الخليج ،صحيفة يومية تصدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر بمدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أنشئت عام 1970 على يد الشقيقين المرحومين تريم عمران تريم وعبدالله عمران تريم | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
محمد حمدان بن جرش
كاتب
أحدث مقالات محمد حمدان بن جرش
5 نوفمبر 2021
جسر معرفي

د. محمد حمدان بن جرش

احتضنت الشارقة مختلف الملتقيات والأنشطة التي تنتمي إلى حقل الثقافة والأدب والفنون.

ولا يزال معرض الشارقة الدولي للكتاب يمارس مهمته الحضارية بعد أكثر من أربعين دورة ليستقطب أعداداً غفيرة من الكتاب والأدباء والإعلاميين والناشرين، مسوقاً لآلاف العناوين والأسماء في مختلف التخصصات والمجالات. ومشيّداً الجسور القوية بين الثقافة والمجتمع، ما يجعل الكثير من المتابعين والمهتمين والمثقفين والمبدعين وشرائح مختلفة ومتنوعة من المجتمع ومن شتى دول العالم ينتظرون موعد معرض الشارقة الدولي للكتاب.

لقد أدرك صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، أنه في ظل العولمة الطاغية ومحاولات طمس الخصوصيات الثقافية، فإنه لا مناص من فعل ثقافي قادر على أن يحقق الإضافات الحقيقية للفرد، ويقيم مجتمع المعرفة كغاية لحوار حضاري بناء متكافئ يمكن من الانفتاح على الآخر من دون تعصب وانغلاق، ويجعل من الأفكار جسوراً للتواصل الحضاري والثقافي بدل أن تكون سلاحاً لغزو ثقافي يكرس نموذجاً أوحد يفرضه القوي، حيث إن إبراز الهوية الثقافية وحفاظ كل شعب على أصالته الحضارية بات شرطاً أساسياً لتعامله على قدم المساواة مع الشعوب الأخرى انفتاحاً وتواصلاً وتعاوناً في المجالات كافة بهدف تطوير الحضارة الإنسانية.

لقد كرست الشارقة كل جهودها ومواردها لإيجاد نمط حياتي راسخ لأبنائها تدعمه القيم والمبادئ والقيم ومحوره الخطط المستقبلية الواعدة. وذلك ما كان ممكناً لولا مشروع حاكم الشارقة لبناء الإنسان ثقافياً وحضارياً، الذي جعل من إمارة الشارقة منطلقاً لجسر معرفي يربط الأمة بثقافتها، ويمتد بثقة إلى البعدين الإسلامي والعالمي، راسماً ملامح الشارقة كعاصمة للثقافة وتعزز مكانتها ودورها البارز في المنظومة الثقافية العالمية.

يعتبر معرض الشارقة أحد أهم المعارض الثقافية عالمياً، ما يجعل من هذا الحدث فرصة استثانية لمشاركة مؤسسات ثقافية كثيرة من مختلف بلدان العالم، خاصة وأن الحضور الذي يشهده المعرض يتيح لتلك المؤسسات التواصل مع ذلك الجمهور الكبير الذي يتابع المعرض في كل دوراته ويحقق معين أهدافه في خلق مناخ من القراءة التي ستظل عنواناً أصيلاً للثقافة وباعثاً على تواصل العمل الثقافي بالتوازي والتزامن مع غيره من الفعاليات الثقافية، وبالتالي يسهم في بناء فكر الإنسان ووعيه ويعزز من جانب المعنيين في طرح إنتاجهم الدائم في هذا المعرض اللافت، ما يساعد المؤسسات الثقافية على تحديد البوصلة والاتجاه معاً وصولاً إلى ترسيخ حضورها في هذا المحفل الكبير والتواصل مع هدفها المتمثل في الإنسان المتعلم المثقف الواعي القادر على مواجهة تحديات الحياة والمقبل على القراءة والاطلاع على ما يقدمه المعرض من رؤى وإبداعات تتصل بكافة مشارب الثقافة وميادينها التي لا تنضب.

30 أكتوبر 2019
الاستثمار في الإنسان
د. محمد حمدان بن جرش


إن التنمية تتضمن بعداً إنسانياً، حيث تسعى إلى التطوير الشامل لسائر جوانب المجتمع ويكون الإنسان أداتها وغايتها في الوقت نفسه، ولم تعد التنمية تقاس اليوم بكمّ الإنتاج ونوعه، بل بما يطرأ على حياة الإنسان من تحولات إيجابية، وقد أثبت حصر التنمية في الجانب الاقتصادي دون غيره فشله المتمثل في عدم قدرته على تأمين تنمية حقيقية للمجتمعات، بل ربما أسهم بتبعية اقتصادية أعاقت التنمية، وبرهان ذلك أن ما هو مهم للمجتمعات النامية ليس الثروة بذاتها، بل كيفية استخدام الثروة، وهنا، فنحن على تماس مباشر مع الثقافة، إذ تتأكد يوماً بعد يوم العلاقة بين الثقافة والتنمية الشاملة، فالإنسان هو رأس المال الحقيقي، لذلك ظهرت دراسات عديدة تؤكد على دور التنمية الثقافية كمكون رئيس في مختلف المراحل التي تمر بها الدول في طريقها إلى عملية التنمية المستدامة المتكاملة، بل صرنا اليوم نشهد دولاً عديدة حققت قفزات اقتصادية وتنموية ملحوظة عن طريق الاهتمام بالثقافة بمعناها العام والمتجسد في تنمية رأس المال البشري، وتوظيف عناصر التعلم والمعرفة جنباً إلى جنباً مع تطوير واستحضار التراث والفولكلور والعادات والتقاليد المحلية، في إنجاز شامل يسعى إلى صنع الشخصية التنموية الثقافية المحلية القادرة على النهوض الحقيقي ببلادها، ومعرفة ما تحتاج إليه بالضبط والسعي إليه بمنتهى الثقة.
وبناء على النتائج التي حققتها تلك الدول في مجال ربط سياساتها الثقافية بالأبعاد التنموية الشاملة وأهدافها الكبرى، أدرك العالم المعاصر أهمية دور التنمية الثقافية في بناء الأفراد والمجتمعات التي تُكون عنصراً أساسياً لكل مشروع تنموي في حياة الإنسان، وانبرى الكثيرون لتفعيل دورها في الاستراتيجيات الوطنية، فلا يمكن أن يكون هناك مشروع ثقافي من دون تصور أبعاد مشروع تنموي، فالمشروع الثقافي جزء لا يتجزأ من المشروع التنموي، لذا يجب أن تكون التنمية كمشروع حاضرة في عقل من يخطط للتنمية الثقافية باعتبارها داعماً لهذا المشروع ومكملاً له، بل مؤثرةً ومتأثرةً به. وهذا ما أدركته ونفذته الشارقة مبكراً، عبر صياغات واعية جداً من قبل صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، والذي وضع مشروعاً ثقافياً متكاملاً، يفسر ويشرح بطرق عملية وبمنجزات مبهرة مفهوم التنمية الثقافية على أكمل وجه.
ويلمس المتابع للحراك الثقافي في الشارقة مدى اهتمام صاحب السمو حاكم الشارقة بمسألة الاستثمار في الإنسان وتلبية حاجاته المجتمعية والاقتصادية والثقافية وحرصه على التنشئة الثقافية السليمة وإيمانه بأهمية دور الثقافة في التنمية وفي اجتثاث منابع الفكر الظلامي.
ونلاحظ نمو معرض الشارقة الدولي للكتاب من حيث الكم والكيف، ونشير أيضاً إلى أن الشارقة أضحت نموذجاً في البناء الثقافي وما حصدته من جوائز ثقافية وألقاب جاء نتيجة ذلك التخطيط واستشراف المستقبل والابتكار الدائم في المشاريع والبرامج الثقافية الذي اتبعه سموه، وهذا ما نشعر به خلال دخول معرض الشارقة للكتاب وتلك السعادة التي تغمر الناشر والكاتب والقارئ والعاشق للكتاب.

6 يناير 2016
مستقبل الثقافة
محمد حمدان بن جرش

في جلسة جمعت العديد من المثقفين الإماراتيين، دار الحديث عن المسألة الثقافية في الإمارات، وأهمية المبادرات التي تطلقها الحكومة لنشر ثقافة القراءة بين أفراد المجتمع. وطرح الحاضرون سؤالاً أساسياً حول دور النخبة الثقافية في الإسهام في صياغة خطط دعم برامج وأنشطة المؤسسات، وعلى الرغم من كون السؤال عاما، لكنه أيضاً يمس كل مثقف بشكل شخصي، إذ إن قضايا الثقافة بالنسبة للمثقف يتداخل فيها العام والخاص.
للحديث عن مستقبل الثقافة وقدرتها على أن تكون جزءاً من الرهان في مواجهة تحديات المستقبل، فإنّ أي ثقافة لن تكون قادرة على القيام بدورها ما لم تكن الأجيال الجديدة منخرطة بشكل أو بآخر في الثقافة، ومتفاعلة مع قضاياها، وهنا يبرز مفهوم التنشئة الثقافية، بوصفه مفهوماً مرتبطاً بفئات عمرية محددة، تمتد من سنوات الطفولة الأولى وحتى بدايات الشباب، وتلعب الأسرة والمحيط الاجتماعي دوراً في ترسيخ عادات معينة، ومنها عادة القراءة، والتي تشكل باباً من أبواب التفاعل مع المنتج الإبداعي والثقافي.
إن أحد أسباب الانفصال ما بين المؤسسات الثقافية والمجتمع، يكمن في غياب استراتيجيات كبرى حول التنشئة الثقافية، بحيث تتحول المؤسسات الثقافية، مع مرور الوقت، إلى مؤسسات فوقية، تضع برامجها وخططها بمعزل عن دراسة البنية الاجتماعية وتحولاتها، ومن دون قراءة المعطيات الجديدة التي فرضت نفسها، وهنا، لا بد أن نذكر الأثر الكبير الذي أحدثته ثورة التقانة والاتصالات على الأجيال الجديدة، وفرضت تعاطياً ثقافياً ما زالت المؤسسات الثقافية بعيدة عن التعاطي مع مجرياته، أو التأثير فيه، أو من خلاله.
إن العمل على تطوير المعطى الثقافي في عملية التنشئة، مرتبط بالبنى التي ينتمي إليها جيل الناشئة، وتلعب الأسرة دوراً مؤثراً في عملية التنشئة، لكن ثمة أسئلة عديدة تطرح في هذا السياق، ومنها: هل يمكن التعويل على المجهودات المبذولة في إطار الأسرة؟ وهل تعي كل الأسر الدور المهم للثقافة في تكوين أبنائها؟ وهل هناك خطط تستهدف الأسرة كبنية اجتماعية؟ وهل هناك أنشطة كافية لجعل الأسرة تنخرط في العملية الثقافية؟ وهل توجد دراسات حول بنية الأسرة اليوم ومدى أهمية الثقافة لديها؟.
هذه الأسئلة وغيرها ضرورية، لوعي عمق الأزمة المرتبطة بمستقبل الثقافة، كواحدة من المسائل الرئيسية في تحديد مستقبلنا، فنحن أمام طوفان من الاستهلاك الهائل والسريع، والذي يجعل صمود الثقافة مشكوكاً فيه إذا لم تدخل الأجيال الجديدة في حساباتنا الاستراتيجية، وفي عملية التنمية الثقافية، وهو ما يتطلب الكثير من العمل البحثي الجاد لمعرفة السبل الأنجع في جعل الثقافة عنصراً مهماً من عناصر التنشئة، أو لجعل قضية التنشئة الثقافية مسألة مرتبطة بالعمل المؤسساتي الجماعي، الذي تنخرط فيه المؤسسات الأكاديمية والثقافية والبحثية والإعلامية، وبالطبع المثقفون أنفسهم، وتفعيل قدرة المثقف على التأثير في الأجيال الجديدة، ما يقلل العزلة الموجودة بين البنى الاجتماعية والمثقف، ويعطي الأمل بقدرتنا على استنهاض الدور المستقبلي للثقافة.
وفي هذا الإطار، فإن التنشئة الثقافية هي عملية تكاملية، وبناءً على ذلك، فهي ليست مسألة عفوية، يمكن ترك مهماتها لكل وحدة اجتماعية على حدة، وإنما مهمة جماعية، تحتاج إلى برامج حقيقية، ورؤى وخطوات عملية.

في جلسة جمعت العديد من المثقفين الإماراتيين، دار الحديث عن المسألة الثقافية في الإمارات، وأهمية المبادرات التي تطلقها الحكومة لنشر ثقافة القراءة بين أفراد المجتمع. وطرح الحاضرون سؤالاً أساسياً حول دور النخبة الثقافية في الإسهام في صياغة خطط دعم برامج وأنشطة المؤسسات، وعلى الرغم من كون السؤال عاما، لكنه أيضاً يمس كل مثقف بشكل شخصي، إذ إن قضايا الثقافة بالنسبة للمثقف يتداخل فيها العام والخاص.
للحديث عن مستقبل الثقافة وقدرتها على أن تكون جزءاً من الرهان في مواجهة تحديات المستقبل، فإنّ أي ثقافة لن تكون قادرة على القيام بدورها ما لم تكن الأجيال الجديدة منخرطة بشكل أو بآخر في الثقافة، ومتفاعلة مع قضاياها، وهنا يبرز مفهوم التنشئة الثقافية، بوصفه مفهوماً مرتبطاً بفئات عمرية محددة، تمتد من سنوات الطفولة الأولى وحتى بدايات الشباب، وتلعب الأسرة والمحيط الاجتماعي دوراً في ترسيخ عادات معينة، ومنها عادة القراءة، والتي تشكل باباً من أبواب التفاعل مع المنتج الإبداعي والثقافي.
إن أحد أسباب الانفصال ما بين المؤسسات الثقافية والمجتمع، يكمن في غياب استراتيجيات كبرى حول التنشئة الثقافية، بحيث تتحول المؤسسات الثقافية، مع مرور الوقت، إلى مؤسسات فوقية، تضع برامجها وخططها بمعزل عن دراسة البنية الاجتماعية وتحولاتها، ومن دون قراءة المعطيات الجديدة التي فرضت نفسها، وهنا، لا بد أن نذكر الأثر الكبير الذي أحدثته ثورة التقانة والاتصالات على الأجيال الجديدة، وفرضت تعاطياً ثقافياً ما زالت المؤسسات الثقافية بعيدة عن التعاطي مع مجرياته، أو التأثير فيه، أو من خلاله.
إن العمل على تطوير المعطى الثقافي في عملية التنشئة، مرتبط بالبنى التي ينتمي إليها جيل الناشئة، وتلعب الأسرة دوراً مؤثراً في عملية التنشئة، لكن ثمة أسئلة عديدة تطرح في هذا السياق، ومنها: هل يمكن التعويل على المجهودات المبذولة في إطار الأسرة؟ وهل تعي كل الأسر الدور المهم للثقافة في تكوين أبنائها؟ وهل هناك خطط تستهدف الأسرة كبنية اجتماعية؟ وهل هناك أنشطة كافية لجعل الأسرة تنخرط في العملية الثقافية؟ وهل توجد دراسات حول بنية الأسرة اليوم ومدى أهمية الثقافة لديها؟.
هذه الأسئلة وغيرها ضرورية، لوعي عمق الأزمة المرتبطة بمستقبل الثقافة، كواحدة من المسائل الرئيسية في تحديد مستقبلنا، فنحن أمام طوفان من الاستهلاك الهائل والسريع، والذي يجعل صمود الثقافة مشكوكاً فيه إذا لم تدخل الأجيال الجديدة في حساباتنا الاستراتيجية، وفي عملية التنمية الثقافية، وهو ما يتطلب الكثير من العمل البحثي الجاد لمعرفة السبل الأنجع في جعل الثقافة عنصراً مهماً من عناصر التنشئة، أو لجعل قضية التنشئة الثقافية مسألة مرتبطة بالعمل المؤسساتي الجماعي، الذي تنخرط فيه المؤسسات الأكاديمية والثقافية والبحثية والإعلامية، وبالطبع المثقفون أنفسهم، وتفعيل قدرة المثقف على التأثير في الأجيال الجديدة، ما يقلل العزلة الموجودة بين البنى الاجتماعية والمثقف، ويعطي الأمل بقدرتنا على استنهاض الدور المستقبلي للثقافة.
وفي هذا الإطار، فإن التنشئة الثقافية هي عملية تكاملية، وبناءً على ذلك، فهي ليست مسألة عفوية، يمكن ترك مهماتها لكل وحدة اجتماعية على حدة، وإنما مهمة جماعية، تحتاج إلى برامج حقيقية، ورؤى وخطوات عملية.

[email protected]