لطالما كان للتوقيع في السياسة معنى يتجاوز الورق. كان لحظة عبور بين زمنين، اللحظة التي يضع فيها الأعداء أقلامهم فوق الوثيقة، وكأنهم لا يوقعون على اتفاق فقط، بل يوقعون على اعتراف بأن العالم بعدهم لن يكون كما كان قبلهم. كانت القاعات الكبرى، والوجوه المتقابلة، والمصافحات أمام عدسات العالم جزءاً لا يتجزأ من صناعة اللحظة والتاريخ على حد سواء، لأن السياسة ليست نصوصاً فقط، بل رموز وطقوس وصور تبقى في ذاكرة الشعوب.
لكن الشرق الأوسط الذي اعتاد أن يكتب تاريخه بالحبر والدم، قد يكون على موعد مع مشهد مختلف: اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لا يولد من قاعة مفاوضات تجمع الخصمين، بل من شاشة إلكترونية، يوقعه كل طرف من مكانه، كأن واحدة من أعقد خصومات القرن يمكن اختزالها في ملف رقمي ينتقل عبر خطوط مشفرة، كأن الجغرافيا تقف عصية أمام مشهد تاريخي وتضيق الخناق عليه.
وربما تكون هذه هي المفارقة الأكثر تعبيراً عن طبيعة اللحظة نفسها: اتفاق يريد أن يطفئ حريقاً تاريخياً، لكنه لا يزال يخشى الاقتراب من النار.
فالوثيقة المرتقبة، حتى لو وُقعت، لا تبدو اتفاقاً يغلق الملفات بقدر ما تبدو صيغة لإدارة ملفات مؤجلة. فما بين طهران وواشنطن عقد كبرى ما زالت معلقة في الهواء: من يبدأ أولاً، هل تفتح إيران هرمز أم تخفف واشنطن ضغطها البحري وتفرج عن بعض الأموال المجمدة؟ وما مصير البرنامج النووي الإيراني في ظل عدم وضوح مستقبل التخصيب والمخزون وآليات التفتيش؟ وهل تتحول مهلة الستين يوماً إلى مسار تفكيك حقيقي أم إلى فرصة لإعادة ترتيب الأوراق؟ ثم تأتي الملفات الأكثر تعقيداً: الصواريخ، والمسيرات، وشبكة النفوذ الإقليمي، ولبنان، والسيطرة على إسرائيل، وضمانات أمن الخليج.
لكن القضية الأعمق ليست في هذه البنود وحدها، بل في السؤال الذي يختبئ خلفها: هل نحن أمام اتفاق ينهي صراعاً؟ أم اتفاق يمنح الصراع فرصة ليتنفس بطريقة مختلفة؟
من هنا يصبح التوقيع الإلكتروني أكثر من إجراء تقني، يصبح لغة سياسية.
لم يكن ينقص هذا العصر سوى أن يُوقع اتفاق حرب وسلام في الشرق الأوسط بكبسة زر. كأن أربعة عقود من العداء بين «العدو الإمبريالي» و«الدولة المتمردة» يمكن أن تختصر في نافذة إلكترونية صغيرة يظهر فيها خيار «أوافق»، ثم يغلق الطرفان الشاشة وكأن التاريخ، بكل حروبه وعقوباته وذاكرته الثقيلة، أصبح مجرد تحديث مؤقت لبرنامج قديم.
لكن المفارقة أن هذا الشكل البارد قد يكون الأكثر صدقاً مع مضمون الاتفاق نفسه. فهذا ليس اتفاق مصالحة، بل اتفاق مصالح. ليس إعلان صداقة، بل ترتيب مسافات. لا توجد صورة تريد طهران أن تمنحها لجمهورها، ولا صورة يريد ترامب أن يمنحها لخصومه.
إيران، التي قامت جمهوريتها الحديثة على سردية مواجهة الولايات المتحدة، لا تستطيع بسهولة إنتاج مشهد مصافحة مع من وصفته لعقود بأنه «الشيطان الأكبر». فالمصافحة هنا ليست حركة يدين، بل امتحان لذاكرة سياسية كاملة.
وفي المقابل، فإن ترامب، الذي بنى جزءاً أساسياً من هويته السياسية على نقد إرث إدارة أوباما والاتفاق النووي السابق، يدرك أن الصورة قد تكون أخطر من الاتفاق نفسه. فهناك فرق بين توقيع وثيقة يمكن شرحها للناخبين، وصورة تاريخية قد تصبح رمزاً يتجاوز كل التفسيرات. ولهذا تغيب الصورة. وهنا يكمن جوهر اللحظة.
في التاريخ الحديث لم تكن الصور مجرد زينة دبلوماسية. فعندما صافح ريتشارد نيكسون ماو تسي تونغ في بكين عام 1972، لم تكن الكاميرات توثق لقاءً عابراً بل لحظة أدرك فيها التاريخ أن خصمين أيديولوجيين قررا إعادة ترتيب موقعهما في العالم. وعندما خرجت كامب ديفيد بصورها الشهيرة، كانت الصورة تقول إن عدو الأمس أصبح شريك الغد، حتى لو بقيت الجروح مفتوحة.
أما واشنطن وطهران اليوم فتبدوان وكأنهما تريدان نتائج تلك اللحظات التاريخية من دون تحمل تكلفتها الرمزية. يريدان الاتفاق، لكنهما لا يريدان الاعتراف الكامل. يريدان خفض التصعيد، لا تغيير الهوية. يريدان إدارة الخلاف، لا دفنه. وهنا تظهر ملامح الشرق الأوسط الجديد.
فالمرحلة المقبلة لا تبدو مرحلة انتصار كامل لأي طرف. لن يكون هناك خروج أمريكي كامل، ولا سيطرة إيرانية كاملة، ولا سلام شامل، ولا حرب شاملة. إنها مرحلة إعادة تموضع، مرحلة تتحول فيها الصراعات من ساحات مفتوحة إلى طاولات تفاوض، ومن صواريخ معلنة إلى رسائل مشفرة. قد يكون هذا هو المعنى الحقيقي للتوقيع الإلكتروني: إنه ليس توقيع نهاية، بل توقيع انتظار.
سيبقى التوقيع معلقاً في فضاء إلكتروني بارد، كما تبقى أسئلة الشرق الأوسط معلقة في فضاء سياسي أكثر برودة، إلى أن يكشف الزمن من كان يرى هذه الهدنة بداية طريق، ومن كان يراها مجرد استراحة محارب.
ففي الشرق الأوسط، لا تنتهي الحروب دائماً عندما تُوقع الاتفاقات... أحياناً تبدأ مرحلة جديدة منها.
* [email protected]
غداً تُفتح أبواب المونديال من جديد، لكن هذه المرة بصوت عربي أكثر حضوراً من أي وقت مضى. من المحيط إلى الخليج، تُطوى سنوات الانتظار وتُفتح صفحة جديدة في المونديال، لا تقاس بالأرقام وحدها، بل بما تركته الملاعب من أسماء صارت أكبر من نتائجها.
الفراعنة، نسور قرطاج، أسود الأطلس، محاربو الصحراء، الصقور الخضر، أسود الرافدين، العنابي، والنشامى الذين يكتبون فصلهم الأول في الحكاية المونديالية. ثمانية عناوين تختصر جغرافيا تمتد، لكن الأهم أنها تختصر تحولاً بدأ يتشكل بصمت، ثم بدأ يعلن عن نفسه في أكبر مسرح كروي في العالم.
الأردن يدخل للمرة الأولى إلى هذا العالم، لا كضيف عابر، بل كقصة تبحث عن مكانها بين الكبار، كحلم تأخر لكنه وصل. العراق يعود بعد أربعين عاماً من الغياب، كأن الذاكرة الكروية تعيد فتح صفحات كانت مغلقة طويلاً، لتقول إن الغياب لم يكن نهاية القصة. منتخب مصر يعود بعد ثمانية أعوام، بثقل التاريخ الذي لا يغيب حتى حين تغيب المشاركة، فلن ننسى أنه أول منتخب عربي وإفريقي شارك على مستوى العالم. تونس تحافظ على حضورها المنتظم، كأنها تعرف طريقها إلى هذا الموعد العالمي دون حاجة إلى ضجيج. الجزائر تعود بصلابة «محاربي الصحراء»، الذين يأتون دائماً بروح لا تشبه إلا نفسها.
في الجنوب الغربي من الخريطة، يواصل «أسود الأطلس» كتابة فصل استثنائي، بعدما وصلوا إلى نصف نهائي مونديال 2022، في لحظة قلبت مفهوم المستحيل ووسعت حدود الطموح العربي. وفي قلب الخليج، يواصل «الصقور الخضر» حضورهم الذي أصبح علامة ثابتة في المشهد العالمي. أما قطر، «العنابي»، فتعود للمشاركة الثانية بعد أن قدمت للعالم نسخة استثنائية من التنظيم في 2022، جعلت من الدوحة عنواناً عالمياً لكرة القدم.
هذا المشهد لا يُقرأ كحضور رياضي فقط، بل كتحول هادئ في خريطة اللعبة. فالعرب الذين كانوا ينتظرون مقعداً واحداً في الماضي، يجدون أنفسهم اليوم أمام ثمانية مقاعد تُوزع على امتداد القارة، كأن كرة القدم تعكس تغيراً أعمق من المستطيل الأخضر نفسه.
في مونديال 2026، لا تبدو القصة مجرد مشاركة عربية واسعة، بل بداية مرحلة جديدة من الحضور، حيث لم يعد السؤال: من يصل؟ بل كيف وصل الجميع؟ وكيف تغيرت موازين صناعة الحلم الكروي في المنطقة؟
وحين تُرفع صافرة البداية، لن تكون الثمانية مجرد أرقام في جدول البطولة، بل شواهد على زمن جديد، تُكتب فيه الحكاية العربية بلغة مختلفة: لغة حضور لا استثناء، وطموح لا يعرف الاكتفاء.
[email protected]
ليست كل الخسارات تُرى على الخرائط. بعض الخسارات تحدث في مكان أبعد من الجغرافيا وأخطر من الحدود.. في الذاكرة. وهناك، حيث تتشكل صورة الدول قبل سياساتها، وتولد الشرعية قبل التحالفات، تخوض إسرائيل اليوم واحدة من أكثر معاركها تعقيداً منذ تأسيسها. فالدولة التي نجحت في توسيع حضورها الإقليمي، وتعزيز تفوقها العسكري، وتوقيع اتفاقات سلام كانت تبدو مستحيلة قبل سنوات، تجد نفسها أمام سؤال مختلف تماماً: هل ما تزال تملك الرواية التي صنعت جزءاً كبيراً من قوتها؟
في السياسة، تستطيع الجيوش أن تفرض الوقائع، لكن الوقائع وحدها لا تصنع الشرعية. والتاريخ حافل بقوى نجحت في توسيع نفوذها بينما كانت تخسر صورتها. لم تكن فرنسا تفتقر إلى القوة العسكرية في الجزائر، لكنها خسرت معركة الإقناع. ولم تعجز الولايات المتحدة عن إسقاط نظام صدام حسين في أسابيع، لكنها عجزت عن إقناع جزء كبير من العالم بشرعية ما جاء بعد ذلك. في الحالتين، لم يكن السؤال من انتصر في الميدان، بل من امتلك السردية الأكثر قدرة على البقاء.
هذا هو السؤال الذي يقترب اليوم من إسرائيل، فعلى مدى عقود، تمتعت الدولة العبرية بما يمكن تسميته «الرصيد الأخلاقي التاريخي». لم يكن هذا الرصيد ناتجاً عن القوة العسكرية أو النفوذ السياسي فقط، بل عن قصة تشكلت في الوعي الغربي بعد الهولوكوست، قصة شعب خرج من واحدة من أبشع المآسي الإنسانية في التاريخ الحديث. كانت تلك الرواية قوية إلى درجة أنها لم تمنح إسرائيل التعاطف فحسب، بل منحتها أيضاً مساحة واسعة من الشرعية.
غير أن المشكلة في الروايات التاريخية أنها لا تبقى ثابتة إلى الأبد. فكل جيل يعيد قراءة الماضي من زاوية حاضره، لا من زاوية الماضي نفسه.
هنا يكمن التحول الأعمق. الأجيال التي حملت ذاكرة الحرب العالمية الثانية بدأت تغادر المشهد. أما الأجيال الجديدة، فهي لا تنظر إلى العالم من خلال صور الأبيض والأسود القادمة من أربعينيات القرن الماضي، بل من خلال شاشات الهواتف التي تنقل الحروب لحظة بلحظة. لم يعد السؤال المركزي لدى كثير من الشباب في أوروبا وأمريكا: ماذا حدث لليهود في القرن العشرين؟ بل ماذا يحدث اليوم في الشرق الأوسط؟
إنه تحوّل في مركز الثقل الأخلاقي نفسه.. من ذاكرة تاريخية تقوم على المظلومية إلى تقييم آنيّ يقوم على الصور المباشرة والمعايير الحقوقية. ولهذا لم يعد غريباً أن تتسع الفجوة بين الأجيال في النظر إلى إسرائيل، أو أن تتحول جامعات غربية كانت يوماً من أكثر البيئات تعاطفاً معها إلى ساحات سجال حول سياساتها.
فالعالم يتعاطف مع الضعيف أكثر مما يتعاطف مع القوي، ويمنح هامشاً أخلاقياً أوسع لمن يقاتل من أجل البقاء مما يمنحه لمن يملك فائض القوة. وهكذا انتقلت إسرائيل، في نظر كثيرين، من موقع الضحية التاريخية إلى موقع القوة التي تُسأل عن أفعالها أكثر مما تُفهم مخاوفها.
فضلاً عن أن الدولة التي بنت جانباً من صورتها الدولية على فكرة الديمقراطية الليبرالية، تواجه اليوم أسئلة متزايدة حول طبيعة التحولات السياسية داخلها. فصعود تيارات قومية ودينية متشددة، وبروز شخصيات مثيرة للجدل في المشهد الحكومي، لم يغير فقط شكل النقاش الداخلي الإسرائيلي، بل أثّر أيضاً في الطريقة التي ينظر بها كثيرون إلى إسرائيل في الخارج.
لكن المسألة لا تتعلق فقط بإسرائيل، بل بالعالم الذي تغير من حولها. ففي القرن العشرين كانت الدول الكبرى قادرة إلى حد كبير على إدارة صورتها عبر الحكومات والإعلام التقليدي. أما اليوم فقد أصبح كل هاتف منصة إعلامية، وكل صورة حدثاً سياسياً، وكل رواية عرضة للطعن والمراجعة. لم يعد أحد يحتكر السردية، ولم تعد الشرعية تُمنح لعقود طويلة دفعة واحدة، بل تُختبر كل يوم.
من هنا، لا تبدو المعركة الأهم التي تواجهها إسرائيل اليوم معركة حدود أو صواريخ أو توازنات عسكرية. تلك المعارك تعرفها جيداً. أما المعركة الجديدة فتدور في مساحة مختلفة تماماً، في الوعي، وفي الرواية، وفي قدرة الدولة على تفسير نفسها أمام عالم يتغير بسرعة أكبر من أي وقت مضى.
فالتاريخ لا يطرح على الدول سؤال القوة إلا مرة واحدة. أما سؤال الشرعية، فيعيد طرحه مع كل جيل جديد. وربما تكون هذه هي المعضلة الحقيقية التي تواجه إسرائيل اليوم: ليست كيف تنتصر، بل كيف تحافظ على القصة التي جعلت الآخرين يرون في انتصاراتها شيئاً أكثر من مجرد انتصارات.
فالدول لا تسقط دائماً عندما تُهزم جيوشها، أحياناً تبدأ رحلة التراجع يوم تتوقف الأجيال الجديدة عن الإيمان بالقصة التي قامت عليها تلك الدول. وحينها لا تصبح المعركة على الأرض، بل على الذاكرة. ولا يكون السؤال من يملك القوة، بل من يملك الرواية الخالدة.
[email protected]
إيطاليا التي أحب في أبوظبي التي أعشق، ليست ضيفاً يزور العاصمة من حين إلى آخر، بل نافذة تُفتح كلما قررت السفارة الإيطالية أن تحتفي ببلدها. نافذة يدخل منها شيء من روح المتوسط إلى الخليج، لحن قديم، أو رائحة قهوة، أو طبق يحمل ذاكرة مدينة بعيدة. لهذا لا تبدو أمسية اليوم الوطني الإيطالي مناسبة دبلوماسية بقدر ما تبدو لقاء بين مكانين نجحا، رغم المسافات، في أن يألف أحدهما الآخر.
في أمسية احتضنها، أمس، قصر الإمارات، لم نكن أمام حفل استقبال فحسب، بل تجربة تحمل نكهة إيطالية خالصة، أديرت بتفاصيل يعرفها ويتقنها الإيطاليون جيداً، فهناك، بدا المتوسط أقرب مما توحي به الخرائط، وبدا أن بعض المدن تستطيع أن تعبر البحار من دون أن تغادر مكانها. وقد عكست الفعالية هذا المعنى تحت شعار «أقوى معاً»، الذي لم يكن مجرد عبارة، بل توصيف دقيق لمسار العلاقة بين البلدين.
هذا الدفء لم يكن وليد المجاملة الدبلوماسية، فالعلاقة بين البلدين تجاوزت حدود البروتوكول، لتصبح واحدة من أكثر الشراكات حيوية بين الخليج وأوروبا.
وخلف هذا المسار تقف جهود دبلوماسية نشطة التزمت بتنفيذ الرؤى التي رسمتها قيادتا البلدين، وكان من أبرزها السفير الإماراتي في روما عبدالله السبوسي، والسفير الإيطالي في أبوظبي لورينزو فنارا، اللذان عملا على تحويل التقارب السياسي إلى حضور ملموس في الثقافة والاقتصاد وحياة الناس.
وإذا كانت الأمسية تحتفي باليوم الوطني الإيطالي، فيجب أن نحتفي أيضاً بلغة الأرقام التي تروي حكاية موازية بين البلدين، فالعلاقات الاقتصادية شهدت خلال العقد الأخير نمواً لافتاً، مع توسع الاستثمارات المتبادلة وتنامي الشراكات في كافة القطاعات.
في العاصمة، تستحضرنا إيطاليا بالتفاصيل. كما تستحضر الإمارات نفسها في إيطاليا برائحة القهوة العربية ودفء المجالس وتمور ليوا. لحظات نشعر فيها بأن الجغرافيا فقدت شيئاً من صلابتها، وأن المدن لم تعد تُقاس فقط بما يفصل بينها، بل بما يجمعها.
أجمل ما في العلاقة بين البلدين ليس أن تتناول تمراً إماراتياً في روما، أو تيراميسو إيطالياً في أبوظبي. وليس أن تستنشق العود في نابولي، أو عطر زهرة الوستارية في دبي. أجمل ما فيها أن الأمر لم يعد يثير الدهشة. أن تصبح روما وأبوظبي كلمتين تتجاوران في جملة واحدة من دون أن يشعر أحد بأن بينهما بحراً ومسافات وثقافات مختلفة.
[email protected]
فرصته في أن يعيدنا إلى أنفسنا، إلى جوهرنا الطيب، إلى معدننا الذي ربما غطته طبقات السرعة والانشغال والنسيان. العيد ليس موائد ولحوماً فحسب، بل موازين قلوب وأوزان مروءة، يختبر فينا شيئاً واحداً: هل لا نزال نرى الفضل فضلاً، أم صار كل جميل حولنا «حقاً مكتسباً» لا يستوقفنا ولا يُدهشنا؟
في كل بيت بطل صامت للعيد.. أمٌ تحمل على كتفيها تعب الأيام، ثم تبتسم كأن الأمر هين. زوجة تدير التفاصيل الكبيرة والصغيرة كي يبدو المشهد بسيطاً. عاملة تلم شتات الفوضى لتبقى الصورة أنيقة. عامل يسهر في الشارع والمحطة والمخبز ليبقى البيت عامراً بما نحب. هؤلاء هم «أهل الفضل» في العيد، إن غابوا اختل الإيقاع، وإن حضروا استقام النغم.
جميل أن نُحسن إلى الفقير البعيد، لكن الأجمل ألا ننسى من يقرع أبواب حياتنا كل يوم بإحسانه.
جميل أن نتذكر معنى الأضحية، لكن الأجمل أن نرى من ضحى براحته ليكتمل عيدنا. العيد ليس فقط ما نقدمه نحن، بل ما استقبلناه من عطاء غيرنا، ثم اخترنا: إما أن نمر عليه بلا اكتراث، أو نلتقطه بامتنان يليق به.
ما أيسر أن نقول: «هذا واجبه، وهذا عملها، وهذا دور الأم منذ الأزل». وما أعمق أن نقف لحظة ونسأل: من قال إن الفضل يفقد قيمته لمجرد تكراره؟
أهل الفضل في حياتنا يشبهون الورد الذي يزين حدائقنا في كل صباح، لوناً وعطراً وبهجة، أليس أولى بالشكر من عابر مر مرة واحدة وترك زهرة؟ الذين ينسجون بهجة العيد بخيوط الصبر والخدمة والمروءة أحق بأن نرد لهم الجميل، ولو بكلمة طيبة، بنظرة تقدير، بيد تمتد لا لتأخذ، بل لتخفف الحمل قليلاً.
العيد فرصة أن نغير اتجاه العطاء: أن نُكرِم من يُكرِمنا، وأن نحتفي بمن اعتاد أن يكون في الظل، وأن نقول لمن تعب لأجلنا: «هذا عيدك أنت أولاً».
لا نحتاج إلى خطب طويلة ولا شعارات كبيرة؛ نحتاج إلى قلب يفي، ولسان يعترف، ويد تبادر. نحتاج إلى أن نعيد لأهل الفضل مكانهم في صدارة المشهد، لا في هامش الصورة.
إن فعلنا ذلك، صار العيد ميزاناً نزيد به من رصيد الخير، لا من عدد الولائم. يصبح يوماً للقلوب لا للأطباق فقط، وموسماً نخرج منه أخف ذنباً، وأثقل وفاء.
حينها، لن يعرف العيد طريق الإفلاس أبداً، سيبقى ربحه صافياً في دفتر السماء، وفي دفاتر الناس الذين شعروا أن ما يبذلونه من حب وخدمة وفضل قد وُضع في مكانه الصحيح من التقدير.
في المشهد الأمريكي الراهن، تبدو استقالة تولسي غابارد أشبه بحجر صغير سقط في بحيرة راكدة، فعرّى اتساع الموج لا ضآلة الحجر. ليست رئيسة الاستخبارات سوى علامة على نص أكبر يكتبه النظام الأمريكي على جدار تاريخه: نص التآكل من الداخل.
غابارد قصة انعكست فيها تناقضات واشنطن على مرآة فردية. نائبة ديمقراطية ذات نزعة مناهضة للحروب «الليبرالية»، انقلبت على حزبها عندما رأت فيه طبقة من النُخب، ثم وجدت في ترامب منصة للتعبير عن تمردها على المؤسسة. هكذا انتقلت من مقاعد الكونغرس إلى قمة هرم الاستخبارات الوطنية، حاملة معها تناقضاً صعباً: شخصية بُنيت على نقد المؤسسة، ثم وجدت نفسها داخل أكثر مؤسسات الدولة حساسية.
لكن ما بدا في البداية تقاطعاً بين إدارة تبحث عن أصوات متمردة، وسياسية ترى نفسها خارج النخبة التقليدية، انتهى سريعاً عند حدود السلطة نفسها. فمع تصاعد الخلافات حول ملفات الأمن القومي، بدأت المسافة تتسع بين لغة السياسة ولغة الاستخبارات. ولم تكن التسريبات عن جلسات التوبيخ التي تعرضت لها في البيت الأبيض سوى إشارة إلى لحظة يصبح فيها المسؤول مضطراً لمواءمة تقديراته مع السياق السياسي، لا الاكتفاء بمعايير العمل المهني.
لذلك، حين أعلنت غابارد أن زوجها يواجه مرضاً نادراً وأنها قررت التفرغ إلى جانبه، بدا العذر الإنساني ستارة شفافة تخفي خلفها مسرحاً مكتظاً بالخلافات، وبيتاً أبيض.. يضيق بهامش التباين أكثر مما يحتمله نظامه السياسي نظرياً.
غير أن هذه الحالة لا تقف عند حدود تجربة واحدة. ففي غضون خمسة أشهر فقط، غادرت أربع سيدات مواقعهن في الإدارة الحالية: وزيرة الأمن، وزيرة العدل، وزيرة العمل، وصولاً إلى موقع حساس كالاستخبارات. تتابع هذه المغادرات يطرح تساؤلاً لا يمكن تجاهله: هل تعاني الإدارة من ضيق تجاه الاختلاف عموماً؟ أم أن الإشكال يتفاقم عندما يأتي هذا الاختلاف من نساء في مواقع القرار؟
هذا التساؤل لا يُطرح من زاوية جندرية بحتة، بل من منظور مؤسسي أوسع. فالاستقالات لا تُفهَم إلا إذا أُدرجت في سياق أوسع في بنية السلطة التنفيذية. إدارة تحولت إلى غرفة انتظار تزدحم فيها الاستقالات والإقالات: وزراء سيادة يخرجون تحت وطأة الفضائح أو الخلافات، مسؤولون كبار يغادرون احتجاجاً أو يطاح بهم في تغريدة فجائية، وجهاز بيروقراطي فيدرالي يتهيأ منه عشرات الآلاف للمغادرة ضمن موجات محسوبة من «إعادة هيكلة» الدولة. ما يحدث ليس اختلافاً في الأسماء، بل في الفلسفة: من دولة بُنيت تاريخياً على تراكم الخبرة واستقرار الرجال والنساء الرماديين خلف الكواليس، إلى دولة تُدار بعقلية شركة عائلية تُستبدل فيها الطواقم كما تُستبدل فرق الحملة الانتخابية.
هنا يتقدم البعد البنيوي إلى الواجهة. النظام الأمريكي، كما صاغه الآباء المؤسسون، قام على الحذر من البشر، أياً كانوا، وعلى توزيع متقن للسلطة بين ثلاث سلطات تتجاذب وتتكافأ. جوهر الفكرة كان في شيء واحد: لا أحد يملك الدولة بمفرده، والمؤسسات لا الأفراد هي وعاء القوة. ما نراه اليوم، هو انقلاب على هذه الفلسفة. الرئيس يميل إلى التعامل مع الوزارات والأجهزة الأمنية بوصفها امتداداً لإرادته، لا كيانات مستقلة نسبياً تُلزمه بقواعد اللعبة.
لا يعني هذا أن الدولة الأمريكية تقف على حافة الانهيار غداً؛ الإمبراطوريات الكبيرة لا تسقط دفعة واحدة، بل تتآكل طبقة طبقة. لكن ما يحدث يشبه، في جوهره، انتقالاً من «دولة المؤسسات» إلى «دولة الإرادة»: إرادة زعيم يزعم أنه وحده يجسد الشعب في مواجهة «نخبة فاسدة»، وإرادة مؤسسات تحاول أن تحافظ على دورها التاريخي فلا تجد إلا أدوات التمرد الناعم: استقالات، تسريبات، شهادات علنية تضع الخط الفاصل بين ما يمكن تحمّله وما لا يمكن السكوت عنه.
هذا التآكل الداخلي له كُلفة خارجية ثقيلة. الولايات المتحدة ستظل لعقد قادم على الأقل قوة عظمى في الاقتصاد والعسكر والتكنولوجيا، لكن معضلتها لن تكون في نقص القوة، بل في فائضها بلا بوصلة.
استقالة تولسي غابارد تصلح لأن تكون افتتاحية لهذا المشهد لا خاتمته. هي حكاية ديمقراطية تاهت في يمين شعبوي، واستخباراتية وجدت نفسها بين أخلاق المهنة وضغوط السلطة، وإنسانية اختارت أن تختبئ خلف مرض زوج لتخرج من مسرح لم يعد يحتمل الأصوات المترددة.
لكن خلف هذه الحكاية الخاصة يتشكل سؤال عام: حين تتعب المؤسسات من محاولات ترويضها، وحين يُصرّ السياسي على محاربة النظام الذي أوصله إلى السلطة، أيهما ينتصر في النهاية؟ التاريخ يُغري بالقول إن الدولة الأمريكية ستجد، كما فعلت من قبل، صيغة جديدة للتوازن. لكن التاريخ نفسه يهمس بأن كل توازن جديد يأتي بعد كلفة، وأن ما نراه اليوم ربما يكون بداية فاتورة تُدفع على مهل، في الداخل أولاً، ثم في خريطة العالم بأسره.
[email protected]