صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
ثاني بن أحمد الزيودي
وزير التجارة الخارجية
أحدث مقالات ثاني بن أحمد الزيودي
7 أكتوبر 2025
الشراكة الاقتصادية الشاملة بين الإمارات وتركيا

د. ثاني الزيودي*

عند توقيع اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين دولة الإمارات العربية المتحدة والجمهورية التركية، شعرنا جميعاً آنذاك بأنها تمثل خطوة مهمة في مسيرة التعاون البناء للدولتين الصديقتين، ولضمان ازدهار المنطقة في المستقبل، بنفس أهميتها الاستراتيجية التجارية الجديدة لدولة الإمارات الهادفة إلى توسيع شبكة الشركاء التجاريين للدولة عبر إبرام شراكات تنموية مع دول ذات آفاق نمو واعدة حول العالم.
والاتفاقية التاريخية التي جرى توقيعها خلال قمة عبر الاتصال المرئي بين صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، والرئيس رجب طيب أردوغان، لم تكن مجرد اتفاقية تجارية واستثمارية، إذ أحدثت نقلة نوعية في علاقات الصداقة الممتدة بين البلدين، وما حدث عقب توقيعها في 3 مارس 2023 خير دليل على ذلك. وقد دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في الأول من سبتمبر 2023، وألغت أو خفضت الرسوم الجمركية على 82% من السلع والمنتجات المتبادلة بشكل فوري، ووحّدت الإجراءات الجمركية، وأتاحت فرصاً للتعاون وبناء الشراكات التجارية والاستثمارية بين مجتمعي الأعمال والقطاع الخاص في الجانبين.
وبحسب دراسات الجدوى، كان المستهدف -تحت مظلة الاتفاقية عند بدء سريانها - أن يتجاوز حجم التجارة الثنائية غير النفطية 40 مليار دولار سنوياً خلال خمسة أعوام، أي ثلاثة أضعاف الرقم المسجل في عام 2021 والبالغ 13.7 مليار دولار، وأن ترتفع صادرات الإمارات إلى تركيا بنسبة 21.7% بحلول عام 2030.
ومع حلول أكتوبر 2025، وبعد عامين كاملين من دخول الاتفاقية حيز التنفيذ أصبحت لدينا الآن بيانات كاملة لتقييم مدى صحة التفاؤل الذي شعر به الجميع عند توقيع هذه الشراكة. والصورة حالياً في منتهى الوضوح: فقد مكّنتنا الاتفاقية من تجاوز جميع التوقعات، والأهم من ذلك، تجاوز التحديات الراهنة في المشهد التجاري الإقليمي والعالمي. ففي الأشهر الاثني عشر الأولى من الاتفاقية، بلغ حجم التجارة غير النفطية بين الإمارات وتركيا 40 مليار دولار، بزيادة قدرها 42% عن الفترة المقابلة من العام السابق. وفي الأشهر الخمسة الأخيرة من عام 2023، والتي كانت أربعة منها تحت مظلة الاتفاقية، استقبلت تركيا 60% من إجمالي الصادرات الثنائية غير النفطية لدولة الإمارات في ذلك العام. أي أن أهدافنا التجارية الثنائية التي كانت مستهدفة خلال 5 سنوات قد تحققت في أقل من 18 شهراً.
وحافظنا على هذا التقدم الملحوظ في العام الثاني لسريان الاتفاقية، إذ تشير البيانات الأولية إلى أن حجم التجارة الثنائية غير النفطية بين سبتمبر 2024 وأغسطس 2025 بلغ حوالي 44 مليار دولار، بزيادة قدرها 12% في عام اتسم بتحديات إقليمية في سلاسل التوريد، لا سيما في الشرق الأوسط، وتباطؤ ملحوظ في التجارة العالمية. وفي النصف الأول من عام 2025، بلغت صادرات الإمارات غير النفطية إلى تركيا 7.41 مليار دولار، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف ما صدّرناه في عام 2019 بأكمله.
إن علاقتنا لا تقتصر على تبادل السلع بالطبع، إذ تهدف اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين الإمارات وتركيا إلى إنشاء ممر للنمو عبر المنطقة، وتسهيل تدفقات رؤوس الأموال وتسهيل التعاون في القطاع الخاص لتطوير القطاعات ذات الأولوية مثل التصنيع، وإنتاج الأغذية، والخدمات اللوجستية، والخدمات المالية، والطاقة المتجددة. ففي يوليو 2023، اتفق صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، حفظه الله، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، على حزمة استثمارية بقيمة 51 مليار دولار، من شأنها تحقيق الاستقرار الاقتصادي والتنمية. ونشهد الآن تجسيد هذه المشاريع في مجموعة من القطاعات، بما في ذلك الاندماج الاستراتيجي لمجموعة موانئ دبي العالمية مع مجموعة «إيفياب»، والذي سيشهد تطوير مينائي ياريمجا وكورفز لمعالجة مليوني حاوية نمطية سنوياً، ما يعزز دور تركيا في سلاسل التوريد الدولية. وتسعى شركة نواتوم، التابعة لمجموعة موانئ أبوظبي، إلى دعم تطوير القدرات اللوجستية لتركيا. وسيوفر افتتاح مكاتب في إسطنبول وإزمير مجموعة من الخدمات لشحنات بحرية بقيمة 620 مليار دولار، والتي تنتقل من وإلى موانئ الدولة سنوياً، بما في ذلك تعزيز روابطها مع دولة الإمارات.
وقد تم إبرام صفقات في القطاع المالي، حيث يأتي استحواذ «القابضة» (ADQ) على «أوديا بنك» في إطار خططها لزيادة حضورها في القطاع المصرفي التركي وتطوير حلول التكنولوجيا المالية والمدفوعات في سوق استهلاكية ناشئة. وخلال هذا الصيف، دخلت كل من منصة التجارة الإلكترونية التركية Trendyol، وشركة Baykar لتصنيع الطائرات بدون طيار، وشركة Ant International الصينية للتكنولوجيا المالية، و«القابضة» (ADQ) في مشروع مشترك لتطوير منصة جديدة للتكنولوجيا المالية، قادرة على تقديم خدمات مالية رقمية تشمل المدفوعات والودائع والقروض والتأمين ومنتجات الاستثمار.
كما تتدفق الاستثمارات من الجانب التركي إلى دولة الإمارات، إذ تتجاوز القيمة الإجمالية للمشاريع التركية في الدولة الآن 17.7 مليار دولار، وهو رقم يجعل دولة الإمارات عاشر أكبر متلقٍ للاستثمارات التركية عالمياً، ويؤكد قدرتنا على ربط القطاع الخاص التركي بالفرص العالمية.
ومع ذلك، ما زالت مسيرة الاتفاقية في بدايتها. فقد فتحنا الباب أمام تعزيز التعاون، لكننا سنواصل الجهود الدؤوبة مع فرق العمل لمساعدة مجتمعي الأعمال على تحقيق الاستفادة القصوى من هذه الشراكة الواعدة. ولهذا السبب وقعت الدولتان في يوليو الماضي، سبع اتفاقيات تعاون جديدة في قطاعات السياحة والضيافة، والأدوية، والصناعة، والتصنيع، والأغذية والزراعة، والتي تهدف إلى توفير الزخم اللازم لمشاريع وشراكات جديدة بيننا.
لا شك أن ما شهدناه خلال العامين الماضيين، يعد خطوة مهمة في العلاقات الإماراتية التركية. ولكن لا يزال أمامنا الكثير من الإنجازات لنحققها. ومع استمرار الازدهار التجاري والاستثماري المتبادل الذي يفوق التوقعات ستواصل الدولتان الصديقتان جني ثمار اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة عبر تحقيق المزيد من النمو الاقتصادي المتبادل. والقادم أفضل بإذن الله.
* وزير التجارة الخارجية

23 يناير 2022
لماذا تسعى الإمارات لجذب المواهب؟

د. ثاني بن أحمد الزيودي *

تواصل دولة الإمارات الاستعداد لاقتصاد المستقبل القائم على الابتكار وإنتاج المعرفة وخلق القيمة المضافة بعقول وسواعد أصحاب المواهب والأفكار الخلاقة، تماشياً مع ما أحدثته الثورة الصناعية الرابعة التي نعيشها حالياً واستحداثها لأساليب جديدة تماماً للاتصال والإنتاج والاستهلاك بطرق وسرعات تتحدى حدود الممكن، ودولة الإمارات كانت منذ البداية في قلب هذه التطورات المدهشة التي يشهدها العالم.

ولا شك أن هذا المشهد العام حافل بالفرص، إذ تملك تطبيقات الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي والواقع المُعزز والبلوك تشين وتكنولوجيا النانو واستكشاف الفضاء والطباعة ثلاثية الأبعاد والحوسبة الكمية القدرة على تغيير العالم وإتاحة الوصول إلى عالم مختلف وجديد تماماً، حقيقي أو افتراضي على حد سواء.

وخلال العقود المقبلة، سيعتمد نجاح أي دولة في العالم على مدى سرعة واتساع نطاق تطوير هذه التكنولوجيا الجديدة وتبنيها، وربما الأهم من ذلك، تمكين سكانها من استخدامها والاستفادة منها.

ومنذ سنوات طويلة، تستعد دولة الإمارات لهذا التحدي بشكل متواصل ونشط. وقد توجت هذه الجهود في سبتمبر/ أيلول الماضي بإعلان «مشاريع الخمسين»، وهي حزمة من الخطط والمبادرات الاستراتيجية تستهدف التأسيس لمرحلة جديدة من النمو لدولة الإمارات خلال الخمسين عاماً المقبلة، داخلياً وخارجياً، واقتصادياً واجتماعياً، بما يعزز مكانتها الإقليمية والعالمية في جميع القطاعات. وتضمنت «مشاريع الخمسين» إطلاق مبادرات ومشاريع لاستقطاب واستبقاء المواهب من مختلف دول العالم، وترسيخ مكانة دولة الإمارات حاضنةً لأذكى العقول والطموحين وأصحاب الأفكار الجريئة والساعين إلى تحقيق أحلامهم الواعدة باعتبارها أرضاً تتحقق فيها الأحلام ويتحول المستحيل إلى واقع.

ولا يحتاج الوصول إلى هذا الهدف إلى رؤية وقيادة وروح تعاونية، سواء بين الجهات الحكومية والمؤسسات والقطاع الخاص فحسب، ولكنه يتطلب أيضاً تمكين المواهب وبناء قدراتهم، والتوسع في استخدام تكنولوجيا المستقبل كوسيلة للتنمية الاقتصادية الشاملة.

ولطالما اعتبرت دولة الإمارات أن استقطاب المواهب وتطويرها واستبقاءها أولوية وطنية، ورحبت دوماً بأصحاب المواهب الطموحين والمبتكرين والمتفانين في العمل من مختلف دول العالم، حتى أصبح يقيم على أرض دولة الإمارات جاليات تحمل أكثر من 200 جنسية، ونعتبر ذلك عاملاً أساسياً لنجاح الدولة وشخصيتها الفريدة. ووفقاً لمؤشر التنافسية العالمية للمواهب لعام 2021، نالت دولة الإمارات المرتبة السابعة عالمياً والأولى إقليمياً في قدرتها على جذب المواهب، وتتخذ أكثر من ربع الشركات في قائمة أكبر 500 شركة في العالم من دولة الإمارات مقراً إقليمياً أو عالمياً لها.

كما حققنا نجاحات باهرة في جذب المهارات للاستفادة من تكنولوجيا المستقبل. ووفقاً لموقع لينكد إن، فقد شهدت دولة الإمارات قدوم أكثر من 23000 شخص من أصحاب المهارات في الفترة ما بين يناير/ كانون الثاني 2020 وإبريل/ نيسان 2021، بزيادة قدرها 13 في المئة، وقد حدث هذا رغم التحديات الناجمة عن التفشي العالمي لجائحة «كوفيد 19».

ومن المثير للاهتمام، أنه من بين ال 23000 شخص، كانت هناك نسبة لافتة من الذين يمتلكون مهارات رقمية رائدة في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والروبوتات والأمن السيبراني. كما شهدت دولة الإمارات بين عامي 2015 و2020 زيادة بنسبة 100 في المئة في هذه المهارات في القوى العاملة، مما يؤكد التزام الدولة طويل الأمد بتبني وتسخير تقنيات المستقبل.

وبينما تبدأ دولة الإمارات عامها الواحد والخمسين لتأسيسها، أو بالأحرى تدشن المرحلة الجديدة من نموها المستدام للخمسين عاماً القادمة، نعلم بالطبع أن هناك الكثير مما يتعين القيام به. فقد اشتدت المنافسة بين الدول في جذب المواهب العالمية وتنميتها مع اتساع مجالات اقتصاد المستقبل القائم على المعرفة والابتكار؛ وقد لاحظنا أن بريطانيا -على سبيل المثال- وبعد خروجها من الاتحاد الأوروبي تؤكد مكانتها كمغناطيس يجذب المهنيين والطلاب الدوليين بتأشيرة المواهب العالمية، بينما أنشأت أستراليا فريق عمل عالمياً لجذب المواهب والأعمال لضمان بقائها في المنافسة. ولهذا نتفق مع التوقعات التي تشير إلى أن المواهب سوف تتفوق قريباً على رأس المال المادي كمحرك للنجاح الاقتصادي على مستوى الدول.

كما أننا مقتنعون بأن قدرة الأفراد على اكتساب وتطبيق وإنتاج المعرفة ستكون محورية في تحقيق هدف الدولة المتمثل في مضاعفة الاقتصاد الوطني من 1.4 تريليون درهم إلى 3 تريليونات درهم خلال السنوات العشر المقبلة. ولهذه الغاية، أطلقت حكومة دولة الإمارات استراتيجية ذات شقين: أولاً، تحفيز المواهب العالمية على القدوم والعمل والعيش في دولة الإمارات والانخراط الكامل في حياتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ وثانياً، تطوير المهارات عالمية المستوى من المواهب المحلية لدى الدولة.

ولتحقيق الشق الأول، أطلقت الحكومة مؤخراً سلسلة من المبادرات البارزة، بداية من إطلاق الاستراتيجية الوطنية لاستقطاب واستبقاء المواهب في إبريل الماضي، وتهدف تهيئة البيئة المناسبة لترسيخ مكانة دولة الإمارات ضمن أفضل الدول في مؤشرات تنافسية المواهب العالمية، وذلك عبر صياغة إطار حوكمة متكامل يضمن توافر المواهب والمهارات القادرة على دعم طموح الإمارات، وسعيها الحثيث لتعزيز حضورها في العديد من المجالات العلمية المتخصصة. وقد تبع ذلك في سبتمبر الماضي «مشاريع الخمسين» التي قدمت حزمة الحوافز والامتيازات للمواهب من أصحاب المستويات المهارية العليا والمستثمرين ورواد الأعمال وأوائل الطلبة والخريجين، من بينها نظام الإقامة الخضراء التي تفصل تصريح الإقامة عن تصريح العمل، وغيرها.

وفي الآونة الأخيرة، تم تحديث قانون العمل، الذي سيبدأ العمل به مع بداية العام الجديد، لاستيعاب وتشجيع نماذج العمل المختلفة، بما في ذلك العمل بدوام جزئي والعمل المستقل والعمل المؤقت، فضلاً عن تقديم سياسات معززة لحقوق الموظفين وإجازاتهم. وكل ذلك جزء من جهود الدولة لخلق بيئة عمل مرنة وتنافسية بما يتماشى مع المعايير العالمية.

وفي ما يتعلق بتنمية المواهب، أطلقت حكومة الإمارات عدداً من المبادرات، بما في ذلك برنامج «نافس»، الذي تعهد بتخصيص 1.25 مليار درهم لتدريب المواطنين على المهارات الأساسية للاقتصاد الوطني. وتقدم وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة برامج تدريبية حول تبني تقنيات الثورة الصناعية الرابعة، في حين تم تعزيز حملة المليون مبرمج عربي، التي تم إطلاقها لأول مرة في عام 2017، بعرض جائزة نقدية بقيمة مليون دولار لمشروع البرمجة الأكثر ابتكاراً.

وسيكون لهذه الجهود فوائد واضحة. إذ ستساعد دولة الإمارات على تطوير اقتصاد أكثر مرونة وجاهزية للمستقبل، ورفع الإنتاج الصناعي، وزيادة حجم صادراتها من التكنولوجيا المتقدمة، وإضافة 25 مليار درهم إلى الناتج المحلي الإجمالي الوطني بحلول عام 2031.

كما تساعد المواهب عالية المستوى قطاع الصناعة الوطني على جذب الاستثمار الأجنبي المباشر، وتسهيل نقل المعرفة في التقنيات المتقدمة، وإقامة علاقات أقوى مع الشركاء العالميين الرئيسيين، وكل ذلك سيُسهم في تعزيز النمو الاقتصادي المستدام بما يعود بالفائدة على سكان الدولة.

وبينما نتطلع إلى عام 2022 واستمرار التعافي من الجائحة العالمية، سوف يُنظر إلى رأس المال البشري الماهر كأساس للنمو الاقتصادي والقدرة التنافسية بين الدول. وستواصل دولة الإمارات جهودها لتهيئة البيئة الأفضل عالمياً لاستقطاب واستبقاء المواهب، باعتبارها أغلى ثروة تمتلكها الدول التي تتطلع لمواصلة بناء اقتصاد المستقبل.

* وزير دولة للتجارة الخارجية والوزير المكلف بملف استقطاب المواهب