2016، وقبل ذلك عام 2012، بحسب بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية.
وارتفعت المخزونات بنسبة 16%، أو ما يعادل 346 مليار قدم مكعبة من متوسط السنوات العشر السابقة، ومن 64 مليار قدم مكعبة مسجلة في بداية موسم التدفئة في الأول من أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
وبصرف النظر عن فترة قصيرة من البرد الشديد ضربت البلاد في منتصف شهر يناير/كانون الأول الماضي، كان شتاء 2023 /2024 في الغالب أكثر دفئاً من المتوسط، ما أدى إلى انخفاض استهلاك الغاز سواء المباشر أو الذي يدخل في توليد الطاقة. وبالنتيجة، تسبب شهر ديسمبر/كانون الأول، المعتدل بشكل خاص، في استنزاف 300 مليار قدم مكعبة فقط من مخزونات الغاز الأمريكي، وهو أقل سحب موسمي منذ 2015، مقارنة بمتوسط سحب لمدة عشر سنوات بلغ 478 مليار قدم مكعبة.
وأدت «ظاهرة النينيو» المناخية القوية في وسط وشرق المحيط الهادئ هذا الشتاء إلى توجيه هواء أكثر دفئاً إلى شمال الولايات المتحدة، وأسهمت في اعتدال درجات الحرارة أكثر من المعتاد، وبنحو درجتين مئويتين عن المتوسط في ديسمبر، وباتت الأكثر دفئاً منذ عام 2015، وقبل ذلك عام 1997.
وخلال هذه الظاهرة، تصبح المياه السطحية في وسط المحيط الهادئ وشرقه دافئة بشكل غير عادي، محدثة تغيّرات بأنماط الطقس في جميع أنحاء العالم، وخاصة في الأجزاء الشمالية من الولايات الممتدة من واشنطن عبر إلينوي إلى ماين.
في غضون ذلك، أرسلت أسعار العقود الآجلة المنخفضة للغاية هذه أقوى إشارة ممكنة حول الحاجة إلى إبطاء عمليات حفر الآبار والإنتاج للمساعدة على إعادة التوازن إلى السوق. في وقت يتم فيه إنتاج المزيد من الغاز واستخلاصه من الآبار المحفورة في المقام الأول لاستخراج النفط.
وفي استجابة متأخرة لانخفاض الأسعار بعد ارتفاعها إبّان الحرب الروسية الأوكرانية، انخفض متوسط عدد منصات التنقيب عن الغاز في الولايات المتحدة إلى 119 منصة فقط الشهر الماضي، من 162 منصة في سبتمبر/أيلول 2022. لكن مع ذلك، ظل عدد المنصات ثابتاً على نطاق واسع خلال الأشهر الخمسة الماضية، وزادت إنتاجية الآبار مع حفر أقسام آبار أفقية أطول.
وبلغ إنتاج الغاز الطبيعي الجاف في الولايات المتحدة 3.178 تريليون قدم مكعبة في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، أي أعلى بمقدار 111 مليار قدم مكعبة (أو +4%) مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق. كما ارتفع الإنتاج في الأحد عشر شهراً الأولى من العام الماضي بمقدار 1.339 مليار قدم مكعبة (أو +4%) مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2022.
إضافة إلى ذلك، نما إجمالي صادرات الغاز الطبيعي المنقول عبر الأنابيب والغاز الطبيعي المسال، لكن بمقدار 594 مليار قدم مكعبة فقط، وفقاً للبيانات الأخيرة التي جمعتها إدارة معلومات الطاقة.
ومؤخراً، أعلن عدد من منتجي الغاز عن خطط لخفض الإنفاق الرأسمالي وتقليل عدد منصات الحفر النشطة والكادر البشري المرافق لها. ومن المفترض أيضاً أن يعمل الغاز الرخيص، بشكل استثنائي، على زيادة توليد الطاقة باستخدام الغاز إلى الحد الأقصى على حساب الفحم في الأشهر المقبلة، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى تآكل المزيد من المخزونات الفائضة.
يُذكر أن أسعار الغاز الذي تم تسليمه لشهر مارس/آذار انخفضت بالفعل بمقدار 7 سنتات عن شهر إبريل/نيسان، أول أشهر الربيع والصيف، بعد أن بدأت فصل الشتاء بعلاوة قدرها 21 سنتاً. ومن المنتظر أن يستمر هبوط الأسعار لفترة كافية حتى إفراغ المخزون الزائد وإفساح المجال لإضافة المزيد هذا الصيف قبل شتاء 2024 /2025.
لقد انخفضت أسعار الغاز في الولايات المتحدة إلى حد كبير، وكانت المعنويات هبوطية للغاية، لدرجة أنه يجب أن يكون ميزان المخاطر في الاتجاه الصعودي. لكن المستثمرين حاولوا (وفشلوا) ثلاث مرات بالفعل خلال الأشهر الاثني عشر الماضية بتحديد نقاط التحول المطلوبة في المحافظ، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع مؤقت في الأسعار ثم تراجعها.
واشترت صناديق التحوط ومديرو المحافظ الآخرون 1.943 تريليون قدم مكعبة من العقود الآجلة والخيارات للغاز بين فبراير ويوليو 2023، ثم مرة أخرى اشتروا 1.216 تريليون قدم مكعبة في سبتمبر وأكتوبر، و1.409 تريليون قدم مكعبة بين ديسمبر الماضي ويناير 2024. وفي كل مرة كانوا يتعرضون لهزات ارتدادية بسبب الارتفاع المستمر في الأسهم والمزيد من الانخفاض في الأسعار.
* محلل أسواق النفط والطاقة في «رويترز»
جون كيمب*
أفاد المصنعون الأمريكيون بأن نشاط الأعمال انخفض للشهر الثالث عشر على التوالي الشهر الماضي، حيث كان للركود الصناعي الطويل والضحل نسبياً تأثير مماثل على استهلاك الوقود والكهرباء.
وأظهر مؤشر مديري المشتريات للتصنيع الصادر عن معهد إدارة التوريدات (ISM) قراءة سلبية جديدة عند 46.7 نقطة في نوفمبر 2023 الماضي، وهي أقل من توقعات السوق 47.9 نقطة، ونفس قراءة أكتوبر/ تشرين الأول.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا المؤشر يتم حسابه من خلال خمسة من أصل 11 مكوناً لما يقرب من 300 شركة محلية لتقييم وضع السوق داخل الولايات المتحدة، بما في ذلك معدلات التوظيف، والإنتاج، والطلبات الجديدة، والأسعار، والمخزونات، وغيرها. وبما أنه لا يزال قابعاً منذ نوفمبر 2022 دون عتبة ال50 نقطة، التي تفصل النشاط المتوسع عن الانكماش، فهذا يعني استمرار الانكماش في دورة الأعمال لفترة طويلة وبشكل غير عادي.
ومن حيث المدة، فإن انكماش التصنيع يشترك مع الركود في نهاية الدورة أكثر من التباطؤ في منتصفها. ومنذ عام 1945، استمرت فترات التباطؤ في منتصف الدورة عموماً لمدة ثمانية أشهر أو أقل، في حين استمرت فترات الركود لمدة 11 شهراً أو أكثر. ولكن في العمق، يبدو أن الانكماش كان معتدلاً إلى حد استثنائي، مع انخفاض طفيف للغاية في إنتاج الصناعات التحويلية واستهلاك الطاقة المرتبط به.
في غضون ذلك، يعتبر الديزل العمود الفقري للاقتصاد الصناعي، مع استحواذه على أكثر من ثلاثة أرباع أحجام الوقود المستخدم في عمليات التصنيع ونقل البضائع. وكان استهلاك الديزل وزيوت الوقود المقطرة الأخرى ثابتاً بشكل أساسي في الأشهر الثلاثة من يوليو/ تموز إلى سبتمبر/ أيلول 2023 مقارنة بنفس الفترات في عامي 2022 و2021.
وفي حال تضمين الحجم الصغير ولكن سريع النمو من وقود الديزل الحيوي والديزل المتجدد نلاحظ ازدياد الاستهلاك بنسبة 2% مقارنة بعام 2022، و4% اعتباراً من عام 2021.
وربما يُعزى بعض الاستهلاك الإضافي للديزل إلى قطاع البناء، حيث تستخدم العديد من المواقع الإنشائية محركات الديزل والمحركات الكهربائية العاملة بالديزل.
إضافة إلى ذلك، كان حجم الديزل المورَّد، وهو مؤشر آخر للاستهلاك، مرتفعاً بشكل غير عادي في أغسطس/ آب، الأمر الذي ربما شوه المقارنات السابقة. ويُظهر المنظور الأوسع أن استهلاك الديزل كان ثابتاً على نطاق واسع في الربعين الثاني والثالث من عام 2023 مقارنة بالعام السابق. ومع ذلك، فإن مرونة استهلاك السلعة تشير بقوة إلى أن تراجع التصنيع كان ضحلاً إلى حد ما.
وتظهر الصورة نفسها مع استهلاك الكهرباء الصناعية الذي كان ثابتاً في فترة الأشهر الثلاثة الأخيرة من يونيو إلى أغسطس مقارنة بالعام السابق. بالتالي، تشير القوة النسبية لاستهلاك الديزل والكهرباء الصناعية إلى أن استطلاعات «ISM» الشهرية للأعمال قد رسمت صورة قاتمة للغاية لنشاط التصنيع.
ومع ذلك، فمن المرجح أن تقترب دورة تراجع قطاع التصنيع من نهايتها مع ارتفاع مكون الطلبيات الجديدة في المؤشر ذاته إلى 48.3 نقطة في نوفمبر. أما قطاع الخدمات الأكبر حجماً فكان تراجعه طفيفاً للغاية وغير ملاحظ مقارنة بالتصنيع، مع تسارع النشاط في الربعين الثالث والرابع بعد فترة تباطؤ أقصر وأقل سطحية في الربعين الأول والثاني.
وكشفت البيانات الصادرة عن معهد إدارة التوريدات الأمريكي أيضاً أن مؤشر مديري المشتريات الخدمي قد سجل قراءة أفضل من المتوقع عند 52.7 نقطة خلال شهر نوفمبر الماضي، مقارنة ب51.8 للقراءة السابقة خلال أكتوبر، وارتفاعاً من أدنى مستوى له مؤخراً عند 50.3 نقطة في مايو/ أيار.
*محلل أسواق النفط والطاقة في «رويترز»
جون كيمب*
أظهرت بيانات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأخيرة أن الأسر والمنظمات غير الربحية تمتلك أصولاً سائلة بقيمة 18.5 تريليون دولار مع نهاية مارس/آذار 2022، ارتفاعاً من 14.3 تريليون دولار عن نفس الفترة لعام 2019، بعد حساب بيانات التضخم المعدّلة.
وتشمل الأصول السائلة العملات والأرصدة في الحسابات الجارية وحسابات الودائع الآجلة وكذلك صناديق أسواق المال، وكلها متاحة بسهولة للإنفاق. وقد تراكمت هذه الأصول بمعدل قياسي في عامي 2020 و2021 بسبب القيود المفروضة على السفر والإنفاق الاجتماعي، بالإضافة إلى شيكات التحفيز المقدمة من قبل الحكومة الفيدرالية.
وخلال فترات الإغلاق الأكثر شدة في الربع الثاني من عام 2020 والربع الأول من عام 2021، كانت الأسر الأمريكية تدخر الأموال بمعدلات سنوية وصلت ما بين 4 و5 تريليونات دولار. ومع ذلك، كانت القيمة المعدّلة للأصول السائلة في الآونة الأخيرة ثابتة أو منخفضة مع تمكن الأسر من السفر مجدداً والتواصل الاجتماعي عن قرب مرة أخرى، في حين أدى ارتفاع الأسعار إلى خفض القيمة الحقيقية لأرصدة الأصول السائلة التي انخفضت في المقابل مع نهاية الربع الأول من العام الجاري بشكل طفيف عن 18.7 تريليون دولار، وهي القيمة الحقيقية للأرصدة في نفس الفترة من عام 2021. ومن المرجح أن تنخفض الأرصدة الحقيقية بشكل أكثر حدة منذ ذلك الحين، حيث تم رفع معظم قيود السفر المتبقية بالتزامن مع جموح التضخم.
إن حقيقة ارتفاع الأصول السائلة الحقيقية للأسر وتراجعها بسرعة تفسر سبب بقاء الإنفاق الحالي قوياً، لكن المستهلكين (وهم الناخبون الحقيقيون) يقولون إن التضخم هو مصدر قلقهم الأكبر وإن الاقتصاد يسير في المسار الخطأ.
ستعتمد مرونة الإنفاق الاستهلاكي في مواجهة تصاعد فواتير الغذاء والوقود والفواتير الأخرى على ما إذا كانت الأسر تركز على مستوى أصولها السائلة الحقيقية (العالية) أو على معدل التغيير (ذو الهبوط السريع). كما أن المرونة تعتمد على المدة التي يتوقع أن يستمر فيها التضخم المتسارع في التهام قيمة مدخراتهم الحالية والحد من القدرة على زيادتها.
يتوقع المستهلكون أن ترتفع الأسعار بمعدلات سنوية تبلغ 5.2% خلال العام المقبل و2.8% خلال السنوات الخمس القادمة، وكلاهما أسرع بكثير من هدف البنك المركزي، وذلك بحسب مسح المستهلكين الخاص بجامعة ميتشيجان في 15 يوليو/تموز 2022.
وانخفضت نسبة الأسر التي تقول إنها أفضل حالاً من الناحية المالية مقارنة بالعام الماضي إلى 37% في مايو/أيار 2022 من 42% قبل عام. في حين قفزت النسبة التي تقول إنها أسوأ حالاً إلى 46% من 22% لنفس الفترة الزمنية.
من بين المستجيبين للمسح ذاته ممن قالوا إنهم أسوأ حالاً، قال 38% إن السبب الأكثر شيوعاً وراء قرارهم هو ارتفاع الأسعار، وهو ذات السبب ل 39% و33% ممن هم في الثلث الأدنى والثلث الأعلى على التوالي لسلم الدخل.
وانعكاساً لتأثير التضخم، انخفض مؤشر ثقة المستهلك إلى مستوى قياسي في يونيو/حزيران الفائت عند 50.0 نقطة، أي أسوأ مما كان عليه خلال الأزمة المالية في عام 2008 (55.3) نقطة، أو خلال الركود في عام 1980 حين بلغ المؤشر (51.7) نقطة، وأسوأ حتى من الفترة التي تلت صدمة النفط عام 1975 (57.6) نقطة آنذاك.
لم يكن هناك سوى تحسن طفيف في أرقام النصف الأول من يوليو، حيث أظهرت النتائج الأولية زيادة مؤشر معنويات المستهلكين بشكل هامشي إلى 51.1. فهل نستمر في الإنفاق أم لا؟
لا تزال الأسر تمتلك الموارد المالية لمواصلة الإنفاق للعام المقبل أو أكثر من خلال تقليل المدخرات التي جمعتها خلال الوباء، لكنها مدخرات مبالغ بها، ومن المرجح أن العديد من الأسر في الجزء الأدنى من سلّم الدخل استنفدت بالفعل احتياطياتها وأصبحت مقيدة بالإنفاق. وبشكل حاسم، تُظهر اليوم بالفعل روايات الأسر والأعمال ونظريات علم النفس حول الإنفاق وجود العديد من السمات المرتبطة ببدء الركود. وبدأت تنتشر تقارير إخبارية مستندة إلى الحكايات حول لجوء الأسر إلى تداول علامات تجارية أرخص، واختصار الإنفاق الأسبوعي على الطعام والبنزين، وتأجيل المصاريف غير الضرورية. كما بدأت الشركات في العديد من القطاعات في وقف التعيينات الوظيفية الجديدة، والنظر في تقليص عدد الموظفين، وإيقاف استثمار رأس المال مؤقتاً.
إن إقناع الأسر بمواصلة الإنفاق يعتمد على إقناعها أولاً بأن النمو سيستمر، وأن التضخم سوف تتم السيطرة عليه لوقف التهالك الحاصل في مراكزها المالية ومدخراتها الأساسية. واستنزاف المدخرات أمر غير سار من الناحية النفسية عندما يرتبط بارتفاع الأسعار والتكاليف بدلاً من زيادة الاستهلاك، وهو ما يفسر الحالة المزاجية المتوترة التي تم رصدها للأفراد والأسر في معظم الاستطلاعات السابقة.
بدأت الأسر الأمريكية بالفعل في كبح جماح الإنفاق، وربما هي غير قادرة كمستهلكة على فعل الكثير فيما يخص ارتفاع الأسعار، لكن بصفتهم (ناخبين) يمكنهم معاقبة أولئك الذين يعتبرونهم مسؤولين عما وصل بهم الحال.
* محلل الأسواق في (رويترز)
جون كيمب *
وعد الرئيس الأمريكي جو بايدن، بإطلاق ما معدله مليون برميل يومياً من الخام المتاح لاحتياط البترول للأشهر الستة المقبلة. جاء ذلك بعد التشاور مع أعضاء وكالة الطاقة الدولية الآخرين الذين اتفقوا قبل أكثر من أسبوع على إجراء جولة أخرى من الإفراجات الطارئة عن الاحتياطيات. ويتوقع بايدن أن يوافق الحلفاء في وكالة الطاقة الدولية على الإفراج عن 30 إلى 50 مليون برميل إضافية من الاحتياطيات الخاصة بهم.
وإضافة إلى اليابان، ستستغل المملكة المتحدة أيضاً مخزوناتها، في ثاني عملية إطلاق منسقة لمخزونات النفط في غضون أسابيع قليلة. فقبل شهر، وافق أعضاء الوكالة على استخدام 61.7 مليون برميل، منها 30 مليوناً من الولايات المتحدة، و2.2 مليون من المملكة المتحدة، وكان لها تأثير محدود على الأسعار آنذاك.
وقالت وكالة الطاقة الدولية، ومقرها باريس، إنها ستقدم مزيداً من التفاصيل لاحقاً حول نشر المخزون، وهو التدخل المنسق الخامس منذ تأسيسها في عام 1974. وأضافت في بيانها: «إن الأزمة العسكرية بين روسيا وأوكرانيا لا تزال تضغط بشدة على أسواق النفط العالمية، وبالتزامن مع أدنى مستوى للمخزونات التجارية منذ عام 2014، ووسط القدرة المحدودة لمنتجي النفط على توفير إمدادات إضافية على المدى القصير».
يهدف الطرح غير المسبوق ل 180 مليون برميل نفط من المخزون الاستراتيجي الأمريكي، إلى تقليل المخاوف بشأن العرض وكبح الضغط التصاعدي على الأسعار في أعقاب الأزمة الأوكرانية وفرض عقوبات على موسكو رداً على ذلك، وليكون أيضاً بمثابة جسر إمداد حتى نهاية العام عندما يتحسن الإنتاج المحلي، مع دعم العقود الآجلة طويلة الأمد وتشجيع المزيد من الحفر من خلال التعهد بإعادة شراء النفط لاحقاً. وذلك وفقاً لبيان البيت الأبيض. كما سيتم استخدام عائدات البيع لملء مخزون احتياطي البترول الاستراتيجي خلال السنوات المقبلة، ما يضمن بقاءه متاحاً للاستجابة لحالات الطوارئ المستقبلية.
في الأسابيع الأخيرة، تسابق المتداولون لكسب الوقت وشراء العقود الآجلة ذات تواريخ التسليم القريبة، وفي بعض الحالات بيع العقود ذات مدد التسليم الأطول. ونتيجة لذلك، ارتفعت أسعار العقود الآجلة شبه المؤرخة بشكل أسرع بكثير من تلك التي تنتهي في وقت لاحق في عامي 2022 و2023؛ حيث يتوقع التجار نقصاً مفاجئاً في صادرات النفط الخام وزيت الوقود الثقيل والديزل القادم من روسيا.
وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت تسليم يونيو/حزيران 2022 بنحو 41 دولاراً للبرميل (54%) بحلول 25 مارس/آذار مقارنة بنهاية العام الماضي، في حين ارتفعت العقود الآجلة تسليم ديسمبر/كانون الأول 2023 بمقدار 19 دولاراً فقط (27%) خلال نفس الفترة.
بعد إعلان خطة البيت الأبيض بخصوص احتياطي البترول الاستراتيجي، تقلص الفارق السعري لخام برنت تسليم ستة أشهر إلى 9 دولارات، في أدنى مستوى منذ ما قبل الأزمة الأوكرانية أواخر فبراير، لكنه لا يزال مرتفعاً تاريخياً. وانخفض الفارق السعري بين العقود الآجلة لشهري يونيو ويوليو إلى النصف إلى أقل من دولارين للبرميل من ذروة تجاوزت 4 دولارات في أوائل الشهر الماضي.
يجب أن تخفف مبيعات الاحتياطي الأمريكي المُتعهّد بها من القلق الحاصب جرّاء النقص العيني للبترول، وتزيل بعضاً من شح السيولة الأخير في أسواق العقود الآجلة من خلال إنشاء طرف راغب بحكم الأمر الواقع للتجار الذين يراهنون على ارتفاع أسعار النفط.
قبل الإعلان الأخير هذا، أصدر الرئيس الأمريكي بالفعل أمراً بالإفراج عن 32 مليون برميل من النفط الخام من احتياطي البترول الاستراتيجي في نوفمبر/تشرين الثاني 2021، على أن يتم تعويضها بين عامي 2022 و2024. كما تم إطلاق 30 مليون برميل سابقاً استجابة للحرب في ليبيا، و11مليون برميل في أعقاب إعصار كاترينا، و17 مليون برميل إبان الغزو الأمريكي للعراق، مع أحجام أصغر في مناسبات أخرى. لكن الإصدار الحالي يُقزم الإصدارات السابقة ويشير إلى أن الغرض من الاحتياطي هو التغيير من تعويض النقص العيني للمادة إلى إدارة الأسعار أيضاً.
تم إنشاء احتياطي البترول الاستراتيجي في السبعينات من القرن الماضي، وكان الغرض الأساسي منه هو الحفاظ على الاستعداد العسكري وإدارة المخاطر الناجمة عن اضطرابات الإمدادات والنقص المادي. ولطالما احتفظت الحكومات بمخزون من المواد الغذائية والضروريات الأخرى لضمان الإمدادات لسكان المناطق الحضرية المعرضين للخطر، والقوات العسكرية، والاستجابة للمجاعات وغيرها من الاضطرابات الكارثية في الإمدادات، وإدارة الأسعار.
لقد تعهد البيت الأبيض بإعادة ملء الاحتياطي الاستراتيجي خلال السنوات المقبلة، عندما تكون الأسعار أقل مما هي عليه الآن ربما. وبافتراض الوفاء بالوعد، فإن الوقت المثالي لإعادة الملء سيكون خلال فترة الانكماش التالية في سوق النفط، عندما لا يتنافس احتياطي البترول الاستراتيجي مع المستهلكين على البراميل النادرة، ويمكن أن تساعد المشتريات على دعم الأسعار ودعم المنتجين المحليين. وفي حال ثبت ذلك، فسيصبح احتياطي البترول الاستراتيجي مديراً فعلياً لمخاطر الأسعار.
* محلل الأسواق في «رويترز»