جابر محمد الشعيبي*
يدخل الاقتصاد العالمي مرحلة نقدية مختلفة بعد عامين من التشديد غير المسبوق لمواجهة التضخم. ومع بدء البنوك المركزية الكبرى في التحول نحو خفض تدريجي لأسعار الفائدة خلال 2025 واستمرار هذا المسار في 2026، تتشكل دورة مالية جديدة تعيد رسم اتجاهات السيولة العالمية وحركة رؤوس الأموال. هذه التحولات لا تمر مرور الكرام على اقتصادات الخليج، المرتبطة عملاتها بالدولار الأمريكي، ما يجعل انتقال السياسة النقدية الأمريكية إليها شبه تلقائي.
خفض الفائدة يعني ببساطة انخفاض كلفة التمويل. الحكومات تقترض بأسعار أقل، والشركات تجد فرصاً أوسع للتوسع، والأفراد يستفيدون من تحسن شروط الائتمان. لكن التأثير الأعمق يكمن في إعادة تسعير الأصول عالمياً، وفي تحسن شهية المستثمرين نحو الأسواق التي تتمتع باستقرار مالي ومؤسسي. وهنا تبرز دول الخليج كلاعب في موقع متقدم.
وفق تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» الصادر عن صندوق النقد الدولي في يناير (كانون الثاني)2026، يُتوقع أن يبلغ النمو العالمي نحو 3.3% خلال العام، مع تراجع تدريجي في معدلات التضخم مقارنة بذروتها في 2022–2023. هذا التحسن النسبي في البيئة الكلية يفتح الباب أمام دورة استثمارية جديدة، خاصة في الأسواق التي تجمع بين الانضباط المالي والقدرة على جذب رؤوس الأموال.
بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، تشير تقديرات مؤسسات مالية دولية إلى أن النمو قد يدور حول 4% إلى 4.5% في 2026، مدفوعاً بقوة القطاعات غير النفطية وتسارع تنفيذ مشاريع التحول الاقتصادي. هذه الأرقام تعكس تحولاً مهماً في بنية النمو، فالمحرك لم يعد النفط وحده، بل الإنفاق الرأسمالي، والخدمات اللوجستية، والصناعة المتقدمة، والسياحة، والاقتصاد الرقمي.
انخفاض الفائدة يمنح الحكومات الخليجية فرصة لتعميق أسواق الدين المحلية. خلال السنوات الماضية، طورت المنطقة سوقاً نشطة للسندات والصكوك، ومع تراجع كلفة الاقتراض يمكن إعادة تمويل بعض الالتزامات بشروط أفضل، أو إصدار أدوات دين لتمويل مشاريع استراتيجية طويلة الأجل. غير أن الأهم ليس حجم الاقتراض، بل توجيهه نحو استثمارات إنتاجية ترفع الطاقة الاستيعابية للاقتصاد.
كذلك، فإن الصناديق السيادية الخليجية، التي تدير أصولاً تُقدَّر بتريليونات الدولارات، تدخل هذه الدورة النقدية وهي أكثر تنوعاً وانتشاراً عالمياً من أي وقت مضى. ومع انخفاض العوائد في الاقتصادات المتقدمة، يعاد تسعير الأصول، ما يخلق فرصاً استثمارية في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، والطاقة النظيفة، والبنية التحتية الرقمية. القدرة على اقتناص هذه الفرص تتطلب رؤية طويلة المدى، لا مجرد ملاحقة العوائد قصيرة الأجل.
لكن الوجه الآخر لدورة الفائدة الجديدة يتمثل في مخاطر تضخم أسعار الأصول. تقارير الاستقرار المالي الدولية حذرت خلال 2025 من أن التيسير النقدي السريع قد يدفع بعض الأسواق إلى تقييمات مرتفعة لا تعكس أساسياتها الاقتصادية. في السياق الخليجي، يعني ذلك ضرورة تجنب موجات توسع عقاري أو ائتماني غير مدروسة، خاصة في ظل التجارب السابقة التي أظهرت أن وفرة السيولة قد تتحول إلى عبء إذا لم تُدر بحكمة.
إضافة إلى ذلك، تبقى البيئة الجيوسياسية عاملاً مؤثراً. أي صدمات في أسواق الطاقة أو اضطرابات في التجارة العالمية قد تعيد الضغوط التضخمية وتدفع البنوك المركزية إلى تعديل مسارها. لذلك فإن الافتراض بأن الفائدة المنخفضة ستستمر لسنوات من دون انقطاع قد يكون رهاناً محفوفاً بالمخاطر.
اللحظة الراهنة تفرض انتقالاً من «اقتصاد السيولة» إلى «اقتصاد الانتقائية». أي أن التركيز ينبغي أن يكون على جودة المشاريع، وعلى رفع الإنتاجية، وتعزيز الابتكار، وجذب الاستثمارات النوعية التي تخلق قيمة مضافة وفرص عمل مستدامة. كما أن تطوير أدوات تمويل مستدامة، مثل السندات الخضراء والصكوك المرتبطة بالاستدامة، يمكن أن يحول دورة الفائدة الجديدة إلى رافعة للتحول البيئي والاقتصاد منخفض الكربون.
الخليج اليوم أكثر استعداداً مما كان عليه في دورات نقدية سابقة. الاحتياطيات المالية قوية، والأطر التنظيمية أكثر نضجاً، وخطط التنويع واضحة المعالم. غير أن الاختبار الحقيقي لا يكمن في توفر السيولة، بل في القدرة على إدارتها ضمن رؤية استراتيجية تحافظ على الانضباط المالي وتدعم النمو غير النفطي.
في نهاية المطاف، تمثل دورة الفائدة الجديدة فرصة وليست ضمانة. من يحسن استثمارها سيعزز موقعه في الاقتصاد العالمي القادم، ومن يكتفي بالاستفادة المؤقتة من وفرة المال قد يواجه تحديات أصعب عندما تتغير الدورة من جديد. الخليج أمام لحظة تموضع استراتيجية، والقرار اليوم سيحدد شكل موقعه في النظام الاقتصادي العالمي خلال العقد المقبل.
* كاتب وباحث إماراتي
[email protected]
في معظم الجهات الحكومية العربية يتكرر المشهد ذاته، قاعات اجتماعات مزدحمة، عروض تقديمية مليئة بالمؤشرات، خطط طموحة تمتد لسنوات، وقوائم طويلة من المشاريع التي لا تنتهي.
الجميع يعملون والجميع منشغلون، والتقارير تصدر بانتظام. ومع ذلك يبقى السؤال حاضراً بهدوء: لماذا لا تنعكس كل هذه الحركة دائماً في نتائج ملموسة يشعر بها المواطن أو المستثمر؟ وكيف يمكن لكل هذا الجهد أن يبدو أحياناً أقل تأثيراً مما توحي به الأرقام والعروض التقديمية؟
المفارقة أن المشكلة لم تعد في نقص الرؤية أو غياب الاستراتيجيات. فالمنطقة اليوم من أكثر مناطق العالم إنتاجاً للخطط الوطنية وبرامج التحول. لدينا رؤى اقتصادية واضحة وأهداف للتنويع والاستدامة وميزانيات سخية ومؤشرات أداء دقيقة. لكن الفجوة بين جمال الوثيقة الاستراتيجية وواقع التنفيذ ما زالت قائمة. هذه الفجوة لا تتعلق بما نريد تحقيقه، بل بكيفية اختيار ما ننفذه فعلاً، وبقدرتنا على التمييز بين الضروري والثانوي.
خلال العقد الماضي لجأت حكومات كثيرة إلى إنشاء مكاتب لإدارة المشاريع على أمل ضبط التنفيذ وتسريع الإنجاز. غير أن هذه المكاتب، في كثير من الحالات، تحولت تدريجياً إلى وحدات إدارية تنشغل بالتفاصيل الشكلية أكثر من انشغالها بالأثر الحقيقي. أصبحت تتابع تحديث النماذج، وتراجع الجداول الزمنية، وتجمع التقارير الشهرية، وتقيس الالتزام بالإجراءات. وبمرور الوقت صار النجاح يُقاس بعدد المشاريع المغلقة أو نسبة الالتزام بالموعد، لا بمدى تحسن حياة الناس نتيجة تلك المشاريع، ولا بحجم القيمة التي أضافتها للاقتصاد.
وهنا يكمن الخلل الجوهري. فالحكومة ليست شركة مقاولات مهمتها تنفيذ أكبر عدد ممكن من المشاريع، بل جهة مسؤولة عن إحداث أكبر أثر ممكن بأفضل استخدام للموارد. قد تنفذ جهة ما عشرات المبادرات من دون أن يشعر بها أحد، بينما قد يغير مشروع واحد مصمم بعناية مسار قطاع كامل، لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس كم مشروعاً أنجزنا، بل هل أنجزنا المشاريع الصحيحة أصلاً؟ وهل كان يمكن استثمار الوقت والمال بطريقة أكثر ذكاءً.؟
من هذا المنظور يظهر الفرق بين مكتب إدارة مشاريع إداري وآخر استراتيجي. الأول يركز على الامتثال والإجراءات والتوثيق، ويتعامل مع المشروع كملف يجب إغلاقه في موعده. أما الثاني فيتعامل مع المشروع كاستثمار عام يجب أن يبرر كلفته ويحقق قيمة واضحة. الأول يسأل إن كانت التقارير مكتملة، بينما الثاني يسأل إن كانت النتائج تستحق الاستمرار. الأول يراقب التنفيذ، أما الثاني فيقود الاتجاه ويؤثر في القرار.
عندما يتحول مكتب إدارة المشاريع إلى دور استراتيجي تتغير طبيعة القرارات. يصبح التركيز على مواءمة كل مبادرة مع الأولويات الوطنية، وعلى قياس العائد الاقتصادي والاجتماعي لكل درهم يُنفق، وعلى امتلاك الجرأة لإيقاف المشاريع منخفضة الأثر حتى لو كانت قد بدأت بالفعل. في هذا النموذج لا تكون المتابعة هدفاً بحد ذاتها، بل وسيلة لإعادة ترتيب الموارد باستمرار نحو ما يصنع الفرق الأكبر ويعظّم القيمة العامة.
وتزداد أهمية هذا التحول في بيئة معقدة كالتي نعيشها اليوم، حيث تتداخل الملفات الرقمية والاقتصادية والبيئية والاجتماعية. مشروع تقني قد يؤثر في تجربة المستثمر، وتجربة المستثمر تؤثر في تدفق رأس المال، ورأس المال يؤثر في الوظائف والنمو. أي قرار خطأ في اختيار الأولويات قد يكلف سنوات من الموارد المهدرة ويؤخر تحقيق الأهداف الوطنية. لم يعد ممكناً تنفيذ كل فكرة جيدة، المطلوب هو التركيز الصارم على الأفكار الأهم فقط.
في دول الخليج تحديداً، ومع تسارع خطط التنويع الاقتصادي والمنافسة على جذب المواهب والاستثمارات، لم يعد حجم الإنفاق هو معيار النجاح. الكفاءة في الاختيار والسرعة في التصحيح أصبحتا العامل الحاسم. الحكومات التي ستنجح ليست تلك التي تنفذ أكثر، بل تلك التي تختار أفضل وتوقف ما لا يضيف قيمة، وتعيد توجيه جهودها بمرونة وفق المعطيات المتغيرة.
في النهاية، التنمية لا تُقاس بعدد المبادرات في التقارير السنوية، بل بما يلمسه الناس في حياتهم اليومية. حين تتحسن الخدمات وتُختصر الإجراءات وتتوسع الفرص، ويشعر المجتمع بأن الحكومة تعمل بذكاء لا بكثرة فقط، عندها يمكن القول إن الاستراتيجية نجحت. وهذا النجاح يحتاج إلى PMO استراتيجي يربط بين الرؤية والنتائج، لا إلى PMO إداري يكتفي بمتابعة الأوراق. فالخطط مهمة، والتنفيذ مهم، لكن التنفيذ الصحيح للأولويات الصحيحة هو ما يصنع التحول الحقيقي ويمنح الحكومات القدرة على تحقيق أثر مستدام.
[email protected]
كاتب وباحث إماراتي
جابر محمد الشعيبي*
ليست الشخصية الإماراتية نتاج لحظة عابرة أو تحوّل سريع فرضته الطفرة الاقتصادية، بل خلاصة مسار طويل تشكّل في بيئة قاسية، ثم أعاد بناء نفسه داخل مشروع دولة حديثة، من دون أن يفقد توازنه أو جذوره. وما يلفت الانتباه اليوم أن هذه الشخصية، بهدوئها واتزانها، تبدو أكثر قدرة على التعامل مع عالم مضطرب يزداد فيه الضجيج وتقل فيه الحكمة.
في الصحراء، حيث شحُّ المواردِ وقسوة الطبيعة، تشكّلت أول ملامح الشخصية الإماراتية. هناك تعلّم الإنسان قيمة الصبر، وأهمية الاعتماد على النفس، واحترام الكلمة، والوفاء بالعهد. لم تكن الصحراء مكاناً للترف أو المبالغة، بل مدرسة للواقعية والاختصار، حيث يُقاس الإنسان بفعله لا بخطابه، وبقدرته على التكيّف لا برفع الشعارات.
هذه القيم لم تكن أخلاقاً مجردة، بل أدوات للبقاء، وهو ما منح الشخصية الإماراتية نزعة عملية، بعيدة عن الاستعراض، وقريبة من الفعل الهادئ.
إلى جانب الصحراء، جاء البحر ليُكمِلَ الصورة: التجارة، والغوص، والانفتاح على الآخر، جعلت الإماراتي مبكراً على تماس مع ثقافات مختلفة، يتعامل معها بثقة لا بخوف، وبحساب لا باندفاع.
من هنا، لم تنشأ الشخصية الإماراتية منغلقة أو انعزالية، بل منفتحة بحذر، تعرف متى تأخذ ومتى ترفض، ومتى تتعلّم ومتى تحافظ على خصوصيتها. هذا التوازن بين الأصالة والانفتاح ظل سمة ثابتة، حتى مع قيام الدولة الحديثة.
مع تأسيس دولة الإمارات، لم تُقصَ هذه القيم، بل جرى استيعابها داخل مشروع تنموي واعٍ. فبناء الدولة لم يكن قطيعة مع المجتمع، بل امتدادٌ لعقله الجمعي. انعكست صفات القيادة على المجتمع: الواقعية، تفضيل الحلول على الصدام، والتركيز على الاستقرار طويل المدى بدل المكاسب الآنية. لم تُبنَ الدولة على خطاب أيديولوجي صاخب، بل على رؤية هادئة ترى في التنمية والإنسان أساس السيادة الحقيقية.
وفي قلب هذا التحوّل، تتجلّى رؤية المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، لما أراده من الشخصية الإماراتية. لم يكن يريد إنساناً صاخباً أو متعالياً، بل شخصية واثقة وهادئة، تعرف قدر نفسها دون استعراض، وتوازن بين الاعتزاز بالهوية والانفتاح على العالم. أراد إنساناً يحترم الكلمة، ويقدّر العمل، ويرى في الاستقرار مسؤولية مشتركة. لذلك جاء مشروع بناء الدولة امتداداً للقيم لا قطيعة معها، فترسّخت شخصية عملية، متصالحة مع جذورها، وقادرة على التكيّف مع الحداثة دون أن تفقد بوصلتها الأخلاقية.
ومن القيم الراسخة في هذا النموذج، عدم الانجرار إلى كراهية الشعوب مهما تعقّدت الخلافات السياسية أو احتدمت الصراعات، وكذلك عدم الردّ على المجتمعات أو الأصوات التي تبني مواقفها على الكراهية أو التشويه تجاه الإمارات. فالشخصية الإماراتية تميّز بوضوح بين الخلاف مع السياسات، واحترام الإنسان كإنسان، وترفض الدخول في سجالات تُغذّي الانقسام. هذا السلوك ليس تعالياً ولا تجاهلاً، بل وعيٌ أخلاقي وخيارٌ استراتيجي حافظ على توازن الخطاب، ومنح الدولة قدرة أكبر على بناء الجسور وترسيخ صورتها كفاعل هادئ في عالم يميل سريعاً إلى الاستقطاب والانفعال.
وفي زمن العولمة، واجهت الشخصية الإماراتية اختباراً إضافياً: كيف تنفتح على العالم من دون أن تذوب فيه؟ هنا برز ذكاءُ هذا النموذج، إذ لم يُترجم الانفتاح الاقتصادي والثقافي إلى فقدان للهوية، بل إلى إعادة تعريفها بثقة، قائمة على السلوك والقيم لا على الشكل والمظهر. الاحترام، الالتزام، والعمل بصمت، أصبحت سماتٍ تعكس جوهرَ الشخصية الإماراتية في الفضاء العالمي.
ويظهر هذا الامتداد اليوم بوضوح في أجيال شابة تجمع بين الطموح والانضباط، وبين الانفتاح والمسؤولية. فالتعليم، وتمكين الشباب، والعمل المؤسسي، لم تُنتج قطيعة مع الهوية، بل أعادت صياغتها بلغة العصر. باتت الشخصية الإماراتية أكثر قدرة على التعامل مع التكنولوجيا، والأسواق العالمية، وتحديات المستقبل، دون أن تفقد حسّها الجمعي أو التزامها بقيم التعايش والاستقرار.
بهذا المعنى، لم تعد الشخصية الإماراتية مجرد توصيف ثقافي، بل أصبحت رأس مال وطنياً يحمي الاستقرار ويمنح صانع القرار هامش حركة أوسع، ويخلق بيئة قادرة على امتصاص الصدمات دون انهيار. وفي عالم باتت فيه الانفعالات أعلى من الحكمة، يقدّم النموذج الإماراتي درساً هادئاً مفاده بأن القوة لا تُقاس بعلوّ الصوت، بل بالقدرة على الاستمرار، وأن الهوية الأكثر صلابة هي تلك التي تعرف كيف تتغيّر من دون أن تفقد نفسها.
* كاتب وباحث
[email protected]
جابر محمد الشعيبي*
لم تعد التنمية الاقتصادية مسألة أرقام سريعة بقدر ما أصبحت مسألة خيارات طويلة الأمد تتعلق بنوعية النمو، لا سرعته فقط. وفي هذا السياق، تقدّم إمارة الشارقة نموذجاً تنموياً مختلفاً يقوم على اعتبار الثقافة سياسة اقتصادية واعية، لانشاطاً رمزياً أو ترفاً مؤسسياً. فهنا، يُدار الاقتصاد بوصفه مشروعاً حضارياً طويل النفس، يُراكم الإنسان والمعرفة قبل أن يُراكم المؤشرات.
أول الدروس الذي تقدّمه الشارقة أن الثقافة أصل اقتصادي غير ملموس، لكنه بالغ الأثر. فالاستثمار في الكتاب، والتعليم، والمتاحف، والبنية الثقافية لا يستهدف عائداً مالياً مباشراً، بل يهدف إلى بناء رأس مال بشري واجتماعي قادر على الإنتاج والابتكار والتكيّف مع التحولات.
هذا النوع من الاستثمار يرفع إنتاجية المجتمع على المدى الطويل، ويخفض كلفة المشكلات الاجتماعية، ويخلق بيئة أكثر استقراراً للأعمال والاستثمار. وتجارب دولية عديدة تُظهر أن الاقتصادات ذات العمق الثقافي والمعرفي تكون أقل هشاشة في الأزمات وأكثر قدرة على التعافي من دون صدمات اجتماعية حادة.
الدرس الثاني يتمثل في أن الهوية الثقافية يمكن أن تكون ميزة تنافسية اقتصادية حقيقية. ففي زمن تتشابه فيه المدن وتتنافس على الصورة قبل الجوهر، حافظت الشارقة على شخصية واضحة لا تُحاكي الآخرين بقدر ما تُقدّم مساراً متوازناً يجمع بين النمو والإنسان، وبين السوق والقيم. هذا الوضوح منح الإمارة نموذجاً اقتصادياً هادئاً لا يعتمد على الضجيج الإعلامي، بل على العمق والاستمرارية، وهو ما يعزّز الثقة ويجذب الاستثمار النوعي طويل الأجل.
أما الدرس الثالث، فيكمن في أن الثقافة تُحسّن جودة الحوكمة الاقتصادية. فالمجتمع الذي يقرأ ويتعلم وينخرط في الفعل الثقافي يكون أكثر وعياً بالسياسات العامة، وأكثر التزاماً بالقانون، وأقل عرضة للهشاشة الاجتماعية. وينعكس ذلك مباشرة على كفاءة الإنفاق العام، واستقرار سوق العمل، وفاعلية التشريعات. ومن هذا المنطلق، لم تكن الاستثمارات الثقافية عبئاً على الميزانية العامة، بل أداة وقائية تقلل كلفة المخاطر الاقتصادية والاجتماعية على المدى المتوسط والطويل.
وتُظهر تجربة الشارقة كذلك أن الاقتصاد الثقافي ليس اقتصاداً نخبوياً. فعندما تُدمج الثقافة في التعليم، والتخطيط الحضري، والسياسات الاجتماعية، تصبح جزءاً من الحياة اليومية للمجتمع لا نشاطاً موسمياً. هذا الدمج حوّل الثقافة إلى بنية تحتية ناعمة تدعم الاقتصاد الحقيقي، وتعزّز جودة الحياة، وتُرسّخ الاستقرار الأسري والمجتمعي، بما يجعل الإنسان محور التنمية لا هامشها.
ومن زاوية سوق العمل، تتجسّد هذه الفلسفة في قرارات عملية تعكس فهماً عميقاً للعلاقة بين الإنسان والاقتصاد. فقد وجّه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي بتوفير ألف وظيفة خلال عام 2026، في خطوة تتجاوز بُعدها التوظيفي المباشر إلى دلالة اقتصادية أوسع. فالعمل الكريم ليس إجراءً اجتماعياً فحسب، بل أداة لتعزيز الطلب المحلي، ورفع المشاركة الاقتصادية، وترسيخ الثقة بالمستقبل. وبهذا المعنى، يتحول القرار الاجتماعي الواعي إلى رافعة اقتصادية تدعم النمو المستدام من قاعدته الأوسع: المجتمع.
ويكتسب هذا النموذج أهمية إضافية في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة، حيث لم تعد المنافسة الاقتصادية محصورة في رأس المال أو البنية التحتية المادية، بل في جودة العقل البشري وقدرته على التفكير النقدي والإبداعي. فالثقافة، بما تحمله من تعليم ومعرفة وقيم، تُعد خط الدفاع الأول أمام آثار التحول الرقمي غير المتوازن، وتشكّل أساساً لاقتصاد قادر على استيعاب الاقتصاد المعرفي من دون أن يفقد بعده الإنساني.
ويدعم هذا التوجّه ما تشير إليه تقارير دولية حديثة، إذ تؤكد منظمة «اليونسكو» أن الاستثمار في الثقافة والتعليم والمعرفة أصبح عنصراً أساسياً في بناء اقتصادات أكثر شمولاً وقدرة على الصمود. كما يذهب البنك الدولي إلى أن جودة رأس المال البشري وقوة المؤسسات الاجتماعية تفسّر الفجوة بين الدول التي تنمو بسرعة وتلك التي تنجح في تحقيق نمو مستدام.
وفي عالم يتّسم بتزايد اللايقين واشتداد المنافسة على رأس المال، تقدّم الشارقة درساً جوهرياً مفاده أن ليست كل سياسة اقتصادية تُقاس بمعدلات النمو وحدها، ولا كل تنمية تُختصر في حجم المشاريع. فأحياناً، تكون أعقل القرارات الاقتصادية هي تلك التي تُبنى ببطء، وتستثمر في الإنسان قبل الأرقام، وتراهن على الاستقرار قبل السرعة. فالثقافة، حين تُدار برؤية استراتيجية، تتحول من قطاع «ناعم» إلى رافعة اقتصادية صامتة تبني مجتمعاً متماسكاً واقتصاداً أكثر قدرة على الصمود، وهو رهان الدول التي تنظر إلى المستقبل بوصفه مشروع أجيال.
* كاتب وباحث
[email protected]
جابر محمد الشعيبي*
عند دخول دولة الإمارات العربية المتحدة عام 2026، الذي خُصص ليكون عام الأسرة الإماراتية، لا يُنظر إلى هذا الإعلان بوصفه مناسبة اجتماعية رمزية، بل باعتباره محطة وطنية تعكس فهماً عميقاً لطبيعة التحولات التي يمر بها المجتمع والاقتصاد معاً. ففي عالم تتسارع فيه الضغوط الاقتصادية والتكنولوجية، وتتزايد فيه التحديات المرتبطة بالهوية والتماسك الاجتماعي، تبرز الأسرة بوصفها البنية التحتية غير المرئية للاستقرار، والرافعة الأساسية للتنمية المستدامة، والضامن الحقيقي لمستقبل الأوطان.
منذ اللحظات الأولى لتأسيس الاتحاد، ارتبط مشروع الدولة بفكرة الإنسان والأسرة باعتبارهما جوهر البناء الوطني، وهو ما أكده مراراً صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، الذي جعل من الاستثمار في الإنسان محوراً لكل السياسات الوطنية. وقد شدد في أكثر من مناسبة على أن قوة الإمارات لا تُقاس فقط بحجم اقتصادها أو سرعة نموها، بل بقدرة مجتمعها على الحفاظ على تماسكه وقيمه في زمن التحولات المتسارعة. ويأتي تخصيص عام 2026 للأسرة امتداداً عملياً لهذه الرؤية، وترجمة واضحة لفلسفة ترى في الاستقرار الاجتماعي أساساً لكل إنجاز اقتصادي.
وقد عبّر رئيس الدولة عن هذا التوجه بقوله: «الأسرة المتماسكة هي الأساس لمجتمع قوي، واستقرارها هو الضمان الحقيقي لمستقبل الأوطان». هذه المقولة لا تختزل رؤية اجتماعية فحسب، بل تؤسس لمنظور تنموي متكامل يرى في الأسرة ركيزة للإنتاجية، والاستقرار، وبناء رأس مال بشري قادر على مواكبة اقتصاد المستقبل.
المــؤشــــرات الـــدولــــــية تدعم هذا الربط بين الأسرة والتنميــة. فبحــسب تقــرير السعادة العالمـــي الـــصادر عن الأمم المتحدة، تواصل دولة الإمارات تصدرها عربياً وتقدمها عالمياً في مؤشرات جودة الحياة، ويُرجع التقرير جزءاً مهماً من هذا الأداء إلى قوة الروابط الأسرية، وشبكات الدعم الاجتماعي، ومســـتــــويـــــــــــات الأمـــــــــان والاستقرار، وهي عوامل ترتبط مباشرة بسلامة الأسرة ودورها في المجتمع. ويعكس هذا المؤشر أن الاستثمار في الأسرة ليــــس خياراً اجتــــماعياً فقــــــط، بل سياســــة اقتـــصادية ذكية طويلة الأمد.
ويمتاز عام الأسرة 2026 بأنه ينسجم مع خصوصية كل إمارة داخل الاتحاد، ضمن رؤية وطنية جامعة. ففي أبوظبي، يتجسد دعم الأسرة عبر سياسات اجتماعية متكاملة تربط بين الإسكان وجودة الحياة والتوازن بين العمل والحياة، بما يعزز الاستقرار الأسري في بيئة اقتصادية متقدمة. وفي دبي، يظهر نموذج الأسرة المنفتحة على العالم، المستفيدة من اقتصاد الفرص والعمل المرن وتمكين المرأة، ضمن بيئة عالمية تحافظ في الوقت ذاته على القيم المجتمعية الإماراتية.
أما الشارقة، فتقدم نموذجاً فريداً في الربط بين الأسرة والثقافة والتعليم، حيث تُعامل الثقافة كأداة لبناء الوعي الأسري وتعزيز الهوية في مواجهة التحولات. وفي عجمان، وأم القيوين، ورأس الخيمة، والفجيرة، يبرز نموذج الأسرة المتجذرة في المجتمع المحلي، حيث تلعب الروابط الاجتماعية والتكافل المجتمعي دوراً محورياً في الاستقرار الأسري، بالتوازي مع فرص التنمية السياحية والصناعية المتنامية.
اقتصادياً، لا ينفصل عام الأسرة 2026 عن رؤية الدولة للتنمية المستدامة. فالأسرة المستقرة تسهم في رفع الإنتاجية، وتقليل كلفة التفكك الاجتماعي، وتعزيز مشاركة المرأة في سوق العمل، ودعم تنشئة أجيال قادرة على المنافسة في اقتصاد المعرفة. وتشير دراسات التنمية إلى أن المجتمعات ذات التماسك الأسري العالي تكون أكثر قدرة على امتصاص الصدمات الاقتصادية، وأسرع تعافياً في أوقات الأزمات.
ومع هذا الزخم، يصبح عام الأسرة فرصة لتحويل القيم إلى سياسات والمبادئ إلى مبادرات مستدامة. فتعزيز التوازن بين العمل والحياة، وتوسيع برامج الإرشاد الأسري، وتطوير مبادرات الصحة النفسية، ودعم الإسكان الميسر، وتمكين الشباب المقبلين على الزواج، كلها مسارات يمكن أن تشكل إرثاً وطنياً يتجاوز الإطار الزمني للعام نفسه. كما أن تعميق الشراكة بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع سيضمن استدامة الأثر واتساعه.
في المحصلة، لا يمثل عام الأسرة الإماراتية 2026 احتفالاً اجتماعياً عابراً، بل إعلان استراتيجي بأن الإنسان والأسرة سيظلان في قلب المشروع الوطني. وهو تأكيد على أن دولة الإمارات، وهي تدخل مراحل أكثر تقدماً من النمو الاقتصادي والتكنولوجي، تدرك أن مستقبلها الحقيقي يبدأ من بيت متماسك، وأسرة واثقة، ومجتمع يرى في الاستقرار الأسري أساساً لكل تنمية مستدامة.
* كاتب وباحث إماراتي
[email protected]
في لحظة مفصلية من مسار الاقتصاد العالمي، تتداخل فيها التحولات الاقتصادية مع الطفرات التقنية، لم تعد الثروات الطبيعية أو البنية التحتية وحدها كافية لضمان الاستدامة والنمو طويل الأجل. فقد أثبتت التجارب الدولية، أن العنصر الحاسم في بناء الاقتصادات القادرة على التكيف والمنافسة هو الإنسان، بما يمتلكه من مهارات ومعرفة وقدرة على الابتكار. ومن هذا المنطلق، يبرز الاستثمار في رأس المال البشري بوصفه إحدى أهم ركائز التحول الاقتصادي في دولة الإمارات، ليس كخيار تكميلي، بل كرهان استراتيجي على المستقبل.
خلال العقود الماضية، نجحت دولة الإمارات في بناء نموذج تنموي متوازن، جمع بين الانفتاح الاقتصادي، والاستقرار المؤسسي، وتطوير بنية تحتية متقدمة، وتنويع مصادر الدخل. إلا أن المرحلة الراهنة، التي تتسم بتسارع التحول الرقمي، وصعود الذكاء الاصطناعي، وتغير طبيعة الوظائف، تفرض انتقالاً أعمق نحو اقتصاد قائم على المعرفة والمهارات. وفي هذا السياق، يصبح رأس المال البشري العامل الأكثر تأثيراً في تحديد قدرة الاقتصاد الوطني على الحفاظ على زخمه ومكانته التنافسية.
وتؤكد المؤشرات الدولية هذه الحقيقة بوضوح. فوفق أحدث إصدار متاح لمؤشر رأس المال البشري الصادر عن البنك الدولي عام 2020، فإن الدول التي تستثمر بفاعلية في التعليم وتنمية المهارات، يمكن أن ترفع إنتاجية الفرد المستقبلية بما يصل إلى 50% مقارنة بالدول التي تهمل الاستثمار في الإنسان، وهو ما يجعل رأس المال البشري أحد أهم محددات النمو الاقتصادي طويل الأجل. وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة في اقتصاد منفتح مثل الاقتصاد الإماراتي، يسعى إلى المنافسة في قطاعات عالية القيمة المضافة.
وقد انعكس هذا الإدراك في السياسات الوطنية التي أولت أولوية لتطوير منظومة التعليم، وربط مخرجاتها باحتياجات سوق العمل، إلى جانب التركيز على التدريب المستمر وإعادة تأهيل الكفاءات. ولم يعد الهدف يقتصر على إعداد كوادر تلبي متطلبات وظائف اليوم، بل بناء موارد بشرية قادرة على مواكبة وظائف الغد، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، والاقتصاد الرقمي، والطاقة النظيفة، والذكاء الاصطناعي.
كما أدركت الدولة أن الاستثمار في الإنسان لا يقتصر على التعليم النظامي، بل يشمل بناء بيئة متكاملة تشجع الابتكار وريادة الأعمال وتستقطب المواهب العالمية. فالمنافسة في الاقتصاد العالمي الجديد تقوم على جودة العقول قبل أي اعتبارات أخرى، وهو ما يفسر التركيز على تطوير بيئة عمل جاذبة للكفاءات المتخصصة، بما يسهم في نقل المعرفة وتعزيز القدرات الوطنية في آن واحد.
وفي ظل التغير السريع في طبيعة الوظائف، تصبح عملية تحديث المهارات مسألة مستمرة لا ترتبط بمرحلة عمرية أو تعليمية محددة. فاقتصاد المستقبل يتطلب مزيجاً من المهارات التقنية المتقدمة، إلى جانب مهارات إنسانية لا تقل أهمية، مثل التفكير النقدي، والقيادة، والقدرة على التكيف. ومن هنا، تبرز أهمية ترسيخ ثقافة التعلم مدى الحياة، وربط برامج التدريب باحتياجات القطاعات الاقتصادية ذات الأولوية.
اقتصادياً، ينعكس الاستثمار في رأس المال البشري بشكل مباشر على الإنتاجية وجاذبية الاقتصاد الوطني للاستثمارات. فالشركات العالمية لا تبحث فقط عن أطر تنظيمية محفزة، بل عن أسواق تمتلك كفاءات قادرة على الابتكار والتنفيذ بكفاءة. كما يسهم رأس المال البشري المؤهل في رفع كفاءة المؤسسات، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز موقع الإمارات في سلاسل القيمة العالمية.
ومن زاوية أشمل، يرتبط الاستثمار في الإنسان بالاستقرار الاجتماعي والتنمية المستدامة. فتمكين الأفراد بالمهارات والمعرفة يعزز فرص التوظيف، ويحد من الفجوات، ويدعم المشاركة الفاعلة في الاقتصاد، وهو ما يرسخ أسس النمو طويل الأجل. وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الاستمرار في السياسات التي توازن بين استقطاب الكفاءات العالمية وبناء القدرات الوطنية، وتعزز التكامل بين التعليم وسوق العمل وأولويات التنمية.
وفي المحصلة، تؤكد تجربة دولة الإمارات أن التحول الاقتصادي الحقيقي لا يُقاس فقط بحجم المشاريع أو المؤشرات المالية، بل بقدرة الدولة على بناء إنسان قادر على القيادة والإبداع والمنافسة. فالعقول الوطنية المؤهلة، والمهارات المتجددة، وثقافة التعلم المستمر، تشكل الركيزة الأهم لاستدامة النمو وتعزيز المكانة الاقتصادية للدولة.
ومن هنا، يبقى الاستثمار في رأس المال البشري الخيار الوطني الأكثر حكمة، والضمانة الأمتن لمستقبل اقتصادي مزدهر ومستدام للإمارات.