صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
تيريز رافائيل
كاتبة بريطانية
أحدث مقالات تيريز رافائيل
1 فبراير 2021
حصاد جونسون السياسي من اللقاح

تيريزا رافائيل *

لاشك أن فشل حكومة بوريس جونسون في مواجهة تبعات فيروس «كوفيد-19»؛ حيث سجلت بريطانيا واحداً من أعلى معدلات الوفيات في العالم، لن يمر بلا حساب، وسيكون موضع جدل لسنوات قادمة.

 وعلى الرغم من تناقضات الصورة التي تكشف عن سبق بريطاني في مجال التلقيح؛ حيث تم حقن أكثر من 7 ملايين بريطاني باللقاح؛ وهو رقم متقدم جداً على أفضل الدول الأوروبية على هذا الصعيد، وسير برنامج التلقيح على ما يرام لدرجة أن الحكومة تواجه ضغوطاً للتخلي عن بعض إمداداتها للسماح للدول الأخرى باللحاق بالركب، فإن الخلل في إدارة عملية المواجهة انعكس على رئيس الوزراء جونسون الذي وجد نفسه في مواجهة موجة غضب متصاعدة، عكستها منصات التواصل الاجتماعي في دعوات لاستقالته؛ كان أبرزها هاشتاج «جونسون استقل».

 ويبدو أن جونسون الذي بدا متعاطفاً، واتخذ موقفاً دفاعياً عندما رد على دعوات الاستقالة بتصريح قال فيه: «لقد فعلنا كل ما بوسعنا»، لا يريد معالجة الخطأ الذي حدث حالياً.

وفي السباق الذي لا نهاية له في السياسة البريطانية، لا تتوقف مسألة طول عمر جونسون السياسي على الإعجاب؛ وهذا يعني في علم السياسة أن عدد الوفيات الذي تجاوز 100 ألف قد لا يكون مهماً في نهاية المطاف. ويراهن حونسون على تباطؤ انتشار العدوى مع بدء الأيام الدافئة، وبالتالي يعد بفتح المدارس مجدداً في مارس/آذار.

 والعجيب أن استطلاعات الرأي لا تعكس وجود مشكلة كبيرة تواجه رئيس الوزراء. ربما مرد ذلك إلى بؤس الأرقام عالمياً الذي يخدر الناس. فقد تصادف بلوغ عدد الوفيات في بريطانيا 100 ألف، مع إعلان منظمة الصحة العالمية عن تجاوز عدد الإصابات مليون إصابة على المستوى العالمي، وتحذير الرئيس الأمريكي جو بايدن من أن يبلغ عدد وفيات الأمريكيين أكثر من 600 ألف حالة.

 لكن سيكون من الخطأ أن يختبئ جونسون وراء الإيجابيات؛ فالقسم المتبقي من برنامج التطعيم، أمامه مهمات مكثفة لتلقيح معظم البريطانيين الذين لم يحصلوا على اللقاح بعد، فضلاً عن الجرعة الثانية للجميع. ويعتمد مستقبل البلاد بعد الوباء على مدى استيعاب الحكومة لدروس العام الماضي.

والمطلوب الآن أن تكون العديد من العوامل وراء النجاح المبكر للقاح في بريطانيا قابلة للتكرار. لقد كانت استراتيجية المواجهة واضحة، والمؤسسة الصحية منظمة ومنضبطة وبعيدة عن التدخلات السياسية، وتمتلك جيشاً من المستشارين المرموقين.

 لقد نجحت في تطوير مجموعة من اللقاحات التي تغطي مختلف الفئات المستهدفة، وأعطت الأولوية لصناعة اللقاح وتسريع الحصول على الموافقات الرسمية. كما درست قابلية التوسع، والقدرة على تصنيع اللقاحات في المملكة المتحدة؛ لتأمين الإمداد. وخصصت الحكومة أموالاً طائلة؛ حيث استثمرت ما يقرب من 12 مليار جنيه إسترليني (16.4 مليار دولار) في شراء اللقاحات المنتجة. كانت الخدمة الصحية الوطنية المركزية في بريطانيا مهمة في تجنيد الأشخاص للتجارب السريرية، وتنفيذ اللقاحات التجريبية. وبدأت هيئة تنظيم الأدوية في وضع التخطيط المسبق الخاص بها، مع الأخذ في الاعتبار بيانات التجارب على أساس متجدد؛ لتصبح أول جهة تنظيمية في العالم توافق على اللقاح.

 لكن إخفاقات الحكومة ظهرت في زوايا أخرى؛ أهمها: دوائر صنع القرار المتداخلة والأهداف المشوشة والتسييس والفشل في ربط المشورة العلمية بالقرار السياسي. وقد عثر على العديد من الأمثلة على تلك الإخفاقات في سجلات الأخطاء التي رصدت في برنامج الاختبار والتتبع، التابعة لوزارة الصحة البريطانية.

وعلى الرغم من أن التركيز ينصب على جونسون، فقد تبين أن دور الحكومة المركزية كان ضعيفًا إلى حد كبير من حيث الخبرة وهياكل الدعم، بينما في الأغلب يتم تجاوز السلطات المحلية. وقد استفاد الفيروس أيضاً من نقص التمويل الذي تعانيه وزارة الصحة منذ سنوات، ما حد من قدراتها، كما استفاد من التفاوت الطبقي المتجذر في المجتمع؛ حيث كانت الطبقات المحرومة أكثر تضرراً بتفشي الوباء.

 ويحب جونسون التركيز على الأخبار السارة، وهناك الكثير منها الآن. فقد طورت بريطانيا سلاسل التوريد الخاصة بها، كما طورت قدراتها التصنيعية في مجال معدات الحماية الشخصية، متجاوزة النقص المعيب خلال تفشي الموجة الأولى، ولديها برنامج توجيه أفضل بكثير؛ لحماية الطاقم الطبي. وعلى الرغم من العيوب، هناك طاقة اختبارات ثابتة، بما في ذلك اختبارات التشخيص السريع. وكانت المملكة المتحدة رائدة في توفير العلاج؛ مثل الديكساميثازون. ولديها واحدة من أفضل قواعد بيانات التسلسل الجيني في العالم، وهي رائدة في أبحاث المناعة.

 لكن جونسون لا يستطيع البناء على نقاط القوة هذه من دون فهم نقاط الضعف التي كشف عنها عدد الوفيات. وهذه القضية لا تقف عند حد المساءلة مستقبلاً؛ لأن إكمال برنامج التطعيم يعتمد على تحقيق التوازن بين قيود الإغلاق الصحيحة، وتعزيز الاختبارات والتتبع، وفرض الامتثال لقرارات العزل والتباعد الاجتماعي، وتطبيق سياسة الحجر الصحي الدولية التي تقي من تبعات تفشي النسخ المتحورة.

إن الاستعداد لمواجهة كل تلك المتطلبات المُلحة هو الذي سيحدد مستقبل جونسون السياسي، وليس تعاطفه مع العائلات التي فقدت أحد أفرادها؛ بسبب الوباء. ولا شك أن قوة القيادة؛ تكمن في الاعتراف بالخطأ والمسارعة لإصلاحه.

* كاتبة عمود في «بلومبيرج»

4 يناير 2021
صفقة خرجت من عنق الزجاجة

تيريز رافائيل *

«بريكست يعني بريكست»، هذا ما أعلنته تيريزا ماي في المشاهد الافتتاحية المثيرة للغموض بعد استفتاء عام 2016. ولم يكن واضحاً في ذلك الوقت ولفترة طويلة، ما كان يعنيه «خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي».

الآن وبعد نحو 5 سنوات، واستقالة رئيسي وزراء (ديفيد كاميرون وتيريزا ماي)، وبعد أن واجه مخاطر الانفصال دون صفقة تجارية، حددها بوريس جونسون أخيراً، وتوصل إلى اتفاق، وبتنا نعرف كيف انتهى هذا الفيلم. للأمانة يستحق كل ذلك الاحتفال.

بصرف النظر عن التكاليف الاقتصادية والضرر الذي قد يلحق بالسمعة، فإن الخروج من دون صفقة كان سيضع ضغطاً رهيباً على كاهل المملكة المشحون بالفعل مع أسكتلندا، وتسمم العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، الذي لا يزال أكبر شريك تجاري لبريطانيا، وأكبر سوق منفردة في العالم.

إن الارتياح الذي تم التعبير عنه مراراً وتكراراً في المؤتمر الصحفي للاتحاد الأوروبي عقب الإعلان عن هذا الإنجاز يوم الخميس، يقلل العوائق أمام اتفاقية التجارة الحرة. فخلال العقود الأربعة الماضية، تعد هذه أكثر تسوية تجارية رجعية بين الدول الديمقراطية الحديثة. وبدلاً من تعزيز التعاون وخفض الحواجز فقط، يلخص الاتفاق معظم المجالات التي يتعامل فيها رجال الأعمال والمستهلكون، كما أنه يجعل جونسون رئيس الوزراء البريطاني الأكثر أهمية منذ مارجريت تاتشر، باعتباره راديكالياً أكثر منه محافظاً.

خاض جونسون حملته الانتخابية في الانتخابات العامة البريطانية لعام 2019 بوعده ب«إنهاء اتفاق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي» بطريقة تستعيد بها بريطانيا السيادة على القوانين والمحاكم والحدود والمال، ووفى بوعده. لقد كان في النهاية اتفاقاً أكبر، أو بالأحرى خروجاً أصعب من الاتحاد الأوروبي، من ذلك الذي سعت إليه سلفه ماي.

تمكنت المملكة المتحدة من تقوية موقفها التفاوضي الأضعف من خلال التهديد بالتخلي عن البنود الواردة في اتفاقية الانسحاب، العام الماضي، للحفاظ على علاقات جيدة مع أيرلندا، والحيلولة دون وصول الاتحاد الأوروبي إلى مياه الصيد البريطانية. وعلى عكس تهديد ماي المماثل بعدم تبني أي صفقة، كان تحذير رئيس البريكست جونسون، ذا مصداقية. وعلى عكسها أيضاً، كان خلف جونسون مجلس وزراء موحد يتبنى مواقفه في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بأغلبية 80 مقعداً. على الرغم من نشر ملخص فقط للصفقة، فإن الخطوط الرئيسية كانت معروفة منذ أشهر. عرض الاتحاد الأوروبي وهو أمر مهم، كما فعل منذ البداية، وصول البضائع البريطانية بدون رسوم جمركية وحصص، لكن لم يكن من الصواب الادعاء، كما فعل جونسون في بداية المؤتمر الصحفي يوم الخميس، بأنه لن تكون هناك حواجز «غير جمركية» أمام التجارة. كان من الأفضل أن تعتاد بريطانيا على كثير من القواعد واللوائح الإضافية، ستحتاج الشركات المصدرة عبر القناة إلى ملء الإقرارات الجمركية والتصديق على منشأ منتجاتها للتصدير، وسيتعين عليها تقديم منتجات حيوانية للفحوص الصحية والامتثال للوائح، كما سيتعين على الشركات دفع ثمن الشهادات في كل من المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، مما يزيد من تكلفة ممارسة الأعمال التجارية، بينما تستعد الشركات الكبيرة لنقل بعض الموظفين إلى القارة أو توظيف سماسرة جمارك ومستشارين من أطراف ثالثة للمساعدة في التعقيدات التجارية الجديدة.

ركز كثيرون ببساطة على النجاة من عمليات الإغلاق، وكانوا يفتقرون إلى المعلومات اللازمة للاستعداد لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. بأي حال، لم يتفق الجانبان على أي فترة سماح للشركات للتكيف مع الوضع الجديد. وفي مقابل الوصول الخالي من الرسوم الجمركية والحصص، وافقت المملكة المتحدة على عدم التراجع عن المعايير الحالية بشأن البيئة، وسوق العمل، وغيرها من المجالات فيما يسمى «تكافؤ الفرص» مع الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن مساعدة الدولة.

إذا اختارت بريطانيا الانفصال بطريقة تؤثر بوضوح في التجارة، فيمكن فرض رسوم جمركية، بآلية تحكيم جديدة منفصلة عن محكمة العدل الأوروبية. وللعاصمة لندن خيار السير في طريقها الخاص، ولكن هناك عقوبات إذا كان سيرها سيضر بشركات الاتحاد الأوروبي. وفي حين تم النأي بالصناعة المالية في لندن عن تهديد الانتقام المتبادل (حيث تتم معاقبة قطاع ما لخرقه من جانب آخر)، لا يزال للاتحاد الأوروبي الحق في التراجع عن معاملة متساوية لممولي بريطانيا.

كل هذا بعيد عن رؤية جونسون الأصلية للعلاقة «الأصدقاء ذوو المنافع»؛ إذ كتب بعد التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي: «سيظل البريطانيون قادرين على الذهاب والعمل في الاتحاد الأوروبي، والعيش والسفر والدراسة، ويستطيعون شراء منازل والاستقرار. قلل جونسون من شأن كل ذلك في إعلان صفقته الأخير.

لا شك في أن بريطانيا المنهكة من مفاوضات «بريكست»، تأمل التوقف عن الحديث عن الموضوع تماماً، لكن هناك العديد من الطرق التي تنبأت بها هذه الاتفاقية قبل سنوات، في حين تم حل المنطقة المتنازع عليها بشدة للوصول الأوروبي إلى مياه الصيد البريطانية باتفاق ينص على تخفيض حصة الاتحاد الأوروبي بنسبة 25% على مدى خمس سنوات ونصف السنة.

تمنح الصفقة كلا الجانبين المرونة لبدء مراجعة رسمية لبنودها، وهو باب مفتوح يغري المتشددين بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في حزب جونسون للمضي قدماً. فقد وعد زعيم المعارضة كير ستارمر بالتصويت لصالح المعاهدة.

الاتفاقية الجديدة تمهد الطريق أمام العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، وستكون عملية طويلة ومضنية هدفها بناء هيكل جديد وقوي.

*كاتبة بريطانية في «بلومبيرج»