صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
إندرميت جيل
كبير الخبراء الاقتصاديين بمجموعة البنك الدولي والنائب الأول لرئيس البنك لاقتصاديات التنمية
أحدث مقالات إندرميت جيل
25 أغسطس 2024
خطوات للانضمام إلى نادي البلدان الغنية

أندرميت جيل*

«تحقيق الثراء أمر مجيد»، هي المقولة التي ألهمت واحدة من أنجح استراتيجيات التنمية، خلال الخمسين عاماً الماضية. وهو الطموح الذي تشترك فيه البلدان النامية على نطاق واسع، ولأسباب وجيهة. فعندما تصبح البلدان أكثر ثراءً، فيمكن أن تكون النتائج مجيدة، حيث ترتفع مستويات المعيشة، وتتقلص رقعة الفقر، ويتضاءل الميل إلى التلوث، مع تحسن مستوى المنتجات، ووسائل الإنتاج.
ولهذا، يقوم عدد متزايد من البلدان النامية بتحديد مواعيد نهائية وطنية، لتصبح اقتصادات متقدمة: الصين بحلول عام 2035، وفيتنام بحلول عام 2045، والهند بحلول عام 2047. ومن دون حدوث معجزة، تتضاءل فرص نجاحها، بسبب معضلة فريدة تعترض مسار البلدان، وهي ترتقي سلم الدخل. وفي العقود المقبلة، سيعتمد مصير العالم على إمكانية إيجاد علاج مناسب لهذه المعضلة.
وفي سعي البلدان لتحقيق الثروة، لا يقترب سوى عدد قليل منها من القمة. وعادة ما تتباطأ، أو تثبت معدلات النمو الاقتصادي في البلدان النامية خلال مرورها بمرحلة الدخل المتوسط، ما يطلق عليه البنك الدولي «فخّ الدخل المتوسط». وكانت هذه الفكرة موضع خلاف على مدار العقد الماضي، أو نحو ذلك. غير أن أحدث الشواهد بشأنها تعتبر مقنعة: منذ عام 1970 لم يرتفع متوسط دخل الفرد في البلدان متوسطة الدخل أبداً عن 10% من مستوى نظيره في الولايات المتحدة.
ومنذ عام 1990، لم يتمكن سوى 34 اقتصاداً متوسط الدخل من التحول إلى وضعية الاقتصاد مرتفع الدخل، وكان أكثر من ثلثها إما مستفيداً من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وإما من احتياطيات النفط التي تم اكتشافها أخيراً. ويقل عدد السكان الذين يعيشون في هذه الاقتصادات عن 250 مليون نسمة، أي ما يقارب عدد سكان باكستان.
واليوم، تضم البلدان متوسطة الدخل (يُعّرفها البنك الدولي بأنها البلدان التي يتراوح نصيب الفرد فيها بين 1150 دولاراً، و14 ألف دولار من إجمالي الدخل القومي)، نحو 6 مليارات نسمة، ونحو ثلثي الأشخاص الذين يعانون الفقر المدقع. وتسهم هذه البلدان بنحو 40% من الناتج الاقتصادي العالمي، ونحو ثلثي الانبعاثات الكربونية. وباختصار، ستكون هذه البلدان إلى حد كبير مسرح العمليات لكسب، أو خسارة معركة الجهود العالمية المبذولة للقضاء على الفقر المدقع، وتعميم الرخاء، وتعزيز جودة الحياة.
تواجه البلدان متوسطة الدخل تحديات أكبر بكثير من البلدان التي سبقتها في الإفلات من فخ الدخل المتوسط، منها ارتفاع أعداد المسنّين بين سكانها، والاحتكاكات الجيوسياسية والتجارية، وحاجتها إلى تسريع وتيرة النمو من دون الإضرار بالبيئة. ومع ذلك، لا يزال معظمها متشبثاً بنهج ينتمي إلى القرن الماضي، ويتمثل في السياسات التي تركز بشدة على جذب الاستثمارات. واستمرارها في هذا النهج يماثل قيادة سيارة طوال رحلة السفر على السرعة الأولى، ما يستغرق وقتاً طويلاً للوصول إلى وجهتها. ويحاول عدد قليل من هذه البلدان القفز إلى مرحلة الابتكار. وهذا الأمر يماثل نقل حركة السيارة من السرعة الأولى إلى السرعة الخامسة مباشرة، ما يؤدي إلى توقفها عن السير.
وهناك طريقة أفضل تتمثل في الخطة التدريجية، وثلاثية المحاور التي يقترحها البنك الدولي.
تُعد الاتستراتيجية التي تركز بشكل رئيسي على جذب الاستثمارات أفضل السبل لتحقيق تطلعات البلدان منخفضة الدخل. فحالما تصبح هذه البلدان ضمن الشريحة الدنيا من البلدان متوسطة الدخل، فإنها تحتاج إلى نهج أكثر تطوراً، حيث يتعين عليها استكمال الاستثمار باعتماد التطورات التكنولوجية الواردة من الخارج. وهذا يعني الحصول على التكنولوجيات الحديثة ونماذج الأعمال، وتعميمها في مختلف قطاعات الاقتصاد على المستوى المحلي، لتمكين الشركات من الانضمام إلى صفوف الموردين العالميين للسلع والخدمات.
ويتطلب اعتماد التطورات التكنولوجية الواردة من الخارج توافر مجموعة من المواهب أكثر من أي وقت مضى، ومنها المزيد من المهندسين والعلماء والمديرين، وغيرهم من المهنيين ذوي المهارات العالية، كما يجب صقل مهارات جميع المشاركين في القوى العاملة من أجل زيادة الأعداد التي تضمها هذه المجموعة. ومن أكثر السمات التي تأتي بنتائج معاكسة للاقتصادات متوسطة الدخل هي ميلها إلى تهميش دور النساء، عن طريق الحد من الفرص التعليمية والاقتصادية المتاحة لهن. ويمكن للبلدان تحقيق مكاسب هائلة عند توقفها عن الاستمرار في مثل هذه الممارسات. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، يمكن إرجاع أكثر من ثلث النمو الذي حققته البلاد بين عامي 1960 و2010 إلى تراجع التمييز العنصري، والتمييز القائم على النوع الاجتماعي في مجالي التعليم والقوى العاملة. ولولا هذه التغييرات، لكان دخل الفرد في الولايات المتحدة حالياً 50 ألف دولار، وليس 80 ألف دولار، كما هو عليه الآن.
وعندما يتقن بلد ما مرحلتي الاستثمار واعتماد التكنولوجيا وتعميمها، يصبح عندها جاهزاً للمرحلة الأخيرة، وهي التحول نحو الابتكار العالمي.
وتُعد كوريا الجنوبية مثالاً بارزاً في المراحل الثلاث. ففي عام 1960، كان دخل الفرد فيها يبلغ 1200 دولار فقط، وبحلول نهاية عام 2023، ارتفع ليصل إلى 33 ألف دولار، وهو التطور الذي لم يتمكن أي بلد آخر من تحقيقه.
بدأت كوريا الجنوبية بمجموعة بسيطة من السياسات لزيادة الاستثمارات العامة وحفز الاستثمارات الخاصة.
وفي سبعينيات القرن العشرين تحوّل ذلك إلى سياسة صناعية شجعت الشركات الكورية الجنوبية على اعتماد التكنولوجيا الأجنبية، وأساليب الإنتاج الأكثر تطوراً. وشرعت شركة سامسونج، التي كانت تعمل قبل ذلك في أنشطة تجفيف الأسماك وإنتاج المعكرونة، في تصنيع أجهزة التلفزيون باستخدام التكنولوجيا المرخصة من الشركات اليابانية.
وأدى نجاح سامسونج إلى زيادة الطلب على المهندسين والمديرين، وغيرهم من المهنيين المهرة. وقامت حكومة كوريا الجنوبية بواجبها لمساعدة الاقتصاد على تلبية هذا الطلب. فعلى سبيل المثال، قامت وزارة التعليم بتحديد أهداف للجامعات الحكومية، وزيادة مخصصاتها المالية لتساعد على تطوير المهارات الجديدة التي تحتاجها الشركات المحلية. والنتائج جليّة، ولا تخطئها العين. فاليوم تعد سامسونج من كبرى الشركات العالمية المتميزة في الابتكارات التكنولوجية، فهي واحدة من أكبر شركتين لتصنيع الهواتف الذكية، وأكبر شركة لتصنيع رقائق الذاكرة في العالم.
ولإجراء التحولات اللازمة للوصول إلى وضعية البلدان ذات الدخل المرتفع، يجب أن تقوم الحكومات في البلدان ذات الدخل المتوسط بوضع وتطبيق سياسات المنافسة التي تخلق توازناً سليماً بين الشركات الكبيرة، والشركات متوسطة الحجم، والشركات الناشئة. وستكون المنافع أعظم عندما يركز واضعو السياسات، بدرجة أقل، على حجم الشركة، وبدرجة أكبر على القيمة التي تجلبها للاقتصاد، وأيضاً عندما يشجعون الترقي الاجتماعي لجميع المواطنين، عوضاً عن التركيز على سياسات عديمة النتائج للحد من عدم المساواة في الدخل.
ويتعين على تلك البلدان أيضاً اغتنام الفرص الناشئة عن ضرورة التصدي لتغيّر المناخ من خلال إنتاجها وتصديرها للسيارات الكهربائية، وتوربينات الرياح، والألواح الشمسية، وغيرها. ولا ينبغي أن نتوقع من البلدان متوسطة الدخل أن تتخلى فوراً، عن استخدام جميع أنواع الوقود الأحفوري في سعيها لتحقيق نموٍ اقتصادي أسرع، ولكن يُتوقع منها أن تصبح أكثر كفاءة في استخدام الطاقة، والحد من الانبعاثات.
وإذا التزمت معظم البلدان النامية بالنهج القديم، فإنها ستخفق في تحقيق هدفها المتمثل في الوصول إلى وضعية البلدان مرتفعة الدخل، بحلول منتصف القرن الحالي.
ووفقاً للاتجاهات الحالية، سوف يستغرق الأمر من الصين 11 عاماً أخرى للوصول إلى ربع دخل الفرد في الولايات المتحدة فقط، ومن إندونيسيا 69 عاماً، ومن الهند 75 عاماً.
ومن خلال تبنّي الإستراتيجية ثلاثية المحاور - الاستثمار أولاً، ثم اعتماد التكنولوجيا وتعميمها ثم الابتكار، يمكن لهذه البلدان مضاعفة احتمالات تحقيقها لهذه الغاية. وسوف تستفيد بقية بلدان العالم أيضاً، لأن السياسات التي تكافئ الجدارة والكفاءة هي التي تساعد على تحقيق النمو الأسرع، والأنظف، والأكثر مراعاة لظروف الناس.
* رئيس الخبراء الاقتصاديين في مجموعة البنك الدولي والنائب الأول لرئيس البنك الدولي لاقتصادات التنمية (الإيكونوميست)

31 مارس 2024
عندما تفوز المرأة

إندرميت جيل *

عام 1988، أصبحت أليخاندرا أريفالو أول جيولوجية تدخل منجماً تحت الأرض في تشيلي. ورغم خرقها القانون، فإنها تحدت بهذا الفعل الخرافة الشائعة التي مفادها بأن المرأة تجلب الحظ السيئ عندما تغامر بالدخول إلى منجم.

في ذلك الوقت، كان يُمنع على المرأة التشيلية العمل في التعدين تحت الأرض أو في أي عمل آخر يفوق قدرتها أو يعرض حالتها البدنية للخطر، لكن تحدي أريفالو ساعد على إشعال ثورة حقيقية. فبحلول عام 1993، تم إلغاء القيود المفروضة على النساء في مجال التعدين؛ وفي 2022، باتت النساء تمثل 15% من القوى العاملة في مجال التعدين في تشيلي، أي بزيادة ثلاثة أضعاف منذ 2007.

على الصعيد العالمي، حدث تقدم كبير بنفس القدر خلال نصف القرن الماضي. فتحسنت الحقوق القانونية للمرأة بنحو الثلثين في المتوسط منذ عام 1970. وقد أدت الإصلاحات الكبرى إلى تفكيك مجموعة واسعة من الحواجز التي تواجهها المرأة في جميع مراحل حياتها المهنية، وبشكل خاص في مكان العمل.

ومع ذلك، وبينما يحتفل العالم باليوم العالمي للمرأة كل عام، من الواضح أن الفجوة العالمية الهائلة بين الجنسين لا تزال موجودة، لا بل أصبحت أوسع بكثير مما كان يُعتقد سابقاً، بحسب ما أظهرته أحدث البيانات.

وعندما نأخذ في الاعتبار الاختلافات القانونية في ما يتعلق بالحماية من العنف والحق في رعاية الأطفال، فإن النساء يتمتعن فقط بثلثي الحقوق التي يتمتع بها الرجال، وليس 77%، كما يظن بعضهم.

ويتعلق القصور الأعظم بالسلامة، فالنساء لا يتمتعن إلا بثلث الحماية اللازمة ضد العنف المنزلي، والتحرش الجنسي، والقتل. ويشكل عدم كفاية الوصول إلى خدمات رعاية الأطفال عائقاً آخر. فهناك 62 اقتصاداً فقط، أي أقل من ثلث دول العالم، وضعت معايير الجودة التي تحكم خدمات رعاية الأطفال. ونتيجة لذلك، قد تضطر النساء في 128 اقتصاداً آخر إلى التفكير مراراً قبل الذهاب إلى العمل ولديهن أطفال بحاجة إلى رعاية.

علاوة على ذلك، فإن الفجوة بين الجنسين أوسع مما قد توحي به القوانين الموجودة في الكتب. ولأول مرة، قارن تقرير حديث للبنك الدولي، يتحدث عن المرأة وأنشطة الأعمال والقانون، التقدم المحرز في الإصلاحات القانونية بالنتائج الفعلية للنساء في 190 اقتصاداً، ووجد تأخيراً مفاجئاً في التنفيذ.

ورغم أن القوانين المكتوبة تشير ضمناً إلى أن المرأة تتمتع بنحو ثلثي حقوق الرجل، فإن البلدان في المتوسط أنشأت أقل من 40% من الأنظمة اللازمة للتنفيذ الكامل.

فعلى سبيل المثال، سنّ 98 اقتصاداً تشريعات تنص على المساواة في الأجر للنساء مقابل العمل ذي القيمة المتساوية؛ في المقابل، تبنى 35 اقتصاداً فقط تدابير شفافية الأجور أو آليات التنفيذ لمعالجة فجوتها. ويمثل ذلك إهداراً كبيراً لرأس المال البشري، ويأتي في الوقت الذي يحتاج فيه العالم إلى حشد كل موارده للهروب من خطر الركود الاقتصادي المتزايد. واليوم، وبينما تشارك أقل من واحدة من كل امرأتين في القوى العاملة، فإن ما يقرب من ثلاثة من كل أربعة رجال يفعلون ذلك.

ومن الممكن أن يساعد إغلاق هذه الفجوة على مضاعفة النمو الاقتصادي العالمي في العقد المقبل. والدليل واضح، فالاقتصادات التي تتمتع بدرجات أعلى في تقرير المرأة وأنشطة الأعمال والقانون تميل إلى تسجيل معدلات مشاركة أكبر للنساء في قوة الأعمال وريادتها، إضافة إلى انخراط نسائي أكثر نشاطاً في المؤسسات السياسية. باختصار، المساواة بين الجنسين هي حق أساسي من حقوق الإنسان ومحرك قوي للتنمية الاقتصادية.

ومرة أخرى، لا يكفي مجرد السعي لتحقيق المساواة في القوانين المكتوبة، فما نحتاج إليه هو مجموعات شاملة من السياسات والتدابير الفاعلة، فضلاً عن تحويل الأعراف الثقافية والاجتماعية في العديد من البلدان لتمكين النساء من أن يصبحن عاملات ورائدات أعمال وقائدات ناجحات. وهذا يعني آليات تنفيذ أقوى لمعالجة العنف في مكان العمل، وتوفير إجراءات عملية لخدمات رعاية الأطفال، وتسهيل الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية للنساء العاملات.

وتمكن مثل هذه السياسات النساء من الاستمرار في العمل دون التعرض لانتكاسات مهنية، وتساعد على سد فجوة الأجور بين الجنسين، كما تعيد تشكيل أدوار الجنسين والمواقف المتعلقة بمكان العمل والواجبات المنزلية. لأنه مع تولي المزيد من النساء المزيد من المناصب القيادية، فإنهن يلهمن أجيالاً جديدة من الفتيات لتحقيق إمكاناتهن الكاملة.

صحيح أن النتائج الإيجابية تستغرق وقتاً لتحقيقها، لكنها تحدث. وكما لاحظت كلوديا غولدين، الحائزة على جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2023، فإن ارتفاع عدد النساء الأمريكيات ممن يشغلن وظائف رفيعة المستوى في ستينات القرن الماضي لم يحدث من قبيل الصدفة، فقد كان ذلك نتاج تراكم بطيء ولكن ثابت للحقوق القانونية.

وأشارت غولدين إلى أنه حتى لو لم تغير القوانين دخل المرأة، فإنها جعلت حياتها أفضل ووسعت خياراتها، وأصبحت أماكن العمل أكثر أماناً بالنسبة لها.

* كبير الخبراء الاقتصاديين بمجموعة البنك الدولي والنائب الأول لرئيس البنك لاقتصاديات التنمية «بزنس آند فاينانشال تايمز»