صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
جيم أونيل
الرئيس السابق لشركة «جولدمان ساكس» لإدارة الأصول، ووزير الخزانة البريطاني السابق
أحدث مقالات جيم أونيل
17 أغسطس 2023
الذكاء الاصطناعي.. داءٌ أم دواء؟

لا يكاد يمر أسبوع إلا ونشهد تحذيرات مصدرها العديد من رواد الذكاء الاصطناعي تخص التكنولوجيا والتطبيقات الذكية والروبوتات التي أدخلوها إلى العالم، وقد خبرت نوعاً من هذا الإجماع التشاؤمي الناشئ قبل شهرين، عندما التقيت بعض خبراء هذا الذكاء، الذين قالوا إن الخطر يتهدد ملايين الوظائف المتطورة نسبياً وذات الأجور المرتفعة، فهل لهذه النظرة القاتمة ما يبررها حقاً؟

منذ بداية حياتي المهنية في الثمانينيات، والتقدم التكنولوجي يُنظر إليه باستمرار على أنه تهديد كبير للوظائف في الصناعات الرئيسية كتصنيع السيارات. مع ذلك، وحتى كارثة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، كانت المملكة المتحدة تنتج سيارات أكثر مما أنتجته في ذروة صناعة السيارات المفترضة، بسبب دور التقنيات الجديدة المتطورة في تعزيز الأعمال الأساسية للمنتجين الرائدين. وفي مدينة سندرلاند الساحلية بشمال إنجلترا على سبيل المثال، تدير نيسان حالياً أحد أكثر مصانع السيارات إنتاجية في العالم.

ورغم حصول عمال قطاع السيارات الألمان على أجور رمزية عالية نسبياً، تمكنت الشركات العاملة في البلاد من التكيف والازدهار لعقود من الزمن، والتنافس عالمياً والمساعدة في تلبية طلب الطبقة الوسطى العالمي المتزايد على السيارات عالية الجودة. نعم، تواجه شركات السيارات الألمانية أكبر تحدٍّ لها حتى الآن مع التحول العالمي إلى السيارات الكهربائية، والتباطؤ في الصين يعني ضعف النمو على المدى القصير، ولكن إذا كان الماضي دليلاً، فإن الصناعة قادرة على الصمود والنهوض بشكل أقوى في المستقبل.

صحيح أن الهجرة تقدّم حلاً جزئياً، إلا أنها قضية سياسية شائكة ومشحونة بشكل متزايد. وعليه، يمكن أن تكون تطبيقات الذكاء الاصطناعي الداعمة للإنتاجية هي الحل المطلوب

ويتجاهل متشائمو الذكاء الاصطناعي أيضاً حقيقة أن السكان يشيخون بسرعة في معظم أنحاء العالم المتقدم والعديد من الاقتصادات النامية والصاعدة الرئيسية. ومع تباطؤ نمو القوى العاملة، سيكون هناك المزيد والمزيد من الضغط على السكان الأصغر سناً في سن العمل لتمويل المعاشات التقاعدية والرعاية الصحية والالتزامات الاعتيادية الأخرى.

وإلى أن يصبح هذا العدد الصغير من السكان العاملين أكثر إنتاجية، فإن النمو الاقتصادي سيعاني بلا شك. واليابان وإيطاليا مثالان بارزان على هذا الاتجاه خلال العقود القليلة الماضية، لكنهما ليستا الوحيدتين. فمن بين دول أخرى، تتواجد الصين وكوريا الجنوبية ومعظم دول أوروبا في نفس المركب. هنا للحفاظ على سوية النمو والانتعاش خصوصاً بعد جائحة «كورونا».

في شق متصل، إذا ما ألقينا نظرة على الحاصل في أروقة قطاع الصحة الوطني البريطاني، والذي يلتهم المزيد من الموارد المالية للبلاد منذ سنين، نجد أن القطاع يوظف عدداً أكبر من الأشخاص من أي وقت مضى، ومع ذلك أصبح أقل إنتاجية بالتقادم. ونحن في المملكة المتحدة نتعرض لحوادث مأساوية لا نهاية لها بسبب إخفاقات الأنظمة الصحية المستمرة، وما يعنيه ذلك للمواطنين الذين يسعون للحصول على الرعاية.

وبعد التعمق في هذه المشكلة، وبصفتي عضواً في «لجنة صحة التايمز»، من الواضح أن قطاع الصحة الوطني في المملكة المتحدة بحاجة إلى رفد كبير من أنظمة التكنولوجيا الحديثة لمساعدته في إتمام المهام البسيطة والأكثر تعقيداً. وعلى سبيل المثال، يمكن أن يساعد تضمين التشخيصات عالية السرعة المعززة بالذكاء الاصطناعي عبر النظام في اكتشاف مخاطر المرض وتوفير علاج مبكر، ويفضل أن يكون ذلك من خلال الصيدليات أو الممارسين العامين. فمن شأن مثل هذه التدخلات أن تحسن الإنتاجية بشكل كبير وترفع من جودة الرعاية الصحية عموماً.

ولدينا بالفعل أدلة كثيرة ومهمة للغاية على ما يمكن أن يقدمه الذكاء الاصطناعي لأنظمة الصحة العامة على مستوى العالم. من بينها، قصة نشرتها «بي بي سي» في 25 مايو/أيار، عندما استخدمت مجموعة من العلماء في كندا والولايات المتحدة تقنيات الذكاء الاصطناعي لاكتشاف مضاد حيوي جديد أثبت فاعليته ضد أحد أنواع الجراثيم المقاومة للمضادات الميكروبية المدرجة على قائمة المراقبة الخاصة بمنظمة الصحة العالمية. وبعد أن ترأست المراجعة المستقلة للمملكة المتحدة حول مقاومة مضادات الميكروبات من 2014 إلى 2016، فإن هذا التطور يُعد مشجعاً بشكل لافت للغاية.

ومع ذلك، لا يزال يتعين على الدواء الخضوع للتجارب السريرية المعتادة، وهي عملية طويلة ومكلفة. ولكن إذا سارت الأمور على ما يرام، فستكون هي المرة الأولى منذ عقود التي نحصل فيها على مضاد حيوي فعال حقاً لاستخدامه ضد الجراثيم القاتلة. بالتالي لك أن تتخيل الآن ما يمكن أن يفعله الذكاء الاصطناعي في مجال الطب، من المساعدة على اكتشاف أو تطوير لقاحات للأمراض المزمنة التي لم يكن من الممكن الوقاية منها، مروراً بتبسيط عمليات التجارب السريرية على نطاق أوسع.

بالمقابل، فإن لخبراء الذكاء الاصطناعي والمشككين على حد سواء الحق بكل تأكيد في المطالبة بوجود ضوابط حماية ومعايير تنظيمية عالية، خشية أن تتسبّب هذه الموجة الأخيرة من الابتكار بإحداث فوضى اجتماعية وسياسية واقتصادية وطبية عارمة. فالعصر الحالي الذي نعيشه، في ظل منصات التواصل الاجتماعي على مدار الساعة، والنقرات التي تحمل أخباراً صحيحة ومزيفة، يجعل الكثير من التشاؤم مفهوماً. لكن مع ذلك، لن يكون مبرراً ومنطقياً تجاهل الفوائد المحتملة الواضحة والهائلة للذكاء الاصطناعي.

* بروجيكت سيندكيت

4 سبتمبر 2022
ثغرات في قصة الركود

جيم أونيل*

كثُر الحديث في الآونة الأخيرة عن قضايا الركود والتضخم وحتى الركود التضخمي، وفي غمار ذلك، حريّ بنا التساؤل، هل هناك فعلاً ما يبرر هذا التشاؤم السائد؟

على الرغم من أنني كنت ممن شارك في الكآبة الحاصلة عندما حذرت مبكراً من أنه قد يكون «عاماً سيئاً للأسواق»، فإنني بدأت أعيد النظر في آرائي السابقة، اعتماداً على أربعة أسباب أراها جوهرية.

أولاً: لقد أدهشني مدى انتشار رواية الركود الاقتصادي والتنبؤ بها. ويبدو أن الجميع تقريباً يعتقدون أن البلدان المتقدمة تتجه إلى الركود، أو هي بالفعل في حالة ركود. كنت قد أجريت عدة مقابلات مع مستشاري الأعمال الذين يرغبون جميعاً معرفة كيفية الاستعداد الجيد للركود. وكما أشرت إلى أحدهم، لا أعرف أي ركود سابق (كان متوقعاً من حيث حجم اليقين)، يشبه الركود الذي من المفترض أن نمرّ به الآن.

وخلاصة تجربتي أن السبب الرئيسي وراء كون «الركود» كلمة مرعبة، هو أن فترات الركود عادة ما تكون غير متوقعة، ولا يشعر بها المتنبئون الاقتصاديون إلا بعد وصولها بالفعل. وهذا ما حدث في عامي 2007 و2008 الفريدين إلى حد ما. وحدث مرة أخرى في عام 2020، مباشرة بعد ضرب فيروس كورونا العالم على حين غرّة ودون استئذان أو تنبؤات. حتى الآن، هناك بعض البنوك المركزية (وبالتحديد بنك إنجلترا)، تتوقع علانية حدوث ركود في وقت لاحق من هذا العام. فهل تحسنت التوقعات الاقتصادية فجأة أم إن هناك شيئاً آخر يحدث؟

صحيح أن ربعين متتاليين من النمو السلبي للناتج المحلي الإجمالي يُؤخذان عادة كإشارة إلى دخول الاقتصاد في نفق الركود، ويبدو أن الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة قد انتهج بالفعل هذه السلبية في الربعين الماضيين، لكن بالتأكيد يجب أن نأخذ في الاعتبار الأسباب المحددة للانكماش الظاهر. فبعضها، مثل الانخفاض الكبير في المخزونات، يعكس قصة الاقتصاد الأوسع الذي يتناقض مع بعض المؤشرات الأخرى. خذ على سبيل المثال، تقرير الوظائف الأخير لشهر يوليو الصادر عن مكتب إحصائيات العمل في الولايات المتحدة، الذي كان أقوى بشكل ملحوظ مما كان متوقعاً. وفي ضوء هذه البيانات، لن أتفاجأ إذا أعلن المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية أن البلاد ليست في حالة ركود.

السبب الثاني وراء شكي في السرد السائد، هو أن جميع المؤشرات على المدى المتوسط وطويل الأجل لا تشير إلى تضخمٍ أعلى ومستدام. قد يكون مؤشر توقعات التضخم لخمس سنوات من جامعة ميشيجان، المراقب عن كثب، قد ارتفع لفترة وجيزة فوق 3%، لكنه تراجع منذ ذلك الحين إلى 2.9%، مما يشير إلى أن المستهلكين العاديين يعتبرون الارتفاع الهائل في التضخم هذا العام أمراً عابراً. نعم. إذا كنت عضواً في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، فمن السابق لأوانه أن تكون واثقاً جداً بهذه النتيجة. ولكن إذا استمرت معنويات المستهلكين إيجابية خلال الأشهر المقبلة، فأعتقد أن بنك الاحتياطي الفيدرالي سيصبح أقل تشدداً.

ثالثاً: في حين أن أسعار العديد من السلع الأساسية لا تزال مرتفعة بشكل ملحوظ منذ عام تقريباً، إلا أنها شهدت تراجعاً أيضاً في الأسابيع الأخيرة. وإذا ظلّت مستقرة نسبياً، فإن التضخم الرئيسي في العديد من البلدان سيبدأ في الانخفاض، وربما بشكل كبير. ومن المثير للاهتمام كذلك، أنه بينما حظيت توقعات بنك إنجلترا للتضخم المرتفع والركود باهتمام كبير، يبدو أن القليل فقط لاحظ أن توجهات البنك المركزي هناك رأت أيضاً أن التضخم سينخفض في النهاية بشكل حاد عن أعلى مستوى متوقع له خلال معظم فترات عام 2023.

أما السبب الرابع والأخير لعدولي عن التشاؤم بخصوص توقعات الركود، فهو أنه في معظم ملاحظات أبحاث البنوك الاستثمارية في الوقت الحاضر، هناك افتراض أن البنوك المركزية ستكافح بقوة أي انتعاش في الأسواق المالية؛ لأنها لا تستطيع السماح بتخفيف الظروف المالية في البيئة الحالية للبطالة المنخفضة، وضغوط الأجور المتزايدة، ومخاوف التضخم. ومع ذلك، وفي حين أن هذه كانت بالتأكيد الرسالة التي يسمعها الجميع من محافظي البنوك المركزية، فإنني أميل إلى الاعتماد على القول المأثور: «إذا كان بإمكانك التأكد من أي شيء، فهو أن محافظي البنوك المركزية سيغيرون رأيهم حتماً في مرحلة ما بشأن المناخ الاقتصادي»، لذلك لا داعي للقلق المبالغ فيه. والدليل على ذلك أنه طوال عام 2020 ومعظم فترات عام 2021، كان الإجماع بين محافظي البنوك المركزية على أن التضخم أمر مؤقت، لكنهم غيروا النغمة منذ ذلك الحين.

مرة أخرى، من السابق لأوانه أن نكون متفائلين للغاية، كما لا أريد أن أعطي الانطباع بأن مخاوف الركود لا مبرر لها. فإذا انعكس الانخفاض الأخير في الإشارات التضخمية، مثل أسعار السلع والمنازل والسيارات المستعملة، وانحرفت التوقعات التضخمية طويلة الأجل للأعلى، فقد يتعين عليّ التراجع، لكن بعد أن عشت وتنفست الأسواق المالية على مدى 40 عاماً، كنت دائماً مفتوناً عندما يكون هناك إجماع قوي حول شيء ما، خاصة عندما تتعارض بعض الأدلة الفعلية معه.

على أي حال، آمل بالتأكيد أن يكون التشاؤم مبالغاً فيه، في وقت تواجه فيه الاقتصادات المتقدمة تحديات كبيرة، ليس أقلها ضعف نمو الإنتاجية المستمر وما له من آثار سلبية في العديد من المجالات الأخرى للحياة الاجتماعية والاقتصادية. سنواجه تحديات هائلة ومتكررة في السنوات المقبلة، لكن مهما كانت الظروف، علينا ألا نترك الكآبة تتغلب علينا.

*الرئيس السابق لشركة «جولدمان ساكس» لإدارة الأصول، وزير الخزانة البريطاني السابق.

«بروجيكت سينديكيت»

19 يوليو 2022
حُكــم الدولار

جيم أونيل*

كان النصف الأول من عام 2022 صادماً بحق؛ إذ عانت أسواق الأسهم واحدة من أسوأ فتراتها النصف سنوية على الإطلاق. وشهدت السندات الحكومية تراجعات كبيرة نادرة. كما شهد عالم العملات المشفرة صحوة قاسية توقعها الكثيرون منذ فترة طويلة بعد سبات نسبي هانئ.

ومع ذلك، تجاهل الدولار الأمريكي كل ما سبق وعلا فوق اضطراب الأسواق المالية، بعد أن ارتفعت قيمته مقابل العديد من العملات الأخرى، بما في ذلك اليورو، وهو الآن النسخة الأقوى لما كان عليه منذ 20 عاماً.

من منظور تقييم العملة القياسي، وصل الدولار إلى النقطة التي قد يفكر فيها العديد من المستثمرين بجدية في بيعه. ومن المحتمل أن يكون أعلى بنحو 20% من قيمة معظم العملات الرئيسية مثل اليورو والين، وهذا ببساطة لا يحدث كثيراً.

لكن عليّ الإشارة هنا إلى أن العملات عادة لا تعكس مسارها لأسباب تتعلق بالتقييم فحسب، وبدلاً من ذلك، يتطلب الأمر إجراءات من جانب صانعي السياسة لإحداث الانحدار الفارق في السعر.

لنأخذ على سبيل المثال اتفاقية بلازا لعام 1985؛ حيث وافقت فرنسا وألمانيا الغربية واليابان والمملكة المتحدة والولايات المتحدة على التدخل في أسواق العملات لإضعاف الدولار الأمريكي مقابل الفرنك الفرنسي والمارك الألماني والين الياباني والجنيه الإسترليني. أو لنأخذ بعين الاعتبار الانعكاس العلني لوزير الخزانة الأمريكي روبرت روبن عن سياسة الدولار القوي في عام 1998، وقرار السلطات الأمريكية بالتسامح مع انخفاض حاد في قيمة الدولار مقابل اليورو في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. في كل هذه الحالات، تدّخل صنّاع السياسة لهندسة انخفاض الدولار أو المساعدة في ذلك.

قد تبدو القوة الحالية للدولار أمراً مميزاً، بالنظر إلى انقسامات السياسة الأمريكية وبعض القضايا الهيكلية التي تواجه الاقتصاد الأمريكي. من عجز ميزان المدفوعات المتكرر، والعجز في الحساب الجاري، والموقف العدواني ضد كبار مالكي احتياطيات النقد الأجنبي، مروراً بالحروب الثقافية والاجتماعية المرتبطة بحيازة الأسلحة النارية والإجهاض، والقائمة تطول لإبقاء المجتمع الأمريكي في نقطة الغليان.

ولكن الآن بعد أن شدد بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي السياسة النقدية في محاولة لكبح جماح التضخم، يبدو أن المستثمرين يفضلون مرة أخرى الدولار ملاذاً آمناً لهم. من الناحية النظرية، من المفترض أن يؤدي ارتفاع التضخم في بلد ما إلى تآكل القوة الشرائية لعملتها. ولكن في ظل ظروف اليوم، كما هو الحال في العديد من الفترات الأخرى التي مررت بها خلال عملي كمحلل عملات، فإن الأسواق لديها خيار إما المراهنة على الفيدرالي الأمريكي للسيطرة على التضخم أو الاستثمار في مكان آخر في عالم غير مؤكد. وبالنسبة لمعظم الناس، الخيار واضح لا شك.

على الرغم من المغالاة في تقييم الدولار حالياً، فإن قوته قد تزداد ما لم تظهر بعض الرياح العكسية الجديدة. فماذا يمكن أن تكون؟ أولاً، والأكثر وضوحاً، يمكن لمجلس الاحتياطي الفيدرالي أن يُقر أنه أخطأ في الأمور ويبدأ فجأة في تخفيف موقفه السياسي مرة أخرى. قد تبدو مثل هذه الخطوة غير محتملة. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن سوق السندات الأمريكية يشهد انعكاساً دراماتيكياً، وأن سوق المال الأمريكي بدأ الآن في التسعير للعام المقبل بناء على تخفيضات أسعار الفائدة الفيدرالية (من مستويات أعلى مما هي عليه اليوم). كما قال لي مدير أحد الصناديق الناجحة ذات مرة، «إذا كان هناك شيء واحد يمكنك التأكد منه مع الاحتياطي الفيدرالي، فهو أنه سيغير وجهات نظره في مرحلة ما».

والاحتمال الثاني هو أن تبدأ البنوك المركزية الرئيسية الأخرى في التفوق على الاحتياطي الفيدرالي بتشديد سياستها الخاصة، كما حدث خلال فترات انخفاض الدولار السابقة. ولكن بالنظر إلى حالة معظم الاقتصادات الأخرى، يبدو هذا السيناريو غير مرجح.

كما أن أحد أسباب استمرار هيمنة الدولار على الرغم مما يحدث في الولايات المتحدة والعالم هو أنه لا توجد بدائل استراتيجية مهمة. فاليورو، على سبيل المثال، يعاني مشكلات متكررة باستمرار ناجمة عن تركيبة الدول الأعضاء فيه، ناهيك عن عدم وجود سند باليورو واحد يشمل الاتحاد بأكمله.

قد يجادل البعض بأن اليوان الصيني يمثل بديلاً معقولاً. ولكن إلى أن تشجع الصين استخدام عملتها على نطاق واسع وتسمح لهذا الاستخدام أن يكون سائلاً ومجانياً، لا يمكن أن يشكل اليوان تهديداً رئيسياً لهيمنة الدولار. وفي السياق ذاته، نعم، لربما ناقشت دول البريكس (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا) في مؤتمرها السنوي هذا العام إمكانية تعزيز استخدام عملاتها على نطاق أوسع، لكنه حديث سبق وسمعناه من قبل، ولا يوجد سبب وجيه واحد للاعتقاد بأن مثل هذه الطموحات النبيلة ستتحقق في أي وقت قريب.

تاريخياً، تبدأ قوة الدولار في الانعكاس عادة عندما يعلن وزير الخزانة الأمريكي أن العملة قوية جداً ويثير احتمال تدخل الولايات المتحدة في السوق لإضعافها. وليس لدي أدنى شك في أن هذا يمكن أن يحدث مرة أخرى في ظل قيادة جانيت يلين، على الرغم من ذلك، وإلى أن يكون هناك المزيد من الأدلة على انخفاض توقعات التضخم، فإنه من المبكر بعض الشيء القيام بمثل هذه الخطوة.

على أي حال، أظن أن أولئك الذين قرروا بيع مقتنياتهم من الدولار اليوم سيكونون سعداء بهذا القرار في غضون عامين. لكني أنصحهم بعدم متابعة أداء سوق العملات دقيقة بدقيقة في الأيام التي تلي خطوتهم تلك. ففي هذا الطريق لا يكمن سوى القلق والتخمين.

 *الرئيس السابق لشركة «جولدمان ساكس» لإدارة الأصول، ووزير الخزانة البريطاني السابق*بروجيكت سنديكيت