صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
أيمن علي
أحدث مقالات أيمن علي
7 سبتمبر 2019
كيف يمكن أن تتطور الحرب التجارية الأمريكية الصينية


د. أيمن علي *

مزيد من الرسوم الصينية على صادرات أمريكا إليها ستبدأ في التأثير سلباً في المزارعين الأمريكيين، خاصة أن الصين بدأت بالفعل في استيراد منتجات مثل فول الصويا من البرازيل وغيرها.
على عكس نبرة التفاؤل التي قد تظهر بين حين وآخر بشأن احتمال العودة للمفاوضات التجارية بين الصين والولايات المتحدة للتوصل إلى اتفاقية تجارية تنهي الحرب الحالية بينهما، لا يبدو أن تلك الحرب التي تعد أحد أسباب التخوف العالمي من الركود الاقتصادي في طريقها للنهاية قريباً. ومنذ انهيار المفاوضات التجارية بين الطرفين في شنغهاي في يوليو، بدأ تصعيد جديد يتوقع أن يستمر حتى نهاية العام.
فقد بدأ الطرفان فرض رسوم جديدة على صادرات كل منهما للآخر مطلع الشهر، ضمن جدول لتصعيدها مجدداً منتصف ديسمبر القادم. وبدأت الولايات المتحدة بفرض رسوم على بقية الصادرات الصينية لأمريكا التي لم تطلها الرسوم بنسبة 15%، تطال ما تصل قيمته إلى 110 مليارات دولار من الصادرات الصينية تمثل 40% مما تبقى من تلك الصادرات دون رسوم عقابية (تقدر قيمتها بنحو 300 مليار دولار). وتم تأجيل فرض الرسوم على البقية حتى 15 ديسمبر.
كان قرار الرئيس ترامب مطلع أغسطس بفرض رسوم 10% على ما تبقى من الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة لكن قرار الصين في 23 أغسطس بالرد على الإجراء الأمريكي بزيادة الرسوم على الصادرات الأمريكية للصين جعل الإدارة الأمريكية تزيد الرسوم إلى 15% مع الالتزام بالجدول الأصلي: بقسمتها على مرحلتين في مطلع سبتمبر والبقية في 15 ديسمبر.
وتشمل تعرفة الرسوم الجديدة بضائع صينية مثل الملابس والأطعمة والأدوات المنزلية وبعض الإلكترونيات كالتلفزيونات وسماعات البلوتوث. بينما السلع المتبقية التي ستفرض عليها الرسوم منتصف ديسمبر فأغلبها الهواتف وأجهزة الكمبيوتر وإلكترونيات أخرى. أما الشريحة الأولى التي فرضت عليها الرسوم قبل أشهر (وهي صادرات صينية بقيمة تصل إلى 250 مليار دولار) فأغلبها منتجات وسيطة للصناعة.
يعكس البدء بنسبة أقل وجعل الرسوم الجديدة على مرحلتين تحفظ الرئيس ترامب بشأن تأثير النطاق الواسع للرسوم على الأسر الأمريكية، خاصة أن عام الانتخابات الرئاسية على الأبواب. لذا كان تأخير فرض الرسوم على نحو 60% مما تبقى من صادرات الصين لأمريكا حتى منتصف ديسمبر كي يسمح للمتسوقين الأمريكيين الذين يستعدون لموسم عيد الميلاد بشراء حاجياتهم بالأسعار الحالية. ثم إن مزيداً من الرسوم الصينية على صادرات أمريكا إليها ستبدأ في التأثير سلباً في المزارعين الأمريكيين، خاصة أن الصين بدأت بالفعل في استيراد منتجات مثل فول الصويا من البرازيل وغيرها، وهو ما اشتكى منه ترامب حين غرد بأن الصين لم تنفذ وعدها بشراء المنتجات الزراعية الأمريكية.
ولا يتوقع أن تتراجع الصين عن عقوبتها على المنتجات الزراعية الأمريكية ما لم تخفف الإدارة الأمريكية من سياساتها التصعيدية. وكررت الصين أنها لن تعاود شراء المنتجات الزراعية الأمريكية ما لم ترفع أمريكا العقوبات عن شركة هواوي. وكانت الإدارة الأمريكية وضعت قيوداً تصديرية على منتجات شركة الاتصالات الصينية منتصف مايو، ثم قررت مدة سماح 90 يوماً مددتها بنهاية أغسطس 90 يوماً أخرى. وفرضت واشنطن قيوداً تصديرية على شركات تكنولوجيا صينية أخرى أيضاً.
في المقابل بدأت الصين فرض رسوم على صادرات أمريكية إليها بقيمة 75 مليار دولار، وذلك بنسبة 5% مطلع سبتمبر و10% بحلول منتصف ديسمبر. كما فرضت رسوماً بنسبة 5% إضافية على واردات النفط الخام من أمريكا وأعادت فرض رسوم بنسبة 25% على السيارات الأمريكية على أن تضيف رسوماً بنسبة 5% على قطع غيار السيارات بحلول منتصف ديسمبر وهو ما يرفع معدلات التعرفة والرسوم على ذلك القطاع إلى نحو 40%.
وتدرس الإدارة الأمريكية إمكانية زيادة الرسوم على الدفعة السابقة من الصادرات الصينية لأمريكا وقيمتها 250 مليار دولار من 25% حالياً إلى 30% مطلع أكتوبر. ويهدد الرئيس ترامب أيضاً بتفعيل قانون السلطات الاقتصادية للطوارئ الدولية والذي يمكنه قانونياً من إجبار الشركات الأمريكية على عدم دخول السوق الصينية. ورغم أن ذلك يبدو احتمالاً بعيداً، إلا أنه لا يمكن استبعاده في حال استمرار التصعيد في الحرب التجارية والاقتصادية بين العملاقين الاقتصاديين لمستويات أعلى من الوضع الحالي. وبالطبع، سيكون تأثيره أوسع كثيراً من الإضرار بالاقتصادين الأمريكي والصيني وسيكون أثره السلبي كبيراً في الاقتصاد العالمي ككل.
يراهن ترامب وإدارته على أن القيادة الصينية لن تتحمل الإضرار باقتصادها طويلاً تحت وطأة الرسوم المفروضة على صادراتها لأمريكا والتي تزيد عن نصف تريليون دولار. لكن الصينيين غير مستعدين للقبول بالشروط الأمريكية للاتفاقية التجارية المقترحة. وقبل أيام كتبت صحيفة الشعب، التي تعد لسان حال الحزب الحاكم في الصين افتتاحية أن الرسوم الأمريكية «لن تؤثر في التنمية في الصين، وما زالت السوق الصينية جاذبة للشركات الأجنبية». كما أن الصين منزعجة مما اعتبرته استغلالاً من إدارة ترامب لمظاهرات هونغ كونغ كورقة تفاوض في النزاع التجاري، ناهيك عما تشعر به من استفزاز من بيع أسلحة أمريكية لتايوان.
ويتوقع، في حال استمرار الحرب التجارية وعدم التوصل لاتفاق تجارة تفاوضي بين واشنطن وبكين، أن يتجاوز الصراع الاقتصادي الرسوم والتعرفة على المنتجات المصدرة. ويمكن أن تمتد العقوبات إلى قطاعات مثل التكنولوجيا والأمن والاستثمار والخدمات المالية، ما من شأنه أن يؤدي إلى أضرار طويلة الأمد على الطرفين. إذ إن هناك مؤشرات قوية على أن الحرب التجارية قد تنتقل بسرعة إلى حرب عملات وصراع مالي.
فقد بدأت الصين في ترك عملتها اليوان (رينمنبي) تنخفض أمام الدولار. وفي ذلك بعض التعويض للمستوردين الأمريكيين عن الرسوم التي تفرضها إدارة ترامب وتوسيع للميزة التنافسية للصادرات الصينية عموماً لبقية العالم الذي يحسم تحويل عملاته بالدولار وخاصة تلك البلدان التي تربط عملتها بالدولار كدول منطقة الخليج. ويتوقع أن تستمر الصين في ترك سعر صرف الرينمنبي يهبط قليلاً أمام الدولار حتى نهاية العام وربما في العام القادم. لكن من غير المتوقع أن يلجأ المسؤولون الصينيون إلى استخدام العملة كسلاح والتدخل القوي في السوق لخفض سعر الصرف.
وستلجأ الصين أيضاً إلى التخلص من بعض سندات الخزانة الأمريكية التي تملكها، أيضاً كإجراء وقائي ولتعزيز الضغط النزولي على سعر صرف الرينمنبي. لكن من غير المتوقع أن يلجأ الصينيون إلى بيع السندات وأذون الخزانة الأمريكية بشكل يهز الأسواق العالمية. وتملك الصين سندات أمريكية بقيمة 1.11 تريليون دولار تمثل 27% من إجمالي السندات وأذون الخزانة وأوراق الدين الأمريكي الأخرى لدى الحكومات الأجنبية وقيمتها 4.1 تريليون دولار.

* كاتب صحفي مصري

31 أغسطس 2019
ركود أم لا ركود؟
د.أيمن علي *

رغم الأنباء عن اقتصاديات رئيسية، بما فيها الاقتصاد الصيني الذي كان دينامو النمو العالمي في السنوات الأخيرة، إلا أن أي رقم أو بيان أو تصريح عن الاقتصاد الأمريكي هو ما يزيد الجدل سخونة ويزيد من كثافة التوقعات بشأن الاقتصاد العالمي ككل.
ربما كان السؤال الذي لا يخلو منه حديث اقتصادي، أو حتى نقاش عام حول «الأحداث الجارية» في العالم، هو: هل الاقتصاد العالمي إلى ركود أم لا؟ ومتى وكيف؟ حتى إن الكلمة أصبحت الأكثر تداولاً في عناوين الأخبار إلى جانب أخبار الحروب والكوارث والأزمات السياسية. وبالتأكيد زاد من تداول التساؤل حول الركود، البداية المبكرة للحملة الانتخابية للرئاسة الأمريكية العام القادم، حيث لا يمر يوم دون تصريح للرئيس الأمريكي دونالد ترامب يهاجم فيه الإعلام والخبراء والمحللين الذين يتحدثون عن الركود.
ورغم الأنباء عن اقتصاديات رئيسية، بما فيها الاقتصاد الصيني الذي كان دينامو النمو العالمي في السنوات الأخيرة، إلا أن أي رقم أو بيان أو تصريح عن الاقتصاد الأمريكي هو ما يزيد الجدل سخونة ويزيد من كثافة التوقعات بشأن الاقتصاد العالمي ككل. ولا يعود السبب فقط لأن الاقتصاد الأمريكي ما زال أكبر اقتصاد في العالم، ولكن لأنه يظل الأكثر مرونة والقدرة على خلق سعة فائضة أكثر من غيره. كما أن ارتباط أغلب اقتصادات دول العالم به، وبعملته الدولار، يجعله المؤشر الرئيسي على حالة الاقتصاد العالمي.
وفي ظل استمرار تحسن أسعار الأسهم، في المتوسط بشكل عام، وانخفاض أسعار النفط عالمياً رغم كل التوتر في الشرق الأوسط، يستمر معدل البطالة في الولايات المتحدة منخفضاً (نسبة البطالة 3.7%)، لا يرى الرئيس ترامب وكبار مستشاريه الاقتصاديين أيّ دلالة على الركود. ويحملون الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي) الأمريكي، المسؤولية عن أي تباطؤ في الاقتصاد لأنه لا يخفض أسعار الفائدة رغم انخفاض معدلات التضخم.
المشكلة أن ترامب ليس اقتصادياً، وبالتالي لا يعجبه تقديرات الاقتصاديين والمعلقين حول احتمالات الركود ومؤشراته في سوق السندات ونماذج الدورات الاقتصادية. لكنه أيضاً اختار مستشاره الاقتصادي الرئيسي مثله تقريباً، فلاري كادلو رئيس المجلس الاقتصادي للبيت الأبيض جاء من مجال التلفزيون مثل ترامب، وكانت وظيفته التي تربطه بالاقتصاد قبل أن يصبح مقدماً لبرنامج اقتصادي تلفزيوني هي محلل مالي صغير.
لا يعني ذلك أن تعقيدات الخبراء والاقتصاديين، ولغتهم المعقدة، صحيحة أو يجب تصديقها أكثر من سمسار عقارات ومقدم برنامج تلفزيوني ومحلل مالي بسيط ومقدم تلفزيوني. كما أن قاعدة الحكمة التقليدية بشأن الدورات الاقتصادية: ركود - نمو - ركود، لم تعد ذهبية في ظل تطورات الاقتصاد العالمي. وحسب الكتاب فإن الأزمة الأخيرة في 2008-2009 كان يتعين أن تليها نهاية دورة أخرى في 2016 أو 2017 تقريباً.
إنما السنوات العشر الأخيرة لم تشهد نمواً جيداً في الاقتصاد العالمي، إذ لم يتجاوز معدل النمو متوسط 2-3%، وقد يكون ذلك سبباً في طول مدة الدورة عما هو معتاد، كما أن سياسات التيسير النقدي وانخفاض معدلات الفائدة وإن لم تؤدّ إلى نمو قوي إلاّ أنها حالت دون الركود.
لكن المنطقي أيضاً أن النمو، وإن كان متواضعاً، لا يمكن أن يستمر إلى ما لانهاية، وبالتالي فمؤشرات التباطؤ التي يتحدث عنها الخبراء وتبدو واضحة في أرقام الاقتصاد الكلي للاقتصادات الرئيسية والصاعدة حقيقية. ويلمس الناس العاديون، وليس الاقتصاديين فحسب، الضغط الاقتصادي الناجم عن عدم التحسن والرواج الذي غالباً ما كان يتبع نهايات الدورات الاقتصادية السابقة.
كما أن بعض الأرقام لا تبعث على التفاؤل أيضاً، خاصة في الاقتصاد الأمريكي نفسه. فقد أعلن مكتب إحصاءات العمل الأمريكي بنهاية أغسطس مراجعة بالسلب لأرقام الوظائف التي يضيفها الاقتصاد الأمريكي (وتعد أهم مؤشر على توسع الاقتصاد وسلامة نموه). وحسب بيان المكتب فإن أرقام الوظائف التي توفرت في العام الأخير حتى نهاية مارس أقل مما هو معلن بنصف مليون وظيفة، بمعنى أن أصحاب العمل كانوا يعلنون أرقاماً مضخمة على مدى الشهور الماضية. وتلك أكبر مراجعة بالسلب لأرقام الوظائف يعلنها المكتب في عشر سنوات، وهي بنسبة سالب 0.3%.
ومن الصعب أيضاً التغاضي عن تأثير الحرب التجارية التي شنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على شركاء أمريكا التجاريين في العالم. وحسب مكتب الميزانية في الكونجرس فإن الرسوم العقابية التي يفرضها ترامب ستؤدي إلى انخفاض نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.3% العام المقبل.
وجاء مؤشر رضا المستهلكين في الشهر الأخير في أقل مستوى له في 7 أشهر وكذلك مؤشر توجه الاقتصاد الذي جاء منخفضاً لأقل مستوى في 5 أشهر. وفيما يظل سعر الدولار مرتفعاً وكذلك سعر الذهب (الذي يفترض أن يتناسب عكسياً معه) الذي وصل إلى أعلى مستوى في 6 سنوات، فإن سعر النحاس آخذ في التراجع بشكل مطّرد. وتلك دلالة واضحة لما نراه في أرقام نمو التصنيع المتراجعة باستمرار.
كل تلك المؤشرات تعني أن الاقتصاد العالمي ليس في طريقه لاستمرار التحسن، وإن لم يكن الركود العالمي في الأفق فالأرجح أن العالم مقبل على مرحلة تباطؤ طويل الأمد قد تعني انكماشاً Deflation مستمراً كما حدث لليابان لسنوات.

* كاتب صحفي مصري

20 أغسطس 2019
«أوبر» بين النمو والخسائر

د. أيمن علي *

تكبدت أوبر خسارة كبيرة في الربع الثاني بلغت 5.2 مليار دولار، وهي خسارة كبيرة بكل المقاييس، وكانت الشركة منيت بخسارة تزيد على مليار دولار في الربع الأول.
رغم الخسائر الهائلة التي مُنيت بها شركة أوبر في الربع الثاني إلاّ أن كبار المسؤولين فيها يؤكدون أنهم لن يتوقفوا عن سعيهم لأن تصبح الشركة الرائدة في مجال النقل عبر تطبيق إلكتروني مثل شركة «أمازون» العملاقة في مجال التسوق الإلكتروني. ويعني ذلك أن الشركة التي يستخدمها أكثر من 110 ملايين مشترك حول العالم وتعمل في نحو ثمانمئة منطقة حضرية في مختلف دول العالم مستمرة في الإنفاق الاستثماري على التوسع في نشاطها من أجل تحقيق مزيد من النمو بما يقنع مستثمريها بالاستمرار في الاحتفاظ بأسهمها بعدما طرحت نفسها في الأسواق المالية كشركة عامة في مايو الماضي.
في الثامن من أغسطس أعلنت أوبر عن بياناتها المالية للربع الثاني بعدما أصبحت شركة عامة مسجلة في البورصة في وقت سابق من هذا العام. وللمرة الثانية منذ طرح أسهمها حققت أوبر خسارة كبيرة في الربع الثاني بلغت 5.2 مليار دولار وهي خسارة كبيرة بكل المقاييس وكانت الشركة منيت بخسارة تزيد على مليار دولار في الربع الأول. وما زاد من التأثير السلبي لخسارة الربع الثاني لأوبر أن الشركة المنافسة لها في الولايات المتحدة، ليفت، أعلنت زيادة كبيرة في عائداتها بلغت نسبة 72% في الربع الثاني. ورغم أن أوبر حققت زيادة في العائدات، من حيث عدد الرحلات عبر تطبيقها على الهواتف الذكية، بلغت نحو الثلث إلا أن العائد النقدي للشركة بعد خصم السائقين لمستحقاتهم لم يتجاوز 14 في المئة.
ومنذ الإعلان عن خسارة أوبر الكبيرة وهبوط أسهمها فور إعلان نتائجها المالية بما يقارب الحد الأدنى، يعلق كثيرون بأن خسائر أوبر تزيد منذ الطرح الأوّلي لأسهمها الذي طال انتظاره. ويستشهد هؤلاء بمشكلة تدهور تقييم الشركة لدى طرحها، حيث كانت تقدر قيمتها بنهاية 2018 عند أكثر 120 مليار دولار، فيما لم تتجاوز قيمتها لدى طرحها الأوّلي نطاق قيمة ما بين 70 و75 مليار دولار. وقدرت البنوك الاستثمارية التي أدارت الطرح سعر سهم أوبر ما بين 44 و50 دولاراً، لكن في النهاية طرح السهم باتجاه الحد الأدنى للتقدير عند 45 دولاراً وما لبث أن شهد هبوطاً في سعره. والواقع أن أوبر منذ طرحها تعاني عمليات تذبذب تقدير قيمتها، خاصة كلما لجأت لتوفير رأس المال من صناديق الاستثمار والمستثمرين المؤسساتيين أو الخواص الأفراد.
على سبيل المثال، في يناير من العام الماضي حين كانت الشركة تجمع رأسمال جديد قدرت قيمتها بأقل من نصف التقدير السابق ووصلت إلى 48 مليار دولار، بينما بلغت قيمتها في إبريل من العام الثاني في جولة تمويل أخرى 62 مليار دولار. وفي المتوسط خسرت أوبر العام الماضي ما يصل إلى 3 مليارات دولار من عائدات بلغت 3.11 مليار دولار، وبنهاية العام كان العجز المالي لدى الشركة نحو 8 مليارات دولار. وخسرت الشركة على مدى السنوات العشر الماضية، منذ تأسيسها في 2009، ما يصل إلى 14 مليار دولار.
لكن أوبر كانت دوماً تركز على التوسع والنمو، الذي شهد قفزات هائلة في سنواتها الأولى وهو ما شجع ممولين لقطاع التكنولوجيا، مثل سوفت بنك الياباني الذي تساهم دول خليجية نفطية في صناديقه الاستثمارية، على استمرار ضخ الأموال في أوبر قبل طرحها في البورصة. لكن منذ طرح أسهمها في مايو الماضي، لم يعد التوسع في النمو مقنعاً للمستثمرين حاملي السهم الذين تهمّهم الأرباح على عائدات الشركة وقد لا يشاركون كبار مسؤوليها التنفيذيين طموحهم لاقتحام مجالات جديدة. والواقع أن النمو والتوسع لم يعد بذات الوتيرة بعد التوقف المؤقت لمشروع السيارات ذاتية القيادة الذي استنزف قدراً من استثمارات الشركة. ولا يزال الطريق طويلاً قبل أن تستغني أوبر عن السائقين ويحقق الاستثمار التكنولوجي في السيارات ذاتية القيادة مردوداً يقنع المستثمرين.
كما أن دخول الشركة في مجال توصيل الطلبات وخدمات النقل الأخرى يسير ببطء شديد، خاصة أنها مجالات ترسخت فيها أساليب نقل أخرى تحتاج أوبر لسنوات كي تزيحها وتزيد نصيبها منها. مع ذلك، فإن الاستثمار في وسائل نقل أخرى غير المشاركة بالسيارات مثل أوبر السكوتر والدراجات الهوائية ووسائل النقل الجماعي أحرزت بعض التقدم إلا أن دخول أوبر في مجال المواصلات العامة كثيفة الركاب وعلى خطوط شركات المواصلات التقليدية ما زال أمامه طريق طويل أيضاً.
وربما يكون الخيار الأفضل لأوبر، العودة للاعتماد على صناديق الاستثمار والمستثمرين المؤسساتيين والأفراد الخواص لتحقيق استراتيجيتها بأن تصبح «أمازون قطاع النقل». لكنها في الوقت نفسه ستجد نفسها مطالبة بتحقيق أرباح من عملها الأساسي كي تقنع حاملي الأسهم بأن استثماراتهم لها عائد. فمن يتعاملون في البورصة أقل صبراً من الصناديق حين يتعلق الأمر باستراتيجيات الشركات للتوسع والنمو طويل الأجل قبل تحقيق عائد وأرباح.

* كاتب صحفي مصري

6 أغسطس 2019
لماذا لا ترفع أزمة إيران أسعار النفط؟
د. أيمن علي *

ارتفعت أسعار النفط قليلاً في الأسبوع الأخير من يوليو/‏ تموز نتيجة زيادة السحب من المخزونات التجارية الأمريكية، لكنها ظلت في نطاق 55-60 للخام الأمريكي الخفيف و60-65 لبرنت. ولم تتحرك الأسعار بشكل واضح نتيجة التوتر في الخليج ولا حتى نتيجة موافقة أوبك والمنتجين من خارجها على تمديد خفض الإنتاج بمعدل 1.2 مليون برميل يومياً حتى مارس العام المقبل.
ورغم الانخفاض الحاد في صادرات النفط الإيراني واستمرار غياب النفط الفنزويلي من السوق ومشاكل إنتاج في نيجيريا وليبيا وغيرها، إلا أن أساسيات السوق من عرض وطلب تظل متوازنة إلى حد كبير. والسبب الرئيسي هو توقعات عدم زيادة الطلب العالمي نتيجة النظرة السلبية للنمو الاقتصادي.
الحكمة التقليدية أن التوترات الجيوسياسية تؤثر في أسعار النفط بغض النظر عن أساسيات السوق، لكن يبدو أن ذلك العامل النفسي فقد تأثيره في أزمة إيران الأخيرة. فمع التصعيد المتواصل في الخليج والحشود العسكرية الأمريكية والبريطانية وتخريب ناقلات النفط وتفجيرها في الأشهر الأخيرة واحتجاز إيران لناقلة بريطانية لم ترتفع أسعار النفط.
يعود ذلك لعدة أسباب، منها أن الأسواق مقتنعة بأن أحداً لا يريد الحرب في الخليج وأن الحشود والتصعيد مجرد مناورات حتى تتفاوض إيران مع الولايات المتحدة التي انسحبت من الاتفاق النووي العام الماضي وأعادت فرض العقوبات على إيران. ويبدو أن العالم واثق من قدرته على حماية ممرات الملاحة الدولية في الخليج وبالتالي ضمان استمرار انسياب النفط والمشتقات عبر الممر المائي الاستراتيجي ومن مضيق هرمز الهام لسوق الطاقة العالمي.
إلا أن هناك عاملاً مهماً أيضاً، وهو أن أغلب الدول التي يمر نفطها عبر الخليج قامت في الأعوام الأخيرة بالاستثمار في طرق بديلة لنقل نفطها ومنتجات التكرير غير الخليج ومضيق هرمز، مثل موانئ الإمارات على خليج عمان وخط الأنابيب السعودي من المنطقة الشرقية إلى موانئ على البحر الأحمر.
لذلك فأسعار النفط، التي وصلت إلى 85 دولاراً للبرميل في أكتوبر من العام الماضي، لم ترتفع متأثرة بأزمة إيران والتوتر في الخليج. ولا يعني ذلك أن العوامل الجيوسياسية لم تعد تؤثر في سوق النفط وإنما لأن الأسواق لم تحسب احتمال تعطل إمدادات النفط من المنطقة وبالتالي تجاهلت التصعيد الحالي.
أما قرار أوبك وشركائها من خارج المنظمة، وفي مقدمتهم روسيا، بتمديد اتفاق خفض الإنتاج فهو في الواقع لم يعد كافياً لسحب أي فائض عرض محتمل نتيجة زيادة الإنتاج من دول خارج الاتفاق أو نتيجة تراجع الطلب العالمي. وبالتالي يظل توازن أساسيات السوق على ما هو عليه منذ مطلع العام، وحتى بعد تشديد أمريكا عقوباتها النفطية على إيران بهدف «تصفير» صادراتها من النفط.
ولعل استمرار ارتفاع سعر صرف الدولار يؤثر في أسعار النفط أكثر من عوامل التوتر في الخليج وقرار أوبك. فأغلب عقود النفط في العالم هي بالدولار الأمريكي، ويتناسب سعر النفط عكسياً مع سعر الدولار لأن الدولار المرتفع القيم يقلل من الطلب وبالتالي يخل بتوازن العرض والطلب لصالح الضغط نزولاً على أسعار النفط.
لذلك تترقب أسعار النفط قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي اتجاه سعر الفائدة. وسيؤدي خفض الفائدة إلى تراجع سعر صرف الدولار وبالتالي ارتفاع أسعار النفط. وهناك عامل أمريكي آخر يؤثر في معادلة العرض والطلب وبالتالي في أسعار النفط وهو زيادة الإنتاج الأمريكي خاصة من النفط الصخري. وإذا كان عدد منصات الإنتاج لم يعد يزداد بوتيرة كبيرة في الأسابيع الأخيرة إلا أن زيادة الإنتاج الأمريكي ما زالت في إطار التوقعات السابقة لتصبح الولايات المتحدة لاعباً رئيسياً في سوق الطاقة العالمي، ليس فقط كمستهلك بل كمنتج وربما مصدر أيضاً.
أما العامل الأهم الذي يضغط على أسعار النفط هبوطاً، أو على الأقل يحول دون ارتفاعها، فهو المخاوف من تراجع الطلب العالمي على النفط نتيجة التباطؤ في النمو الاقتصادي العالمي. ويواصل الاقتصاديون حول العالم رسم صورة متشائمة للنمو الاقتصادي. وأحدث تلك المؤشرات خفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي من 3.3% إلى 3.2% وكذلك خفض توقعات النمو للعام المقبل بقدر مماثل (من 3.6% إلى 3.5%).
والسبب الرئيسي للتوقعات المتشائمة للنمو الاقتصادي العالمي هو الحروب التجارية التي بدأتها الولايات المتحدة، وخاصة الصراع التجاري بين الصين وأمريكا. وهكذا نجد أن أغلب العوامل الأكثر تأثيراً في سوق الطاقة العالمي وبالتالي أسعار النفط هي أمريكية. لذلك لا تتأثر الأسعار بأزمة إيران إنما تنتظر كل ما يتعلق بأمريكا من إنتاجها النفطي وحجم مخزوناتها التجارية وسعر صرف عملتها وحتى اتفاقاتها التجارية مع شركائها.

* كاتب صحفي مصري

23 يوليو 2019
اتفاق التجارة البريطاني - الأمريكي وقطاع الصحة
د. أيمن علي *

من بين الميزات التي روج لها أنصار البريكست، قدرة بريطانيا على عقد اتفاقات تجارية أفضل لها مع دول العالم خارج إطار الاتفاقات بين هؤلاء الشركاء والاتحاد الأوروبي، وفي مقدمة هؤلاء بالطبع تأتي الولايات المتحدة.
يعكف الخبراء البريطانيون والأمريكيون على بحث بنود مفاوضات متوقعة بشأن اتفاق جديد للتجارة بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) منذ الإعلان عن إطار عام للاتفاق بين البلدين في فبراير/‏ شباط الماضي. كان ذلك بالطبع ضمن إطار موعد بريكست الأصلي في 29 مارس/‏ آذار الماضي، لكن منذ تأجيله إلى 31 أكتوبر/‏ تشرين الأول المقبل جرت مياه كثيرة جعلت احتمالات اتفاق التجارة بين أمريكا وبريطانيا مختلفة تماماً.
من بين الميزات التي روج لها أنصار البريكست، قدرة بريطانيا على عقد اتفاقات تجارية أفضل لها مع دول العالم خارج إطار الاتفاقات بين هؤلاء الشركاء والاتحاد الأوروبي. وفي مقدمة هؤلاء بالطبع تأتي الولايات المتحدة، ليس فقط بسبب «العلاقة الخاصة» بين بريطانيا وأمريكا، وإنما لأن مثل هذا الاتفاق سيكون مع أكبر اقتصاد في العالم وأكثره مرونة وديناميكية - وفي النهاية لدى أمريكا ربع اقتصاد العالم كله.
وقبل يومين من موعد استقالتها الرسمية من منصبها، استقبلت رئيسة الوزراء البريطانية تريزا ماي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي قام بزيارة رسمية لبريطانيا في الأسبوع الأول من يونيو/‏ حزيران. وخلال مؤتمر صحفي تحدث فيه ترامب عن الاتفاق التجاري المتوقع بين بريطانيا وأمريكا بعد البريكست، مؤكداً أن «كل شيء سيكون مطروحاً على الطاولة» في إشارة إلى أن الاتفاق يمكن أن يشمل المنتجات الزراعية والغذائية التي لا يريد البريطانيون إدراجها ضمن الاتفاقية، وكانت سبباً في رغبة إدارة ترامب في إعادة النظر في الاتفاق بين أمريكا والاتحاد الأوروبي الذي تم التوصل إليه في 2016.
لكن الأهم أنه حين سئل ترامب عما إذا كان ذلك يشمل نظام الرعاية الصحية البريطاني NHS وهو خدمة صحية حكومية أجاب بنعم، كل شيء. وحاولت تريزا ماي التخفيف من الأمر بإشارة عامة إلى أن أي اتفاق تجاري يشمل ما يرغب الطرفان في تبادله والتعامل فيه. لكن وزير الصحة البريطاني مات هانكوك كان واضحاً في تصريح له رداً على الرئيس الأمريكي بأن قطاع الخدمة الصحية في بريطانيا ليس مطروحاً للنقاش ضمن أي اتفاق تجاري.
ومع أن عين الشركات الأمريكية العاملة في قطاع الرعاية الصحية لم تغفل عن قطاع الصحة في بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي عموماً منذ الثمانينات، إلا أن تصريحات ترامب والتوقعات الكبيرة لاتفاق التجارة البريطاني - الأمريكي تعيد الجدل بشدة حول الخدمة الصحية الحكومية في بريطانيا، وتثير شهية الشركات الخاصة الأمريكية.
ويرى الأمريكيون أن حكومة حزب المحافظين في بريطانيا هي القادرة على فتح هذا القطاع أمام الشركات الأمريكية، وأن ذلك قد يكون مقدمة لدخول تلك الشركات في قطاع الصحة في بلدان أوروبية أخرى مثل فرنسا وألمانيا. وإذا عرفنا أن ما تنفقه حكومات تلك الدول على الخدمة الصحية يصل إلى تريليون دولار سنوياً تقريباً.
بدأ اهتمام شركات الرعاية الصحية الخاصة في أمريكا بالقطاع الأوروبي منذ ثمانينات القرن الماضي، وكانت فرنسا وألمانيا الأكثر تشدداً في الدفاع عن الخدمة الصحية العامة فيها وعدم فتحها أمام القطاع الخاص الأمريكي باعتبارها أهم الخدمات التي تقدمها لمواطنيها ضمان شبكة الأمان الاجتماعي.
ويعتز البريطانيون بالخدمة الصحية العامة في البلاد، التي تبلغ ميزانيتها في إنجلترا 150 مليار دولار سنوياً تقريباً. وفي استطلاع في إبريل/‏ نيسان الماضي أجرته مؤسسة التوجهات الاجتماعية البريطانية BSA، رد أكثر من 60% ممن شملهم الاستطلاع بالقول إنهم مستعدون لدفع ضرائب أكثر لتمويل الخدمة الصحية الحكومية.
وللمفارقة، كان حزب العمال البريطاني المعارض - الذي يفاخر بأنه مؤسس الخدمة الصحية العامة - هو من فتح الخدمة العامة للقطاع الخاص في وقت حكم توني بلير في نهاية التسعينات من القرن الماضي. وفعل بلير ما لم تتمكن سابقته زعيمة حزب المحافظين مارجريت تاتشر من فعله. فرغم أن حزب العمال الذي فاز في انتخابات 1997 بشعار الحفاظ على الخدمة الصحية العامة ودعمها، سرعان ما بدأ التحول إلى «العمال الجديد» متخلياً عن بعض مبادئ الضمان الاجتماعي ومن بينها الخدمة الصحية التي فتحت لشراكة القطاع الخاص في 1999. ووصل ما يدفعه نظام الصحة الحكومي حالياً لشركات خاصة تحصل على عقود ضمن الخدمة العامة إلى 10% من ميزانية القطاع.
وهناك عدد من الشركات الأمريكية الخاصة، منها أمريكا للرعاية الصحية Health Care America متعاقدة بالفعل مع الخدمة الصحية العامة في بريطانيا. لكن الشركات الأمريكية تواجه تعقيدات كثيرة في الحصول على عقود مع القطاع منها أنها لا بد وأن يكون لها فرع محلي (مثل شريك محلي) مسجل مفوضية جودة الرعاية CQC التي تضع شروطاً مشددة على الشركاء من القطاع الخاص. وتلك هي التي يريد الأمريكيون التخفيف منها في أي اتفاق تجاري مع بريطانيا لكن البريطانيين يخشون من أن يؤدي تسهيل دخول الشركات الأمريكية إلى خصخصة الخدمة الصحية العامة.
هناك أيضاً شركات الأدوية الأمريكية التي تعتبر القيود البريطانية (والأوروبية عموماً) على التجارة معها مشددة جداً. ومعروف أن الاتحاد الأوروبي، وضمنه بريطانيا أيضاً، لا يسمح باستخدام أدوية تقرها هيئة الأدوية والأغذية الأمريكية إلا بعد مرور عامين على استخدامها والتأكد من فاعليتها.
لذلك، في إفطار عمل للرئيس الأمريكي خلال زيارته الأخيرة لبريطانيا ضم 20 من رجال الأعمال كان 10 منهم يمثلون شركات أدوية. تحتاج بريطانيا بعد البريكست إلى اتفاقات تجارية مع شركاء رئيسيين في مقدمتهم أمريكا، لكن التخلي عن معايير معينة لتسهيل أعمال الشركات الأمريكية قد يشكل قنبلة سياسية تنفجر في وجه أي حكومة مقبلة.

* كاتب صحفي مصري

16 يوليو 2019
إلى متى يصمد اقتصاد إيران؟
د. أيمن علي *

أكثر التقديرات تفاؤلاً كانت تشير إلى أن إيران بإمكانها خسارة أقل من نصف صادراتها وتستمر قادرة على الصمود. اليوم لا تزيد الصادرات على الخمس وبالتالي فالحديث عن صمود اقتصادي مجرد «عنترية لفظية».
مع تصعيد إيران لخطواتها بالعودة لتخصيب اليورانيوم بدرجات أعلى وتكديسه بكميات أكبر مما هو منصوص عليه في الاتفاق بينها وبين القوى الكبرى في 2015 تزيد احتمالات اضطرار الدول الأوروبية الأعضاء في الاتفاق (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) لاتخاذ خطوات عقابية ضد طهران. وحتى الآن، أقدمت إيران على خطوتين وتهدد بثالثة ما لم يعوض الأوروبيون طهران عن تبعات خروج الولايات المتحدة من الاتفاق العام الماضي.
وإذا كان الموقف الأوروبي يبدو حتى الآن أقرب لموقف الصين وروسيا (الموقعتين على الاتفاق النووي مع إيران) منه لموقف الولايات المتحدة، إلا إن ذلك قابل للتغيير في حال استمرار الأزمة. وربما تبدأ أوروبا في إعادة جزئية لبعض العقوبات التي رفعت عن إيران في 2016 تنفيذاً للاتفاق. على أن يعد ذلك نوعاً من الضغط المقابل كي تبقى إيران ملتزمة ببنود الاتفاق فيما يتعلق بنشاطها النووي وأيضا للضغط باتجاه الإتيان بطهران إلى مائدة المفاوضات، كما تريد الولايات المتحدة لبحث اتفاق جديد يطال كافة نشاطات إيران التي تهدد جيرانها وأمن المنطقة والعالم.
ربما يرى البعض أن إيران لا تزال قادرة على تحمل العبء الاقتصادي للعقوبات الأمريكية حتى الآن، لكن استمرار الولايات المتحدة في سياسة «أقصى ضغط» سيجعل طهران غير قادرة على التحمل وربما يصل اقتصادها إلى «نقطة لا عودة» يصعب معها تحقيق ما يصرح به الرئيس الأمريكي من ازدهار اقتصادي في ظل اتفاق جديد.
منذ صيف العام الماضي، حين بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض العقوبات الامريكية على إيران مجددا إثر انسحابه من الاتفاق النووي، أخذ الاقتصاد الإيراني في التدهور بوتيرة متسارعة. وإن ظلت القيادة الايرانية تقدر أنها يمكنها مواجهة العقوبات الجديدة إذا توصلت مع الأوروبيين لترتيبات تخفف من حدتها، كما أن العقوبات في بدايتها وفرت سماحاً لست دول تستورد النفط الإيراني معفية من تلك العقوبات، منها الصين واليابان والهند - أهم المستوردين للنفط الإيراني.
لكن منذ مطلع مايو/ أيار الماضي ألغت الولايات المتحدة تلك الإعفاءات، ما جعل صادرات إيران من النفط تهوي إلى مستوى 300 ألف برميل يومياً في شهر يونيو /حزيران الأخير. ولتصور مستوى التدهور يذكر أن صادرات إيران حتى 2017 كانت عند 2.5 مليون برميل يومياً.
حاولت إيران في البداية إقناع الصين والهند بإمكانية استيراد نفطها وحسم العائدات من خلال توريد سلع وخدمات، دون الحاجة للنظام المالي العالمي، إلا أن البلدين ترددا في أي خرق صريح للعقوبات الأمريكية وتجاوز إلغاء الإعفاء لأن مصالحهما مع أمريكا اقتصادياً أكبر بكثير من مجرد أفضلية نفطية لمئات آلاف البراميل الإيرانية.
وإذا تحدثت مع أي شخص داخل إيران تشعر بسرعة بمدى معاناة الإيرانيين من ضغط العقوبات الذي ينعكس على كل شيء في حياتهم. ففي الوقت الذي تكاد تكون الأجور تجمدت فيه، زادت أسعار السلع الاساسية من طحين زيت طهي وغيرها بمعدلات عالية جداً.
وحتى بالنظر إلى الأرقام الرسمية للاقتصاد الكلي الإيراني تجد أنه مقابل نسبة نمو للناتج المحلي الاجمالي بلغت 12.9 في المئة في 2016 عقب رفع العقوبات يتوقع أن ينكمش الاقتصاد هذا العام بنسبة -6 في المئة على الأقل، وهناك تقديرات متشائمة تضع معدل الانكماش عند -9 في المئة.
وهبط سعر صرف العملة الإيرانية (الريال) بنسبة 60 في المئة تقريباً بينما وصلت نسبة التضخم الى 37 في المئة (التضخم في أسعار السلع الغذائية ما يسن 30 و60 في المئة). واذا كان معدل البطالة حسب الاحصاءات الرسمية عند 15 في المئة فإن معدل البطالة الحقيقي اكبر من ذلك بكثير. والمهم انه آخذ في الزيادة.
ومنذ بدأت امريكا اعادة فرض العقوبات العام الماضي طالت حتى الآن 1000 كيان إيراني من بنوك وأفراد وشركات. كذلك تضمنت حظر استيراد الحديد والصلب والألمنيوم والنحاس من ايران. لكن يبقى ان الاهم هو سعي امريكا إلى «تصفير» صادرات النفط الايرانية ما يعني حرمان الحكومة الايرانية من مليارات الدولارات التي هي بحاجة لأضعافها اصلا لتنشيط الاقتصاد بعد سنوات طويلة من العقوبات.
التحدي الإيراني بأن البلاد قادرة على تحمل العقوبات لا يبدو جدياً، إذ إن أكثر التقديرات تفاؤلاً تشير إلى أن إيران بإمكانها خسارة أقل من نصف صادراتها وتستمر قادرة على الصمود رغم الألم الاقتصادي. ويعني ذلك صادرات في حدود 1.5 مليون برميل يومياً. لكن الآن، وبينما لا تزيد الصادرات على خمس هذا الرقم فالحديث عن صمود إيران اقتصاديا مجرد «عنترية لفظية» لا تستند إلى أي واقع أو منطق.
وإذا كانت الذراع الاقتصادية للحرس الثوري الايراني (الذي صنفته الولايات المتحدة منظمة إرهابية) حاول في الأشهر الأخيرة عبر شركة «خاتم الأنبياء» الدخول في المشروعات التي انسحبت منها الشركات الأجنبية، فإن ذلك لن يستمر طويلاً بسبب الحاجة لاستيراد الكثير مما لا تستطيع طهران استيراده.
على سبيل المثال، عندما انسحبت توتال الفرنسية من مشروع تطوير حقل جنوب بارس (المشترك مع قطر - حقل الشمال) الذي بدأته مع رفع العقوبات وكلفته 5 مليارات دولار، تولت شركة «خاتم الأنبياء» المشروع. لكن بدون إمكانية استيراد المعدات وقطع الغيار وغيرها لن تستطيع «ثورية» الشركة إتمام المشروع.

* كاتب صحفي مصري