صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
ديزموند لاكمان
خبير اقتصادي ومسؤول سابق في صندوق النقد الدولي
أحدث مقالات ديزموند لاكمان
2 أبريل 2026
اقتصاد أمريكي هش

لم تعد الاختلالات الاقتصادية في الولايات المتحدة تظهر كإشارات متفرقة، بل باتت تتجسد كمنظومة متكاملة من المخاطر المتراكمة، فمن المالية العامة التي تسير على مسار غير مستدام، إلى التوسع المفرط في الإقراض داخل القطاع الخاص وسوق العقارات التجارية، وصولاً إلى سوق أسهم تتداول عند مستويات تضخم تاريخية، واقتصاد بات يعتمد بشكل مفرط على استثمارات الذكاء الاصطناعي كمحرك رئيسي للنمو، كل ذلك يرسم صورة اقتصاد يبدو أكثر هشاشة مما توحي به الأرقام السطحية.
هذا التراكم يجعل الاقتصاد الأمريكي شديد الحساسية لأي صدمة في أسعار الطاقة أو الغذاء، لا سيما إذا جاءت هذه الصدمة مترافقة مع مزيج سام من ارتفاع التضخم، تباطؤ النمو، وصعود أسعار الفائدة طويلة الأجل، مثل هذا السيناريو قد لا يكون مجرد اختبار دوري، بل الشرارة التي تفجر فقاعات الائتمان والأسهم دفعة واحدة.
لنبدأ من نقطة الضعف الأكثر وضوحاً: المالية العامة، حتى قبل اندلاع الحرب، قدّر مكتب الميزانية في الكونغرس أن العجز الأمريكي سيظل فوق 6% من الناتج المحلي الإجمالي لسنوات قادمة، وهو مستوى مرتفع بشكل مزمن، وبحلول عام 2030، يُتوقع أن يصل الدين العام إلى نحو 108% من الناتج، متجاوزاً حتى مستواه في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
اليوم، ومع تصاعد الحرب في إيران، تزداد الضغوط على هذا المسار الهش. فطلب إدارة دونالد ترامب زيادة الإنفاق الدفاعي بنحو 200 مليار دولار قد يفاقم العجز، كما أن أي تباطؤ اقتصادي أو ارتفاع في أسعار الفائدة نتيجة التوترات الجيوسياسية سيضيف أعباءً جديدة على كاهل المالية العامة.
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن أزمة في سوق السندات ليست سوى مسألة وقت، فالحكومة الأمريكية بحاجة إلى اقتراض نحو تريليوني دولار سنوياً لتمويل العجز، إضافة إلى إعادة تمويل ديون قائمة تقارب 9 تريليونات دولار، وهنا يبرز عامل سياسي خطِر، وهو الهجمات المتكررة من إدارة ترامب على استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، والتي قد تضعف ثقة المستثمرين. وإذا ما بدأ المستثمرون في الاعتقاد بأن الحكومة قد تلجأ إلى التضخم كوسيلة لتآكل ديونها، فإنهم سيترددون في تمويلها بأسعار الفائدة الحالية.
المؤشرات الأولية لا تبعث على الاطمئنان، فمنذ اندلاع الحرب، ارتفع العائد على سندات الخزانة لأجل عشر سنوات بأكثر من 40 نقطة أساس ليصل إلى نحو 4.45%. والمفارقة أن هذا الارتفاع جاء في وقت كان يُفترض أن تتراجع فيه العوائد، بفعل توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة وسط تصاعد عدم اليقين.
هذا التحول في اتجاه أسعار الفائدة يشكل ضغطاً مضاعفاً على قطاعات هشة بالفعل، مثل سوق الائتمان الخاص الذي تبلغ قيمته نحو 3 تريليونات دولار، وسوق العقارات التجارية الذي يقترب من 4.5 تريليون دولار، هذه الأسواق بُنيت على افتراض استمرار بيئة الفائدة المنخفضة والنمو المستقر، وهو افتراض لم يعد قائماً.
بل إن الضغوط كانت تتصاعد حتى قبل الحرب. فقد تأثرت شركات البرمجيات سلباً من التحولات التي فرضتها ثورة الذكاء الاصطناعي على نماذج الإيرادات، ما انعكس على سوق الائتمان الخاص، وفي المقابل، يعاني قطاع العقارات التجارية انخفاض معدلات إشغال المكاتب بعد جائحة كورونا، نتيجة تغير أنماط العمل والتسوق، هذه العوامل مجتمعة تجعل من الصعب إعادة تمويل القروض المستحقة بأسعار فائدة أعلى بكثير من تلك التي أُبرمت بها.
* زميل في معهد «أميريكان إنتربرايز»، ونائب مدير إدارة تطوير السياسات والمراجعة في صندوق النقد الدولي (معهد أميريكان إنتربرايز)

26 فبراير 2026
أمريكا من ستدفع فاتورة ترامب

ديزموند لاكمان*

لم يكن قرار المحكمة العليا الأمريكية إبطال جزء كبير من زيادات الرسوم الجمركية التي فرضها دونالد ترامب خبراً سيئاً بالكامل بالنسبة للرئيس، بل حمل في طياته مفارقة واضحة: الشق السيئ من الحكم هو أنه يوجّه ضربة قوية لجزء أساسي من برنامج ترامب الاقتصادي، ويزيد من تفاقم الوضع المالي المتردي أصلاً. أما الجانب الإيجابي، فيكمن في أنه يمنحه مخرجاً من سياسات جمركية غير تقليدية لم تُحقق ما وعدت به.
خلال العام الماضي، رفع ترامب الرسوم الجمركية الأمريكية إلى أعلى مستوياتها منذ قرن تقريباً. وكان الهدف المعلن تقليص العجز التجاري المتفاقم، وإنعاش الصناعة المحلية، وخلق وظائف في قطاع التصنيع. ولتمرير نحو ثلثي تلك الزيادات، استند إلى قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة، معتبراً أن الظروف تبرر اللجوء إلى سلطات استثنائية.
لكن المحكمة العليا الأمريكية رأت أن الرئيس تجاوز صلاحياته، وأن فرض ما هو في جوهره «ضريبة» جديدة يتطلب تفويضاً صريحاً من الكونغرس. بذلك، لم يقتصر الحكم على الجانب القانوني، بل حمل أبعاداً سياسية واقتصادية عميقة.
بعد عام تقريباً على بدء السياسة الجمركية الهجومية، يصعب تجاهل حقيقة أنها لم تحقق النتائج الموعودة.
لنبدأ بالعجز التجاري. فبحسب بيانات مكتب التحليل الاقتصادي، بقي عجز الولايات المتحدة في تجارة السلع والخدمات عند نحو 900 مليار دولار في 2025، أي دون تغيير يُذكر مقارنة بعام 2024. وهذا بعيد كل البعد عن تعهد ترامب بالقضاء على العجز.
والواقع أن استمرار العجز لم يكن مفاجئاً. فهو، خلافاً للتصورات الشعبوية، يعكس ببساطة أن البلاد تنفق على الاستهلاك والاستثمار أكثر مما تنتج. وهذا لا يتغير بارتفاع أو انخفاض الرسوم الجمركية. ومع استمرار الإدارة المالية العامة بنمط إنفاق توسعي، من الطبيعي أن يبقى الإنفاق متقدماً على الإنتاج. ووفق تقديرات مكتب الميزانية في الكونغرس، بلغ عجز الموازنة قرابة 6% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025، وهو مستوى مماثل تقريباً للعام السابق، بل إن المكتب يتوقع بقاء العجز فوق 6% خلال العقد المقبل ما لم تُجرَ تغييرات جوهرية في السياسات. في مثل هذا السياق، كيف يمكن التعويل على الرسوم الجمركية لتقليص العجز التجاري؟
إذا لم تُقلّص الرسوم العجز التجاري، فهي أيضاً لم تُسهم في إعادة وظائف التصنيع إلى الداخل كما وعد ترامب. فخلال العام الجاري، خسر الاقتصاد الأمريكي نحو 50 ألف وظيفة صناعية، فيما ظل الإنتاج الصناعي شبه راكد. والأسوأ أن تقرير الناتج المحلي الإجمالي الأخير أظهر تباطؤاً في النمو خلال 2025 مقارنة بالعام السابق، في حين ارتفع معدل البطالة من 4% في بداية الولاية الثانية لترامب إلى 4.3% حالياً.
إذن الرسالة واضحة، رسوم لم تُطلق نهضة صناعية، ولم تُعد «الوظائف الضائعة» كما بُشّر الناخبون.
إلى ذلك، ادّعى ترامب أن الأجانب سيدفعون ثمن الرسوم. لكن الواقع كشف عن أن العبء وقع في معظمه على كاهل الأمريكيين أنفسهم. فدراسة حديثة أيضاً للاحتياطي الفيدرالي تشير إلى أن الأسر والشركات الأمريكية تتحمل نحو 92% من كلفة زيادات الرسوم. وبدلاً من انخفاض الأسعار كما وُعد الناخبون خلال الحملة الانتخابية، ظل التضخم عند نحو 3%، وهو تقريباً المستوى ذاته الذي كان سائداً عند بداية الولاية الثانية.
وهذا يعني أن الرسوم لم تُخفّف الضغوط المعيشية، بل أسهمت في إبقائها مرتفعة، ما يفاقم أزمة القدرة الشرائية.
قرار المحكمة لا يوجّه ضربة سياسية فحسب، بل يخلق أيضاً صداعاً مالياً لإدارة ترامب. فإلى جانب خسارة مصدر إيرادات مهم مستقبلاً، سيتعين على الحكومة إعادة ما بين 100 و150 مليار دولار للشركات عن رسوم جُمعت بغير وجه قانوني. وتقدّر لجنة السياسات من أجل موازنة مسؤولة أن الحكم قد يُكلّف الخزانة نحو تريليوني دولار من الإيرادات المفقودة خلال العقد المقبل.
وهنا يعود السؤال: كيف ستموّل الحكومة عجزها المتفاقم من دون إشعال مزيد من الضغوط التضخمية؟
يمنح الحكم القضائي ترامب فرصة لإعادة النظر في سياسة جمركية غير تقليدية لم تحقق أهدافها. غير أن رد فعله الغاضب يوحي بأنه قد يسعى إلى الالتفاف عبر أدوات قانونية أخرى، لإعادة فرض قيود مشابهة.
المشكلة لا تكمن في الدفاع عن الصناعة الوطنية بحد ذاته، بل في الإصرار على سياسة أثبتت محدوديتها، مع تجاهل معطيات الاقتصاد الكلي والحقائق المالية. وإذا استمر هذا النهج، فإن الثمن لن يكون سياسياً فحسب، بل اقتصادياً أيضاً. والولايات المتحدة، لا خصومها التجاريون، من سيدفع الفاتورة في نهاية المطاف.
* زميل في معهد أمريكان إنتربرايز، ونائب مدير إدارة تطوير السياسات والمراجعة في صندوق النقد الدولي موقع «19 فورتي فايف»

29 أغسطس 2021
إذا مرضت الصين ضعُف العالم

ديزموند لاكمان *

قد تكون للتباطؤ الاقتصادي في الصين آثاره غير المباشرة والخطيرة على بقية الاقتصادات العالمية، فكلنا يعلم تعثر الانتعاش الاقتصادي للولايات المتحدة وأوروبا العام الماضي بسبب مشاكل سلاسل التوريد في بقية آسيا ودول الجوار الصيني

لطالما قيلت في وصف اقتصاد الولايات المتحدة عبارة، «عندما تعطس أمريكا، يصاب العالم بالزكام»، في دلالة على أن ما يصيب أمريكا، سواء في السراء أم الضراء، يؤثر في بقية البلدان.
اليوم، وبوصفها ثاني أكبر اقتصاد في العالم، ومحرك نموه الأساسي، هل نستطيع نسخ العبارة السابقة ولصقها على الصين؟
تبرز أهمية هذه المقارنة أكثر في هذه الأوقات، وفي ظل التحديات التي تواجه التعافي الاقتصادي الصيني من تفشي وباء فيروس كورونا، في وقت ألقت فيه العديد من نقاط الضعف الخطيرة بظلالها القاتمة على التوقعات الاقتصادية طويلة المدى لهذا البلد.
لنعد قليلاً في التاريخ إلى العقد الذي أعقب الركود الكبير عام 2009، فقد كان النمو الاقتصادي الصيني السريع والمثير للإعجاب حينها بمثابة المحرك الرئيسي لانتعاش الاقتصاد العالمي. وفتَح اقتصاد الصين المتنامي أسواق التصدير أمام شتّى القطاعات في مختلف بقاع العالم، وخاصة لجيرانها الآسيويين. في الوقت ذاته، قدّم طلبها «النهم» على السلع الدولية الدعم الذي تشتد الحاجة إليه بالنسبة لاقتصادات السوق الناشئة.
وعلى مدار العام الماضي، وبعد الشلل القصير الذي تسبب به الوباء، أعاد النمط الصيني السابق صياغة نفسه، حيث كانت الصين أول دولة من بين الدول الكبرى في العالم التي تسيطر على الوباء، الأمر الذي مكّن اقتصادها من التعافي بسرعة من الركود الناجم عن «كوفيد-19». ومرة أخرى، ضخّت الصين الدم في عروق الأسواق، وعادت عجلة التصدير لتدور باتجاه جيرانها الآسيويين، مما دعم بشكل كبير انتعاش أسعار السلع الأساسية في المنطقة والعالم.
اليوم، يشكل تفشي المتغير «دلتا» في الصين تحدياً حاسماً لدورها المستمر كمحرك للنمو الرئيسي للاقتصاد العالمي. حيث أعادت العديد من المناطق الصينية فرض عمليات الإغلاق الاقتصادي وسط تبني الحكومة نهجاً صارماً في التعامل مع الوباء. وفي حين أن هذا النهج من المرجح أن يصب في مصلحتها الاقتصادية على المدى الطويل، إلا أنه سيتسبب بمشاكل قصيرة الأجل بخصوص التعافي الاقتصادي الذي تشهده الصين.
تمثل حملة الحكومة الصينية الأخيرة على قطاع التكنولوجيا الفائقة، جنباً إلى جنب مع جهودها لتفضيل القطاع العام على الخاص، انعكاساً جزئياً للإصلاحات الاقتصادية التي عززت المعجزة الاقتصادية للبلاد في ظل حكم دنج شياو بينج، الزعيم الراحل ومهندس سياسة الإصلاح والانفتاح الصيني على العالم في ثمانينات القرن الماضي. في الوقت نفسه، فإن تباطؤ النمو الاقتصادي سيجعل من الصعب على السلطات الصينية التعامل مع فقاعة السوق الائتماني التي تُعد من بين أكبر الفقاعات في العالم، وقد يُعيد مشهد التراجع الصيني أمام اليابان في التسعينات.
قد تكون للتباطؤ الاقتصادي في الصين آثاره غير المباشرة والخطيرة على بقية الاقتصادات العالمية، فكلنا يعلم تعثر الانتعاش الاقتصادي للولايات المتحدة وأوروبا العام الماضي بسبب مشاكل سلاسل التوريد في بقية آسيا ودول الجوار الصيني التي تعاني اقتصاداتها بالفعل موجات فيروسية قاتلة، الأمر الذي قد يدفعها أيضاً إلى إغلاق أجزاء من اقتصاداتها. وفي الوقت نفسه، فإن اقتصادات الأسواق الناشئة المثقلة بالديون و«غير المحصّنة» في وضع هش، وقد تئنّ تحت وطأة التراجع المتجدد في أسعار السلع الأساسية الدولية أو الانكماش في أسواق صادراتها.
ومما يثير القلق بنفس القدر هو خطر أن يؤدي التباطؤ الاقتصادي الصيني إلى انفجار فقاعة «كل شيء» عالمياً بما في ذلك أسواق الأسهم، والإسكان، والديون. إذ تستند هذه الفقاعة «الزاهية» إلى فرضية أن أسعار الفائدة المنخفضة للغاية اليوم ستستمر إلى الأبد، وأن الاقتصاد العالمي آخذٌ في التعافي بسلاسة ويسر كبيرين من الأضرار الناجمة عن فيروس كورونا المستجد. لكن التباطؤ الاقتصادي المطول، إن حدث في الصين، سيجعل هذه الفرضية محل شك كبير، مع آلاف إشارات الاستفهام الخطيرة التي ستدفع الفقاعة للانفجار.
أحد الجوانب الإيجابية للتباطؤ الاقتصادي العالمي الناجم عن الصين، هو أنه سيقلل من خطر الانهاك الاقتصادي والتضخم في الولايات المتحدة بسبب السياسات النقدية المفرطة التي انتهجتها الحكومة منذ بدء الأزمة. لكننا سنكون جميعاً أفضل حالاً بكل تأكيد إن تمكنت الصين، بطريقة أو بأخرى، من احتواء موجة «دلتا»، شديدة العدوى صحياً والمدمرة اقتصادياً، وتعاملت الولايات المتحدة مع خطر الانهاك الاقتصادي بطريقة ذكية وعبر تشديد سياستها الاقتصادية.
* خبير اقتصادي ومسؤول سابق في صندوق النقد الدولي (نقلاً عن «ذا هيل»)