تمضي الولايات المتحدة حاليا في معركة شعواء لحل أزمة البنوك المكبلة بقيود الأصول المسمومة، إلا أن الوعود التي أطلقتها إدارة الرئيس أوباما ربما تكون بارقة أمل تحفز نجاح خطط الدعم المالي للمؤسسات المتعثرة . ولعل أبرز المظاهر التي تتسم بها المرحلة الحالية من الأزمة هي ضعف ثقة السوق أو انعدامها، حيث دفعت مشاعر القلق مما سيحدث في المستقبل إلى تراجع ثقة المستثمرين ورجال الأعمال والمستهلكين في الاقتصاد الأمريكي . فما الذي يتعين تقديمه لاستعادة الثقة مرة أخرى؟
الإجابة على هذا السؤال ببساطة تكمن في تتبع بوادر انقشاع أسوأ مراحل الركود وظهور بشائر التحسن في الأفق، واضعين في الاعتبار الاختلاف في قوى التغيير عن سابقاتها من الأزمات الاقتصادية السابقة .
وفي الحقيقة أن المرحلة الراهنة من الركود ليست مسألة تهدئة المخاوف بشأن المستقبل فحسب، بل إن الأمر ذهب أبعد من ذلك وهو اهتزاز الثقة في النظام المالي ككل . وعلى هذا الأساس جاءت سياسة واشنطن والتي تهدف إلى لعب دور أكثر شمولية في علاج الاقتصاد واستعادة الثقة للأسواق . فلربما تؤتي خطط التحفيز المالي بتريليونات الدولارات ثمارها في تهدئة المخاوف وتوجيه الدعم للنظام المصرفي كحل نهائي .
والسؤال الآن هل بوسع هذه الخطط تفعيل سياسة إيجابية من شأنها استعادة الأواصر بين الاقتصاد وأسواق المال؟ . إذا ما تأملنا تاريخ العلاقة بين الاثنين فإننا سنجد أن تقدما ضئيلا حدث من أجل تقريب الفجوة بينهما . فالاقتصاد الأمريكي بدت عليه ملامح الانكماش خلال الربع الحالي بما يصل إلى 2 .6% مع التوقع بأن يدخل مراحل أخرى من الانكماش في الربع الثاني . ولكن هناك تحسنا ملحوظا في معدلات انفاق المستهلك رغم أن قطاع الأعمال والشركات لا يزال يواصل نزيف رأس المال وتردي نتائجه المالية ولجوء الكثير منه إلى الاستغناء عن العمالة . في الوقت نفسه ظهرت بعض المؤشرات الخاصة باختبارات التحمل التي أجرتها واشنطن ضعف البنوك الأمريكية وهو الأمرالذي يفسر القلق المتزايد في الولايات المتحدة على مستقبل القطاع المصرفي .
وفي الوقت الذي ينتاب المستثمرين قلق كبير من التوقعات التي تشير باحتمالات ارتفاع حالات الإفلاس بالقطاع المصرفي، لاحت بوادر أمل بعد إعلان سيتي جروب عن نمو في أرباحها . ولكن لايزال هناك المزيد يتعين على صناع القرار في الولايات المتحدة عمله من أجل تطهير البنوك من الأصول المسمومة . وعلى الرغم من الخطة التي طرحتها وزارة الخزانة بشأن انشاء صندوق استثماري مشاركة بين القطاعين العام والخاص للتعامل مع المشكلة، إلا أن أي اتجاه من هذا النوع سوف ينطوي على ضرورة قدرة البنوك على استيعاب خسائر كبيرة . ولكن في حال ما إذا فشلت خطة إنشاء الصندوق فإن ذلك سوف يكون صفعة قوية تهز ثقة المستثمرين .
أما بالنسبة للقطاعات الأخرى غير البنكية فإن جهود الدعم تسير بخطى متسارعة . فالمحللون يعولون الكثير على برنامج تسهيلات القروض المدعومة بسندات أرصدة تالف الذي أسسته وزارة الخزانة والاحتياط الفيدرالي في السابع عشر من مارس/أذار الحالي . ذلك أن البرنامج يهدف إلى انعاش سوق الائتمان من خلال إصدار سندات قروض، أو وضعها في حزم وبيعها داخل السوق الثانوية . ومن المقرر أن يشتري البرنامج ماقيمته تريليون دولار من السندات الجديدة المدعومة بالأصول والتي سوف تتضمن قروضا للأفراد والشركات بالإضافة إلى بعض السندات المدعومة برهونات تجارية وعقارية .
ويكتسب البرنامج أهميته من أن حوالي 50% من الائتمان المتدفق إلى القطاع العقاري والشركات يتم من خلال سندات . ولكن مع نهاية العام الماضي هوى سوق إصدار السندات المدعومة بالأصول إلى ما يقرب من الصفر نتيجة جفاف السيولة في السوق الثانوية . ولعل ذلك هو السبب في عدم فعالية الإجراءات التي اتخدها الاحتياط الفيدرالي بتخفيض الفائدة . ويرى محللون أن تالف سوف يفسح المجال للتنوع في القروض الاستهلاكية والمؤسساتية . ويأتي الاتجاه نحو تحسين أداء سوق الائتمان متزامنا مع الحاجة لتحقيق أفضل تأثير ملموس لبرامج التحفيز المالي على الاقتصاد والذي يتوقع أن يحدث أصداء إيجابية خلال الربع الثاني من العام خاصة بعد قيام بعض الشركات بضبط ميزانياتها بعد اختصام الضرائب في الأول من إبريل/نيسان المقبل . وتشير تقديرات مكتب الموازنة التابع للكونجرس إلى أن حزمة التحفيز المالي سوف تزيد إجمالي الناتج المحلي الأمريكي بما يتراوح بين 4 .1 و8 .3% . وهذه وصفة العلاج للحيلولة دون المزيد من التراجع في الناتج المحلي للبلاد خلال النصف الثاني من العام . وفي حال ما إذا حققت هذه الخطط نتائجها المرجوة لانعاش أسواق المال والقطاع العقاري، فإن ذلك يعد خطوة كبيرة على طريق إعادة الثقة من جديد إلى السوق مستقبلاً .
* كبير المحللين الاقتصاديين في مجلة بيزنس ويك
لاحت في الأفق تباشير فجر حقبة جديدة من التعاون الأمني، فلكي تجابه الأمم والمؤسسات والمنظمات التحديات العالمية الجديدة بحزم وصلابة وبصورة مؤثرة عليها التكاتف والتضامن واستكشاف سبل وأساليب ومقاربات مشتركة، وينبغي كذلك ان يشتمل هذا البحث عن حلول جديدة لتوطيد العلاقات بين دول منطقة الخليج وحلف الأطلسي، وتطوير أواصر وصلات أمتن بين الطرفين. ومبادرة اسطنبول للتعاون تفتح آفاقاً جديدة وتتيح الكثير من الفرص للتعاون. وستكون هذه هي الرسالة المحورية الأبرز حضوراً عندما يلتئم شمل الزعماء والساسة وكبار الأكاديميين وقادة الفكر ونخب المثقفين من دول الخليج والأطلسي ويعقدون مؤتمرهم في المنامة يوم 24 ابريل/نيسان تحت عنوان علاقات الناتو والبحرين ومبادرة اسطنبول للتعاون.
ويتنامى وعي بلداننا ويتزايد إدراكها لحقيقة أن العولمة ليست مجرد سبل لإزالة الحواجز وفتح الاقتصادات على بعضها بعضاً وانتشال البؤساء من هوة الفقر. فمن الجلي أيضاً أن للعولمة آثاراً سلبية وعواقب ليست بالحميدة، وأن لا أمة من الأمم، ولا بلد من البلدان محصّن تجاه هذه التأثيرات، فبلدان أوروبا وأمريكا الشمالية، وبلدان منطقة الخليج كانت هدفاً للهجمات الإرهابية، فزعزعة الاستقرار في العراق واضطراب أحواله وأحوال أفغانستان، وانتهاكات إيران للالتزامات والتعهدات تجاه مجلس الأمن في ما يتعلق ببرنامجها النووي، تنعكس علينا جميعاً وتطالنا آثاره بغضّ النظر عن بعدنا أو قربنا الجغرافي. كما أن لنا جميعاً مصالح مشتركة تتمثل في أمن الطاقة، وأمن خطوط الإمدادات والبنية التحتية للطاقة، سواء كنّا بلداناً تمدّ وتورّد، أو تعبر في أراضيها الامدادات أو بلداناً مستهلكة. ولم تعد الجغرافيا تنفع أو تشفع أو تشكّل درعاً تقينا شرور مثل هذه التحديات العالمية. وما نحتاجه إنما هو استجابات عالمية، مقاربات وطرق جديدة مبتكرة ابداعية تمتد عبر الحدود الوطنية والقومية والجغرافية والثقافية. وحفز مثل هذه التوجهات والأساليب الجديدة وتشجيعها هو السمة الأميز للناتو اليوم. فعلى مدى العقود القليلة الماضية شهدت بلدان منطقة الخليج نقلة وتحولات جعلتها تلعب أدواراً رئيسية بالغة التأثير في الاقتصاد العالمي. وكان على هذه البلدان كذلك أن تتصدى، في خضم مسيرة التحولات هذه، لهذه التحديات. وكان من نتيجة هذا وثمرته مثلاً ان انخرطوا وشاركوا في مهام أمنية فعلية خارج منطقتهم، وشملت هذه مشاركتهم في الحملات والمهام في منطقة البلقان تحت قيادة حلف الأطلسي.
وأعتقد جازماً أن الزيارة التي سيقوم بها مجلس شمال الأطلسي بقضّه وقضيضه للمنامة ستشكّل فرصة تاريخية لا تقدر بثمن لتتبين الجماهير في دول الخليج حقيقة التحول الذي طرأ على حلف الأطلسي وكيف تطور من تحالف الحرب الباردة ليصبح من أعظم المنصات النشطة لانطلاق تعاون أمني دولي واسع النطاق. ويقود الأطلسي اليوم قوة المساعدة الأمنية الدولية المنتدبة من قبل مجلس الأمن الأممي في أفغانستان، كما يتعاون مع بلدان تمتد رقعتها الجغرافية من أواسط آسيا مروراً بشمال إفريقيا والشرق الأوسط إلى منطقة حوض المحيط الهادي الآسيوية، ونتعاون فضلاً عن هذا مع الأمم المتحدة ونتشارك معها ومع الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي وغيرها من المؤسسات والمنظمات الدولية لتطوير نهج شامل بكل ما في الكلمة من معنى وأساليب ومناهج لمواجهة التحديات دعماً للشعوب المسلمة.
وبصفته منظمة لطالما تناولت وتعاملت مع شؤون التعاون الأمني متعدد الجنسيات لنصف قرن ونيف راكم حلف الأطلسي ثروة ضخمة من التجارب والخبرات التي يسرّه أن يضعها بين أيدي شركائه من غير دول حلف الأطلسي، وعلى امتداد السنوات الخمس عشرة الماضية طوّرنا الهياكل والمؤسسات الضرورية لنقل هذه الخبرات إلى البلدان غير الأعضاء في الحلف ولمساعدتها على التغلب على ما يثير قلقها ومخاوفها. ففي عام 2004 أطلق حلف الأطلسي مبادرة اسطنبول للتعاون. وهذه المبادرة دعوة للبلدان في منطقة الخليج للمساعدة على تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة من خلال التعاون الثنائي مع الحلف في مجالات تعاظمت فيها خبرات الحلف وصقلت براعته. وكانت البحرين والكويت وقطر ودولة الإمارات العربية المتحدة هي الدول الخليجية الأربع الأولى التي تنضم إلى مبادرة اسطنبول للتعاون، ويحدونا أمل كبير أن تحذو المملكة العربية السعودية وعمان حذو تلك البلدان الأربعة في المستقبل القريب.
ومنذ إطلاق مبادرة اسطنبول للتعاون قبل أربع سنوات تنامت بشكل مطرد الفرص للتعاون العملي المشترك والبنّاء الذي يعم الجميع نفعه. وثمة أوجه كثيرة للتعاون اليوم تتراوح ما بين التعاون لمكافحة الإرهاب والاستجابة للتحديات المنبثقة من حدوث كوارث وتلك المتعلقة بحظر الانتشار النووي. وتضاعف ثلاث مرات خلال عامين فقط عدد النشاطات المطروحة في هذا الميدان. ويدعم هذه النشاطات إطار عمل دبلوماسي عام مؤثر ووافر النشاط. ونحن نرى في هذا التعاون طريقاً باتجاهين يمكن لبلدان الخليج والأطلسي أن تتعلم فيه من بعضها بعضاً وأن تبني صرح ثقة وتفاهم فيما بينها.
وإذا ما أخذنا في الحسبان نطاق تعاوننا ونظرنا إلى مداه، فثمة ميزة كبيرة في محاولة بنائه والتركيز عليه بصورة أفضل، وفي السعي لضمان أن تستفيد بلدان الخليج والأطلسي من الوقت الذي تقضيه والجهد الذي تبذله فيه أعظم الاستفادة. ولهذه الغاية طرح الحلف على شركائه في مبادرة اسطنبول للتعاون إمكانية تطوير برنامج تعاون فردي لكل بلد مع الحلف ليلائم أهداف كل بلد من هذه البلدان ويوائم مصالحه. وما هذه سوى وسائل وسبل ممتازة لتعزيز علاقاتنا التي تتوطد باطراد واضفاء المزيد من الصدقية على صلاتنا هذه، ولتأكيد أنه بزغ حقيقة فجر حقبة جديدة من التعاون ينبغي اغتنام فرصها.
* الأمين العام لحلف شمال الأطلسي