ثلاث جرائم في مسلسلات الأيام الثلاثة الأولى من شهر رمضان. جريمة قتل في مسلسل «مولانا»، وجريمة قتل في مسلسل «إفراج»، وجريمة شروع في القتل في مسلسل «حيّ الجدارية»، إلى جانب جرائم أخرى صغيرة في أولى حلقات هذا الموسم التلفزيوني الرمضاني. جرائم مثل الرشوة والابتزاز وخطف الأطفال والمتاجرة بهم، وجرائم أخرى مثل الاستغلال والابتزاز والتشبيح، ونفوذ القبضايات وأصحاب المواقع النافذة.
يبدأ تلفزيون دراما الجريمة هذا مع بدء رفع الأذان لصلاة المغرب ودخول وقت الإفطار، وحتى منتصف الليل، ثم يعاد شريط هذه المسلسلات على مدار نهار اليوم التالي من فترة السحور إلى الظهيرة والعصر والمساء.
مفهومة تماماً للمشاهد عملية إدخال عنصر الجريمة أو الشروع بها أو الغموض الذي يحيط بها في الحلقات الأولى من المسلسل، فهي عملية تهدف إلى شدّ انتباه المشاهد إلى المجريات التي تلي ارتكاب الجريمة، وهي عملية رخيصة ساذجة هدفها مرة ثانية جذب المشاهد إلى الحلقة التالية، فالتالية، وإلى آخر المسلسل لتسجيل أعلى نسبة مشاهدة بين المسلسلات، ومن أجل تحقيق هذا الهدف التجاري التسويقي يأتي عنصر الجريمة في أوّل الحلقات.
ولكيلا نضع الجميع في سلّة واحدة، وبخاصة أننا مازلنا في بدايات عروض المسلسلات، أسارع إلى القول إن المشاهد أكثر ذكاء وثقافة من المؤلف والمخرج والممثل في الكثير من الأحيان، وبخاصة ذلك المشاهد الذي رأى وتعايش مع المئات من المسلسلات التلفزيونية، فهو ينتظر الأيام العشرة الأولى في كل عمل درامي تلفزيوني، وربما في هذه الحال تكون الجريمة عنصراً درامياً فنياً يفرض نفسه أكثر من كونه عنصر تشويق وبحث عن كشف الغموض.
على أي حال، سلة واحدة لا تكفي لوضع الجميع فيها، ولذلك، وبعيداً عن مقدمة الجريمة التي بدأ بها هذا الموسم، يعود عشاق التلفزيون إلى الماضي البعيد والماضي القريب، ماضي الأبيض والأسود حيث هند أبي اللمع، وعبد المجيد مجذوب، وأنطوان كرباج، والماضي القريب الملون حيث أعمال نجيب محفوظ، وأسامة أنور عكاشة وفردوس عبد الحميد، وغيرهم من نجوم الدراما الغنائية، الشفافة، العاشقة، البعيدة عن منظر الجزارة والدم.
كان الكثير من كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي كتاب دراما تلفزيونية رفيعة المستوى، وفوق بنية النص القصصي أو الروائي العربي قامت بنية درامية تلفزيونية هي فن بصري خالص، فن عظيم جميل يقع بين السينما والمسرح، وله شخصية وعنوان.
اليوم دخل على صناعة الدراما التلفزيونية البعض (وليس الكل) ممن لديهم نزوع داخلي إلى الجريمة، جريمة تشويه الأعمال الفنية وحشوها بالساطور والأدوات الحادة، والصراخ.
اليوم أيضاً اختفى زمن ثقافة المسلسل التاريخي أو الوثائقي أو الروائي، مسلسل القصة والحكاية والسرد والجمال، لا مسلسل المسدس والعصابة، حيث يتحول الفن إلى تجارة وضحك غبي على السذّج والبسطاء.
[email protected]