صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
دانيال موس
كاتب متخصص في شؤون آسيا في «بلومبيرج»
أحدث مقالات دانيال موس
29 ديسمبر 2024
هيمنة الدولار مفتاح الدين والعجز الأمريكي

دانيال موس*

لطالما توقّع المتشككون نهاية هيمنة الدولار الأمريكي، التي تتيح للولايات المتحدة الاقتراض بمستويات كانت ستنهك أي دولة أخرى. وعلى مدار نصف قرن على الأقل، راهن بعضهم على ظهور قوى جديدة قادرة على إزاحة الأصول الأمريكية من مركزها. لكن لا يبدو أن هذا السيناريو سيتحقق قريباً.
وواجه الدولار تحديات كبيرة على مدار العقود: من التحول إلى أنظمة أسعار الصرف العائمة في السبعينات، إلى إطلاق اليورو، وصعود الاقتصادين الياباني والصيني، إضافة إلى عجز هائل في الميزانية والتجارة. ومع ذلك، استمر الدولار في الصمود.
وغالباً ما يربط المحللون العجز في الميزانية بتوقعات أن الإنفاق الأمريكي سيتجاوز حدوده بشكل كارثي، ما يؤدي إلى انهيار سوق السندات وسقوط الدولار. إلا أن هذه التوقعات لم تتحقق. وعلى سبيل المثال، لم تُحدث لجنة شكلها باراك أوباما لتقديم توصيات للحد من العجز أي تغييرات ملموسة، رغم التحذيرات بأن الولايات المتحدة قد تواجه أزمة ديون على غرار ما حدث في اليونان.
ويكمن الفارق الأساسي في قدرة الولايات المتحدة على طباعة عملتها الخاصة، بعكس اليونان التي واجهت قيوداً نتيجة انتمائها إلى منطقة اليورو. وهذا الامتياز هو ما جعل السندات الأمريكية تظل في مركز النظام المالي العالمي.
ويمتد تأثير الدولار إلى ما هو أبعد من السياسات الرسمية. فهو يشكل الجزء الأكبر من احتياطات النقد الأجنبي عالمياً، ويشارك في نحو 90% من تداول العملات الأجنبية. كما أن معظم القروض عبر الحدود والفواتير التجارية تصدر بالدولار. ورغم التقدم الكبير الذي حققته الصين، إلا أن نصيب عملتها «اليوان» في المدفوعات الدولية لا يزال متواضعاً.
ووفقاً لدراسة أجراها البروفيسور جوشوا هندريكسون من جامعة «ميسيسيبي»، يتمتع النظام المالي الحالي بما يُعرف ب«معيار الخزانة»، الذي يمثل امتداداً لنظام «بريتون وودز» الذي أعقب الحرب العالمية الثانية. ويتيح هذا النظام للولايات المتحدة جمع الأموال على نطاق واسع لدعم برامجها ومشاريعها، سواء كانت دفاعية أو صحية.
ويمنح هذا الوضع الولايات المتحدة ميزة هائلة، لكنه يثير انتقادات تتعلق بقدرتها على العيش بما يتجاوز إمكاناتها. ورغم تكرار الدعوات لإنهاء هيمنة الدولار، إلا أن البدائل المتاحة لا تزال غير مقنعة. فالصين، رغم قوتها الاقتصادية، تفرض قيوداً صارمة على أسواقها المالية، ما يضعف الثقة باليوان كعملة عالمية.
وحتى مع انتقادات بعض الساسة الأمريكيين مثل الرئيس المنتخب دونالد ترامب الذي أعرب عن عدم رضاه عن قوة الدولار، من غير المرجح أن تتغير مكانته قريباً، إذ تعتمد الدول على الدولار لأنها تجد فيه أماناً وسيولة لا توفرها أي عملة أخرى.
وفي ظل غياب بديل قوي، سيظل الدولار الخيار الأول في النظام المالي العالمي. وربما يكون التهديد الأكبر لهيمنة الدولار هو السياسات الأمريكية نفسها، مثل الإفراط في فرض العقوبات، التي قد تدفع العالم للبحث بجدية عن بديل. ومع ذلك، فإن هذه اللحظة لا تبدو قريبة في الأفق.
الدولار سيستمر في هيمنته، رغم الأمنيات المتكررة بزوالها. وعند التفكير في البدائل، يتضح أن العالم ما زال يعتمد على «العملة الخضراء».
*كاتب عمود (بلومبيرغ)

3 فبراير 2021
الصيــــن.. لاعب اقتصادي مهم لكنـه ليـس قائـداً عالمـياً

دانيال موس *

حتى مع أرقام الناتج المحلي الإجمالي المدهشة، لا يزال الطريق طويلاً لتقود بكين بوصلة السياسة العالمية
إن تعافي الصين من عمق ركود «كوفيد-19» مثير للإعجاب، وستكون البلاد بالتأكيد القوة الاقتصادية الرئيسية الوحيدة التي تنهي عام 2020 في منطقة إيجابية. ومن المتوقع لها أن تستمر في التوسع المطرد لهذا العام أيضاً. ولكن على الرغم من جميع صيغ التفضيل، ما يزال أمام بكين سنوات قبل أن تقود الاقتصاد العالمي.
قالت الحكومة في وقت قريب مضى، إن الناتج المحلي الإجمالي ارتفع بنسبة 6.5% في الربع الأخير من العام السابق، وهو أفضل مما كان متوقعاً وبوتيرة أسرع مما قبل الوباء. ورفع هذا الأداء التوسع الاقتصادي للعام الماضي إلى 2.3%. ولم يكن أشد المتفائلين يتوقع أن تتحقق هذه النتيجة مع بدايات الإغلاق الاقتصادي لاحتواء فيروس كورونا.
وبحسب تقديرات صندوق النقد الدولي، قد يقترب النمو من 8% هذا العام، متفوقاً على أمريكا وأوروبا واليابان. ووفقاً لمركز أبحاث الاقتصاد والأعمال، وهو شركة استشارية في لندن، ستحل الدولة الشيوعية محل الولايات المتحدة كأكبر اقتصاد في العالم؛ من حيث «القيمة الدولارية» في عام 2028، أي قبل خمس سنوات من توقعات العام الماضي.
وكما هو معروف، خلف كل الأرقام القوية هناك تحديات كبيرة أيضاً. فقبل الوباء، كان نمو الصين يتباطأ. وتبنت السلطات آنذاك موقفاً مناسباً؛ حيث اعتمدت التخفيف المالي والنقدي بينما كان الاحتياطي الفيدرالي لا يزال يشدد في سياسته في عام 2018. وقال صندوق النقد الدولي في اختتام المراجعة السنوية له في وقت سابق من هذا الشهر، إنه وبغض النظر عن عودة تفشي فيروس كورونا، فإن أحد أكبر المخاطر التي تواجه الصين هو التراجع عن الدعم الرسمي قبل الأوان. معتبراً أن استمرار بعض الدعم والسياسة النقدية، يبقي الوضع متكيفاً مع الظروف الخارجية المحيطة إلى حد ما.
سحب البنك المركزي الصيني يوم الجمعة الأموال النقدية من النظام المالي لأول مرة منذ ستة أشهر، بعد أن دفعت السيولة الزائدة معدل الاقتراض بين البنوك إلى أدنى مستوى له على الإطلاق. وأشارت هذه الحركة غير المتوقعة إلى احتمالية انتهاء التيسير النقدي للشهرين الماضيين. وفي حين أن هذا الموقف ساعد في إصلاح المعنويات في أسواق الائتمان والسندات الحكومية في الصين، إلا أن ضخ الكثير من السيولة يخاطر بزيادة النفوذ في النظام المالي.
كان تخفيف بكين الاقتصادي في عصر الفيروس التاجي معتدلاً مقارنة بنهج الاحتياطي الفيدرالي وضخ الأموال الذي أقره الكونجرس. وتشير تقديرات صندوق النقد إلى أن التدابير المالية التي طبقها الرئيس شي جين بينج تصل إلى نحو 4.7% من الناتج المحلي الإجمالي. في حين تجاوزت النسبة ال10% في الولايات المتحدة، وتعهدت اليابان بضعف ذلك.
هناك أسباب وجيهة لتردد بكين الأخير. فبعد أن ساعد التحفيز الضخم خلال الأزمة المالية العالمية على دفع الانتعاش، ترك الشركات الصينية في عبء كبير من الديون. ومن المعروف أن الكثير من الوفرة قد يخلص بشراهة اقتراضاً ينهي الأمور بشكل أسوأ، وبالفعل انتشرت موجة من حالات التخلف عن السداد بين شركات رفيعة المستوى عبر الأسواق في نهاية العام الماضي.
على الصين أن تكون ممتنة للبنك الاحتياطي الفيدرالي لتوليه دفة القيادة ودعم التوسع النقدي في جميع أنحاء العالم وخفض أسعار الفائدة إلى الصفر، واستئناف التيسير الكمي، وفتح الوصول إلى الدولارات في الخارج، والتوضيح بأن التشديد قد يستمر لسنوات. وتعد هذه القوة ميزة كبيرة للولايات المتحدة وعبئاً في نفس الوقت على الاحتياطي الفيدرالي. ومثل بقية الاقتصادات العالمية، تستفيد الصين من الأسواق المزدهرة وتركب موجة الظروف المالية الميسرة، من دون القيام بجهد كبير.
حجم المسؤولية الأمريكية يعد تياراً خفياً داعماً، وهو ما نوه إليه رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في مقابلة سابقة مع الاقتصادي بجامعة برينستون «ماركوس برونرماير». أقر باول بأن نطاق استجابة بنك الاحتياطي الفيدرالي لفيروس كورونا يأتي مع كون الدولار هو العملة الاحتياطية العالمية والمواطن الاقتصادي الجيد في العالم. واعتبر بأنه من السابق لأوانه الحديث عن تخفيف الدعم من قبل الاحتياطي الفيدرالي. يذكر أن بنك الشعب الصيني لم يتمكن من الوصول لهذا المستوى من التدقيق.
تستحق الصين الإشادة على أدائها، وعلى مرونة اقتصادها الذي لولاه ربما كان الاقتصاد العالمي في وضع أسوأ بكثير. وقد تتفوق على الولايات المتحدة قريباً لكنه سيكون تفوقاً ثانوياً ومؤقتاً، فالصين لن تقود العالم بشكل أساسي ومطلق، وناتجها المحلي الإجمالي المزدهر لن يغير هذه الحقيقة.
* كاتب متخصص في شؤون آسيا في «بلومبيرج»

18 يناير 2021
«انقلاب» ماليزيا الخفي

دانيال موس *

أعلن رئيس الوزراء الماليزي محيي الدين ياسين أخيراً حالة الطوارئ في البلاد، وهي التي حاول فرضها قبل عدة أشهر، حيث تمنحه السلطات الاستثنائية ظاهرياً فرصة لمواجهة الزيادة في عدد الإصابات بفيروس كورونا، بينما تضع غطاءً على تمرد سياسي يهدد فترة حكمه غير المستقرة التي دامت 10 أشهر، وهذا أمر بالغ الأهمية لمستقبل حكومته.

 وأعلن الملك مرسوم الطوارئ باعتباره «إجراءً استباقياً» لاحتواء حالات كورونا المتزايدة، وقد يستمر حتى أغسطس/آب المقبل. وكانت ماليزيا قد خضعت لقانون الطوارئ آخر مرة في الستينات لمكافحة أعمال الشغب الطائفية.

 لكن مثل هذا المرسوم لا يمر بسهولة في هذه الدولة الواقعة في جنوب شرق آسيا؛ وقد حاول محيي الدين فرض الطوارئ في أكتوبر/تشرين الأول الماضي ولم يفلح. لكن تفاقم الإصابات مؤخراً، والتي وصلت إلى مستوى قياسي، سهل الحصول على موافقة الملك عبد الله أحمد شاه، بفرض إجراءات تسمح بتعليق عمل البرلمان، وتشديد القيود على الحركة عبر الحدود، و منح الجيش المزيد من الصلاحيات في الحياة المدنية.

 يأتي تعليق البرلمان في وقت مبكر جداً بالنسبة لمحيي الدين الذي وصل إلى السلطة في آذار/مارس بعد أن انشق بعض النواب عن ائتلاف بقيادة مهاتير محمد. وفاز محيي الدين بالتصويت في البرلمان بأغلبية ضئيلة. 

 والمؤكد أن تلك الخلفية السياسية الهشة هي التي تعطي إعلان الطوارئ نفحة في لعبة القوة. فما يجري في ماليزيا أقرب إلى الانقلاب مما شهدته واشنطن عند اقتحام مبنى الكونجرس. والحقيقة هي أنه إذا تم إجراء انتخابات قريبا، فهناك فرصة جيدة لأن يخسرمحيي الدين كل شيء. 

 ويبقى إجراء انتخابات وطنية في أي وقت قريب، رهناً بما تؤول إليه الظروف الصحية. وتوقعت الحكومة أن تصل الإصابات اليومية إلى 8000 بحلول أواخر مارس/آذار أو أواخر مايو/أيار. وقد تجاوز العدد ألفي إصابة في الأسبوع الأخير.

 ولا بد من الإشارة إلى أن تعليق الأنشطة السياسية أمر نادر في هذا البلد الذي يبلغ عدد سكانه حوالي 30 مليون نسمة. وقد كانت ماليزيا، في معظم تاريخها، معقلًا للاستقرار، على عكس حكومات إندونيسيا المجاورة وتايلاند والفلبين التي عطلتها تدخلات الجيش على مر السنين. واستندت هذه الاستمرارية إلى الديمقراطية البرلمانية مع إجراء انتخابات منتظمة، منذ الاستقلال حتى عام 2018. وقد ضعف الحزب الحاكم سابقاً في العقد الماضي بسبب الانقسام المتزايد بين المناطق الحضرية والريفية وفضيحة الفساد التي أسقطت في ذلك الوقت - رئيس مجلس الوزراء نجيب رزاق. لكن لا يزال توفر بديل قوي بعيد المنال في ظل انقسامات الثقافة السياسية التي لا تزال قائمة إلى حد كبير على الانتماءات العرقية والطائفية.

 ومع نأي الجيش عن التدخل عزز محيي الدين سلطاته وصار يمسك بزمام القوة. وقد يكون محقاً في المقامرة على فكرة أن الناس لا يهتمون بمن يحكمهم عندما يتعلق الأمر بالحياة أو الموت في ظل تفشي الجائحة. لكنه أيضاً يلعب على عامل الوقت وهو ما يتفق فيه مع الطبقة السياسية الحاكمة التي ليس لديها خطة محددة لاستبدال النظام الذي قام على أكتاف حزب المنظمة الوطنية.

 ويكرر محيي الذين القول إن الانتخابات سوف تتم بمجرد الإعلان عن القضاء على الفيروس. وهذه عكازة يتكئ عليها عدد من حكومات العالم في الوقت الراهن. وعندما يحصل الناس على فرصة للإدلاء بأصواتهم في ظروف أكثر راحة قد يجد محيي الدين نفسه خارج اللعبة.

* كاتب متخصص في شؤون آسيا في «بلومبيرج»