18 يناير 2026
ما بعد ذروة ترامب
جيسون فورمان*
هل تتذكرون عام 2025، حين بدا وكأن الرئيس دونالد ترامب يحكم الاقتصاد الأمريكي بقرارات فوقية لا تقبل النقاش؟ رسوم جمركية شاملة، تفكيك وكالات حكومية، خفض للضرائب، وتقليص للإنفاق. كان الاحتياطي الفيدرالي مستقلاً شكلياً، أما بقية مؤسسات الحكم فبدت وكأنها تصطف خلف الرئيس بلا تردد.
ذلك المشهد، الذي بدا حينها ثابتاً، قد يتحول قريباً إلى مجرد ذكرى بعيدة. ففي مطلع هذا العام، بدأت موازين القوة تميل في اتجاه آخر. المحكمة العليا تستعد لإصدار أحكام مفصلية تتعلق بشرعية الرسوم الجمركية الواسعة التي فرضتها إدارة ترامب، وبحدود سلطة الرئيس على مجلس الاحتياطي الفيدرالي. وفي الوقت نفسه، سيُعرض مرشح جديد لرئاسة البنك المركزي على مجلس الشيوخ، حيث سيخضع لتدقيق سياسي واقتصادي صارم. أما الكونغرس، فلم يعد مستعداً للإصغاء التلقائي لتوجيهات البيت الأبيض بشأن الضرائب والإنفاق، بل قد يمضي في صياغة أجندته الخاصة.
هذه التحولات تمس ركائز أساسية في أجندة ترامب الاقتصادية الداخلية، ومن شأنها أن تعيد تشكيل طريقة عمل الاقتصاد الأمريكي. المفارقة أن هذه التغييرات، على عكس ما حدث في 2025، ليست بيد الرئيس. في الحد الأدنى، قد تعرقل جهوده لفرض مزيد من سيطرته. وفي أقصى الاحتمالات، قد تبدأ بتفكيك بعض السياسات التي أرسيت بالفعل. في كلتا الحالتين، يبدو أننا نقترب من مرحلة «ما بعد ذروة ترامب».
أولى هذه الهزات قد تأتي من المحكمة العليا، التي نظرت في نوفمبر الماضي في حدود استخدام قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية، وهو الأساس القانوني لغالبية الرسوم الجمركية التي فُرضت العام الماضي، بما في ذلك ما سُمي بالرسوم «المتبادلة» بنسبة لا تقل عن 10% على معظم الشركاء التجاريين للولايات المتحدة. الحكم قد يصدر خلال أيام أو أسابيع. ومن غير المرجح أن يكون قاطعاً تماماً، الأرجح هو قرار رمادي يُثبت بعض الصلاحيات ويُقيد أخرى، ما يفتح الباب أمام موجة من عدم اليقين.
إذا استمرت بعض الرسوم، فقد تعجز الشركات عن امتصاص كلفتها كما فعلت حتى الآن، ما يعني تمرير ارتفاع الأسعار إلى المستهلكين. وقد يعيد الشركاء التجاريون النظر في اتفاقياتهم أو يلجؤون إلى إجراءات انتقامية. أما إذا أُبطلت بعض الرسوم، فستسعى الإدارة على الأرجح إلى إعادة فرضها عبر مسارات قانونية بديلة، ما يعني جولات جديدة من النزاعات القضائية. لكن المحكمة العليا لن تتوقف عند هذا الحد. فهي على وشك إصدار قرار قد يؤثر في السياسة النقدية بشكل لم تشهده البلاد منذ عقود. ففي أغسطس، ادعى الرئيس ترامب أنه أقال عضو مجلس الفيدرالي، ليزا كوك. لكن المحاكم الأدنى درجة علّقت القرار بانتظار مراجعة المحكمة العليا، التي ستستمع إلى المرافعات هذا الشهر. الحكم المرتقب قد يعزز استقلالية المركزي أو يقوضها جذرياً، عبر فتح الباب أمام عزل أي مسؤول نقدي لا يروق للرئيس.
جيروم باول، الرئيس الحالي للاحتياطي الفيدرالي الذي تنتهي ولايته في مايو المقبل، يُمثل مصدر إزعاج خاص لترامب. والمرشح الجديد سيخضع لجلسات استماع لا تختبر كفاءته فحسب، بل مدى استقلاله عن البيت الأبيض. ومع ذلك، فإن أي رئيس جديد سيواجه قيوداً حقيقية، بين الأسواق المالية وأعضاء لجنة السوق المفتوحة الذين باتوا أكثر استعداداً لمعارضة رأي الأغلبية. وإذا عززت المحكمة حماية أعضاء الفيدرالي من العزل، فقد نجد رئيساً أضعف نفوذاً مما شهدناه منذ عقود.
القضية الاقتصادية الأبرز في النقاش العام حالياً هي القدرة على تحمل التكاليف، ويتجلى ذلك بوضوح في انتهاء دعم التأمين الصحي الموسع مطلع هذا العام، ما يعني ارتفاع أقساط التأمين لنحو 22 مليون أمريكي. وقد يُمثل كيفية تعامل المُشرّعين مع هذا الملف مقياساً على ما إذا كانوا سيعيدون النظر في التخفيضات العميقة التي طالت برامج الرعاية الصحية والغذائية التي أُقرّت في قانون الضرائب والإنفاق لعام 2025.
كل ذلك يحدث في لحظة يتسم فيها الاقتصاد بقدر غير مسبوق من الضبابية: نمو قوي في بعض المؤشرات، تراجع التضخم، ووعود بأن يعزز الذكاء الاصطناعي الإنتاجية. في المقابل، لا تزال مخاطر الركود قائمة، والتضخم لم يُهزم بالكامل، وقد يتحول ازدهار الذكاء الاصطناعي إلى فقاعة.
أتمنى لو يحسم ترامب هذه القضايا، لكن بشرط واحد، أن يقترن الحسم بشيء كان مفقوداً تماماً، وهو الحكمة. غير ذلك، فإن ما سنحصل عليه على الأرجح هو نظام فوضوي نسبياً، تُوزّع فيه السلطة بين تسعة قضاة في المحكمة العليا، و12 ناخباً في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، و535 عضواً في الكونغرس، وملايين الشركات والأسر التي تتخذ قراراتها بنفسها.
قد يكون هذا الجمود، رغم فوضويته، أفضل من ترك مفاتيح الاقتصاد كله في يد رجل واحد. وربما يفسح ذلك المجال لإبراز أقوى ما في الاقتصاد الأمريكي، وهو عمال مجدّون، شركات متكيفة، ومستهلكون يواصلون الاستثمار في المستقبل.
*رئيس مجلس المستشارين الاقتصاديين الأسبق في البيت الأبيض«نيويورك تايمز»