صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
الشيخة بدور القاسمي
الرئيسة الفخرية لجمعية أصدقاء الرضاعة الطبيعية
أحدث مقالات الشيخة بدور القاسمي
8 مارس 2024
الاستثمار في المرأة: نحو مستقبل أفضل

على مدار أكثر من 100 عام، ظل يوم المرأة العالمي مُناسبة تُذكّرنا بالقوة التي تحملها روح المرأة، ورمزية عطائها وإرادتها في مختلف ثقافات العالم، وهذا العام يشكل شعار «الاستثمار في المرأة لتسريع وتيرة التقدم» دعوة للاحتفاء بالمنجزات التي حققتها المرأة وتقدير حجم مساهمتها في مسيرة التنمية الشاملة والمستدامة، وفي الوقت نفسه فرصة لتأكيد التزامنا تجاه تمكين المرأة في مناحي الحياة كافة.

تؤكد المرأة دائماً أنه لا توجد عقبة تقف أمامها، ولا يوجد تحد لا يمكن تجاوزه. كما تثبت أن الأحلام مهما تكن كبيرة فإنها قابلة للتحقق، فاليوم أكثر من أي وقت مضى تتقلد أعداد كبيرة من النساء مناصب عليا، ويترأسن مؤسسات كبرى، ويبرزن في مختلف القطاعات العلمية والإبداعية والفنية، فمن رائدات فضاء، إلى فنانات ومبتكرات وعالمات في الهندسة والطب والفيزياء، إلى قياديات وشخصيات رسمية في مناصب سياسية ومهام اقتصادية كبيرة، وكأنهن بذلك يثبتن أن الموهبة لا تعرف فرقاً بين الرجال والنساء.

ليس ذلك ما تمثله النساء في كل ما يحققنه من ريادة ونجاح وتفوق وحسب، فكل واحدة منهن تشكل نموذجاً ملهماً للأجيال الجديدة، وتضيء بإسهاماتها ومبادراتها وجهودها الطريق أمام المزيد من النساء حول العالم ليستكملن المسيرة، ويكنّ جزءاً أصيلاً في بناء غدٍ أفضل وأكثر تنوعاً وابتكاراً للإنسانية جمعاء.

هذا الواقع الذي نفخر به، وهذه المكانة التي وصلت لها المرأة، لا يعنيان أن التحديات اختفت، وأننا وصلنا إلى الطموحات كاملة، فعلى الرغم من كل ما تحقق، إلا أن بعض التحديات لا تزال قائمة، وتذكرنا كل يوم بأهمية وضرورة العمل الجماعي، أفراداً ومؤسسات، إذ تشير منظمة العمل الدولية إلى أن النساء يشكلن نصف سكان العالم، لكن 61% منهن فقط يشاركن في القوى العاملة، مقارنة ب 90% من إجمالي الرجال.

إلى جانب ذلك يشير تقرير الفجوة العالمية بين الجنسين لعام 2022، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، إلى أننا نحتاج إلى 132 عاماً لسد الفجوة القائمة والوصول إلى التكافؤ الكامل، وهو في الواقع ليس تحدياً وإنما يشكل في الحقيقة دعوة لصنّاع القرار وقادة التغيير، لتسريع وتيرة العمل لتغيير هذه الأرقام كاملة.

وهذا يوجب علينا الاعتراف بأن تحسين التمثيل النسائي يتطلب العمل المباشر والمكثف من المؤسسات المعنية، وفي الوقت نفسه يتطلب من كل سيدة أن تستثمر في طاقاتها وقدراتها، لأن الحلول الجذرية والشاملة تتطلب تعاوناً دولياً وعالمياً، وإيماناً وجهداً شخصياً أيضاً.

من خلال تجربتي الخاصة في منصب قيادي بصناعة النشر، كنتُ أتفاجأ دائماً بضعف التمثيل النسائي في الاجتماعات، وقررتُ أن أكرّس جهودي خلال تولي منصب رئاسة الاتحاد الدولي للناشرين لتغيير هذا الواقع، وقد تكللت الجهود بإطلاق مبادرة «ببلش هير» PublisHer لتمكين النساء في قطاع النشر، وتعزيز تقدمهن نحو المشاركة في مجالس الإدارات وتقلد المناصب العليا والقيادية، وعملنا على توسيع نطاق المبادرة من خلال إطلاق جوائز «ببلش هير» للتميّز، بهدف تكريم النساء والاحتفاء بالأصوات النسائية وتعزيز قدراتهن وأدوارهن القيادية في صناعة النشر.

ونحن ملتزمون في العمل للحد من غياب تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة في كافة المجالات، خاصة مجال التعليم، لأنه يعد واحداً من أهم جوانب الحياة، ومن خلاله يمكن إنارة الطريق أمام المرأة للاستفادة من الفرص وبناء مستقبل أفضل وأكثر إشراقاً. ويشكل التزامنا هذا محركاً رئيسياً داخل المؤسسات التعليمية في إمارة الشارقة وفي برامجها التنموية، فجامعاتنا ذات المستوى العالمي تهدف إلى تعزيز تنوع القيادات من خلال تزويد الطالبات بالأدوات اللازمة لمساعدتهن على التميز في رحلتهن الأكاديمية والمساهمة الفعالة في القوى العاملة، فضلاً عن الجهود في سد الفجوة الرقمية بشكل فعّال من خلال تمكين المرأة ودعمها في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.

مع احتفائنا بالإنجازات التي تحققت في الماضي، نتطلع إلى تعزيز إنجازات المستقبل بكامل عزيمتنا، فمن خلال الاستثمار بتطوير قدرات المرأة، نحن لا نكتفي بتسريع وتيرة التطور فحسب، وإنما نعمل على ترسيخ الأسس اللازمة لبناء مستقبل يسهم فيه جميع الأفراد، نساءً ورجالاً، بتحقيق إنجازاتنا المقبلة.

لذلك ننتهز مناسبة يوم المرأة العالمي للتأكيد على التزامنا تجاه تجاوز ما تبقى من عقبات تعرقل جهود ترسيخ تكافؤ الفرص والشمول، وبناء عالم تتحقق فيه إمكانات كل امرأة وتلقى فيه الاحتفاء والتقدير والتكريم الذي تستحقه.

6 نوفمبر 2021
الرعاية والتنشئة المجتمعية تبدأ منذ الولادة

الشيخة بدور القاسمي *

إن كنتِ إحدى الأمهات اللاتي حظين بإرضاع أطفالهن رضاعةً طبيعيةً، فلا شك أنكِ تدركين أن لا شيء يعادل نظراتِ طفلكِ إلى عينيكِ وملامسته خلال هذه التجربة الاستثنائية. فالعلاقة الفريدة التي تنميها الرضاعة الطبيعية بينكما - هي لغة ربانية خاصة بين الأم ورضيعها، تخلق تناغماً وتواصلاً جسدياً وعقلياً وروحياً بينكِ وبين طفلكِ.
تتشكل أساسيات العائلة السعيدة السليمة مع بداية هذه الرابطة المقدسة بين الأم وأطفالها. وعندها يزداد إحساس الطفل بالأمان، وبهذا نضمن مجتمعاتٍ آمنة.
وهنا تكمن الأهمية الكبرى لتشجيع العمل الذي تقوم به مختلف الجمعيات المعنية بحقوق الأمومة والطفولة مثل «جمعية أصدقاء الرضاعة الطبيعية بالشارقة»، والتي تبذل جهوداً جبّارة للمساهمة في تثقيف ودعم النساء خلال هذه الفترة الغالية على كل أم. وتنسجم تلك الجهود تماماً مع رسالة وأهداف الأسبوع الوطني للرضاعة الطبيعية في دولة الإمارات العربية المتحدة، الذي يأتي امتداداً لدعوة أطلقتها منظمة الصحة العالمية هذا العام لاعتبار الرضاعة الطبيعية مسؤولية مشتركة على كافة المستويات.
نتفق جميعاً على أن الرضاعة الطبيعية ضرورية لصحة الأطفال وعافيتهم في بداية حياتهم وعلى امتداد رحلة نموهم. وهي مفيدة بالقدر نفسه للأمهات، حيث أظهرت العديد من الدراسات أن الرضاعة الطبيعية تقلل من خطر الإصابة بالسمنة، ومرض السكري من النوع الثاني، وأمراض القلب والأوعية الدموية، وحتى بعض أنواع السرطانات. وهذا دليل آخر قوي يبرهن أهمية العمل على تثقيف وترويج الرضاعة الطبيعية لما لها من فوائد، وعلينا بذل قصارى جهدنا لدعم الأمهات خلال هذه المرحلة المهمة.
رسخت الرضاعة الطبيعية مكانتها الفريدة على مدار قرون طويلة من الزمن، إلى أن برزت حديثاً بدائل مختلفة شكلت تهديداً لتلك المكانة، لا سيما بعد ابتكار تركيبات الحليب الصناعي للأطفال وما رافقها من دراسات مدعومةٍ من العديد من الأطراف المستفيدة لتعظيم فوائدها، إلى جانب الحملات الدعائية التي تستهدف الأمهات على وجه التحديد من خلال رسائل ذكية تحاول ربط استخدام الحليب الصناعي بتمكين المرأة وتحريرها، وهو ما يمثل تهديداً حقيقياً على صحة الأجيال الصاعدة في المستقبل.
إننا ندرك الآن، أكثر من أي وقت مضى، ضرورة بناء نظام مناعة صحي، ونعرف الدور الحيوي لحليب الأم في تعزيز الصحة. فنحن نعيش اليوم تداعياتٍ غير مسبوقة لجائحةٍ لا تلوح في الأفق - حتى اليوم - أي دلائل على قُرب انتهائها. وهذا يعني أننا بحاجة إلى بذل كل ما نستطيع لتقوية أجسامنا.
ومع تأكيد منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) أنه من غير المرجح أن ينتقل فيروس كورونا إلى الأطفال، حتى في حالة إصابة الأم. أليست هذه معجزة بحد ذاتها؟! وبالتالي فلا داعي للقلق بشأن إصابة طفلكِ بفيروس كورونا إذا اتخذتِ بعض الاحتياطات اليسيرة مثل غسل اليدين وارتداء الكمامة أثناء إرضاعه، وفي هذا إثبات أن الفوائد المرجوة تفوق إلى حدٍ كبير المخاطر البسيطة المحتملة. وقد أشار متحدث باسم «اليونيسف» مؤخراً إلى أن حليب الأم بمثابة أول لقاح يتلقاه الطفل فهو «يحتوي على جميع العناصر الغذائية الأساسية، والأجسام المضادة، والهرمونات، ومضادات الأكسدة التي تساعد على تعزيز جهاز المناعة وتوفير الحماية ضد العديد من أنواع العدوى».
لكن رغم فوائدها العديدة للرضع والأم، لا تزال بعض النساء يواجهن العديد من العقبات التي تحول دون اعتمادهن على الرضاعة الطبيعية، وخاصةً حين تجد الأمهات أنهن يكافحن لإيجاد الوقت والمكان المناسبين لأداء هذا الواجب الفطري. وعليه، فإنني أنادي بضرورة تخصيص مساحات مريحة وصحية لأمهات الأطفال الرضع في أماكن العمل ومراكز التسوق وغيرها، واعتبار ذلك أولوية قصوى. فليس ثمة ما يبرر معاناة الأمهات في سبيل البحث المرهق عن مكان لإرضاع أطفالهن أو ضخ الحليب من الثدي في مكان يشعرن فيه بالطمأنينة والخصوصية.
وفي الشارقة، نسعى بكل جدية لتكون الإمارة صديقة للطفل والعائلة، وقد وضعنا هذا الهدف على رأس أولوياتنا في مجال التنمية الإنسانية والبشرية التي تشكل إحدى ركائز استراتيجيتنا التنموية الشاملة. حيث نعمل منذ عام 2012 على توفير كافة التسهيلات التي تحتاج إليها النساء لإرضاع أطفالهن رضاعة طبيعية في مراكز الرعاية الصحية والأماكن العامة مثل مقار العمل، والمتاحف، والمطاعم، والمتنزهات. وقد ترافقت هذه المبادرة مع حملة منظمة الصحة العالمية في هذا الصدد، كما أنها ملتزمة بدعم النساء قبل الولادة وبعدها. وقد أعطت الشارقة أيضاً أولوية لتدريب العاملين في مجال الرعاية الصحية، وحظرت الإعلان عن بدائل الحليب في مراكز الرعاية الصحية. وقد تُوجت هذه الجهود بإعلان «اليونيسف» الشارقة مدينة صديقة للأطفال الرضع رسمياً عام 2019. ونحن إذ نفخر بهذا التقدير العالمي، يسعدنا للغاية أن نعلن أن عدد النساء اللائي يُرضعن أطفالهن رضاعة طبيعية قد تضاعف ثلاث مرات في ستة أشهر خلال خمس سنوات. وهذا هو التأثير الحقيقي!
إنني فخورة بالعمل الذي نقوم به في الشارقة لدعم الرضاعة الطبيعية. وآمل أن نقدم مثالاً يُحتذى في هذا المجال محلياً وعالمياً. فنحن نعتقد أن «تربية طفل تتطلب تضافر جهود قرية كاملة» كما يقول المثل الإفريقي، وبالتالي لا يمكن أن نتوقع من الأمهات تحمل كامل المسؤولية عن مستقبل أمتنا الصحي. يجب علينا جميعاً دعم النساء في السنوات الأولى من رحلة تربية الأطفال لأن ذلك يصب في مصلحة المجتمع ككل. فرغم أن إنجاب الأطفال نعمةٌ تغمر كل امرأة بالرضا والسعادة، إلا أنها تعتبر كذلك فترة صعبة للغاية بالنسبة لهن، وتستلزم من الجميع، بما في ذلك الحكومات والقطاع الخاص، العمل على ضمان أن تكون الرضاعة الطبيعية تجربة سهلة وممتعة للأمهات.
* الرئيسة الفخرية لجمعية أصدقاء الرضاعة الطبيعية