ذوالفقار قبيسي *
حجم النقد المتداول يتزايد في لبنان والحبل على الجرار.. ويضع لبنان في مشكلة تشبه موس الحلاقة في الجرح، إذا رفع أو خفض الألم حاصل في الحالتين.
وطريقة الخروج من مثل هذا المأزق تعددت حسب البلد ونوع المشكلات والأهداف الاقتصادية والاجتماعية، كان منها في التاريخ الاقتصادي الحديث ما عرف في انجلترا في عام 1957 باسم Radcliff Report (على اسم اللورد رادكليف المشرف على اللجنة التي أعدت التقرير) والذي أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الاقتصادية في العالم حول مشكلة: أيهما أفضل للنمو الاقتصادي زيادة حجم النقد المتداول في أيدي الناس ولو على حساب بعض التضخم، أم إنقاص الحجم بما يؤدي إلى انكماش منعاً للمزيد من التضخم؟
ومع أن العنوان أو «النقد المتداول» هو نفسه في الحالتين إلا أن التقرير الذي أعدته لجنة من الاقتصاديين والخبراء طرح عبارة «السيولة النقدية» مقابل عبارة «النقد المتداول»، واعتبر أن السياسة النقدية السليمة هي التي لا تعطي الأولوية إلى الحد من «النقد المتداول»، وإنما لتوفير القدر الكافي من «السيولة النقدية» في أيدي الناس، ودعا إلى ضخ أعلى قدر ممكن من ال(Cash) وكل التسليفات المصرفية والقروض من المصادر الدولية واستثمارها بموجب خطة اقتصادية تؤدي إلى ما أسماه «إنجاز الأهداف الثلاثة الرئيسية من أي سياسة نقدية»: تحقيق المعدل الأعلى المطلوب من النمو، وتوفير القدر الأكبر من فرص العمل، وفي الوقت نفسه ضمان الاستقرار في معدل سعر الصرف الذي اعتبره التقرير ركناً أساسياً في أي سياسة نقدية - اقتصادية - اجتماعية تحافظ على سلامة القوة الشرائية للمدخرات وتجذب القدر الأكبر من الاستثمارات.
وعلى الصعيد العالمي، دعا التقرير أيضاً إلى زيادة السيولة النقدية العالمية عبر زيادة السيولة في صندوق النقد الدولي الذي دعا التقرير إلى تعزيز دوره في تحقيق المزيد من معدلات النمو في العالم.
ومن العبارات اللافتة التي وردت في التقرير: «في غياب سياسة نقدية تدافع عن سعر صرف ثابت، سيكون من الصعب التأكد من معدل التوازن بين الأكلاف الداخلية والأكلاف الخارجية وستكون النتيجة عندها إجراءات متعددة ومفاجئة لعمليات تخفيض متكررة لخفض سعر العملة الوطنية بما ينسجم مع المعدلات الخارجية».
وقد كان من أهم الانتقادات التي وجهت للتقرير أن تركيزه عل تلبية الحاجة بالقدر الأكبر من «السيولة النقدية» أفقده الاهتمام الكافي بمخاطر التضخم الناتج عن زيادة «النقد المتداول».
وبالعودة إلى الأزمة اللبنانية، فإن ما يحصل هو عكس وجهتي النظر، ودون أي نظرية بالمطلق، حيث طباعة النقد المتداول وضخه في الأسواق مستمرة في غياب أي سياسة نقدية تخدم خطة اقتصادية إنمائية، بل لمجرد دفع استحقاقات قديمة، أو داهمة، أو لتحقيق أهداف «شعبوية»، أو «انتخابية»، كما هو الوصف الذي أعطي أخيراً لإعادة 50% من جزء من الودائع بالليرة اللبنانية برغم كل ما تؤدي إليه هذه العملية من التضخم الناتج أيضاً عن دفع أجور ورواتب جهاز حكومي متضخم بمئات آلاف الموظفين والعمال والمياومين والمتعاقدين والمتقاعدين بالليرة اللبنانية، إضافة إلى ما يدفع بالليرة اللبنانية أيضاً من الفوائد المترتبة على نحو ثلثي الدين العام وعلى باقي البنود التي تشكل بمجملها العجز المتواصل في الموازنة العامة، إضافة إلى العجز السنوي الكبير في ميزان المدفوعات بنحو١٠ مليارات دولار سنوياً لبلد لا يزيد سكانه على 5 ملايين نسمة.
* كاتب لبناني
ذوالفقار قبيسي *
التكهنات والتوقعات حول الدعم في لبنان وهل يرفع أو ماذا يبقى منه وهل دفعة واحدة أو على مراحل وأين وكيف ومتى؟... كلها عبارات «ممجوجة» في الاقتصاد لأنها تمنع الناس من التخطيط لأعمالهم واستثماراتهم، وفي حال لم يعد هناك فرص لأعمال واستثمارات، يفتح الباب عندها على مصراعيه للمضاربات وتحكم فئة قليلة بمحركات السوق ومفاصل الاقتصاد، كما هو حاصل اليوم بوجود احتكارات بعد أن تغرس رماحها في جسم الاقتصاد يصعب على الدولة أن تحل مكانها.
والمثال ما حصل في روسيا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي عندما طلب الرئيس الروسي الراحل بوريس يلتسين من مستشاره الاقتصادي الأمريكي بروفسور جامعة هارفرد «جيوفري ساخس» أن يرفع الدعم تدريجياً وعلى سلع دون أخرى وأن ينقل روسيا من الاقتصاد الاشتراكي الموجه إلى الاقتصاد الليبرالي الحر ولكن على مراحل، وكان جواب «ساخس» أن ترك الأمور للتكهنات والتوقعات يفتح الفرص أمام المضاربين والمغامرين، وبما يؤثر سلباً في قيمة المداخيل ومستوى الأسعار. وعندما كرر يلتسين طلبه أجاب ساخس: أن الأمر سيكون عندها كمن يريد أن يقفز فوق حفرة كبرى على دفعات! أو كمن يعيد تنظيم السير على مراحل بحيث يترك للشاحنات الكبرى أن تسير على اليسار ويسمح للسيارات الصغرى أن تأتي عكس السير على اليمين!
وهذه الحال شبيهة بأوضاع لبنان حيث سعر الصرف الواحد تحول إلى «كوكتيل» أسعار من سعر الصرف الرسمي ١٥٠٧ ليرة إلى سعر البنك ٣٩٠٠ ليرة إلى سعر المنصة ١٢٠٠٠ ليرة وسعر السوق الموازية المسماة خطأ ب«السوداء» ١٥٠٠٠ ليرة، إلى «عنقود» يتدلى في عريشة Kaleidoscope حافل بأسعار صرف مرتبطة بحجم دعم السلعة الذي يتراوح بين ١٥% و٧٥% و١٠٠% وفي وضع مضطرب لم يعرف التاريخ الاقتصادي مثيلاً له في أي بلد في العالم.
ووسط هذه البلبلة النقدية تتركز الأنظار الآن على ما تبقى من احتياطيات ال١٥ أو ال١٤% البالغة ١٤ مليار دولار لدى مصرف لبنان من قيمة الودائع الأجنبية المسجلة دفترياً لدى المصارف، وسط اجتهادات مختلفة بين من يدعو إلى إعادتها إلى المودعين ومن يدعو إلى استخدامها في دعم السلع المعيشية والضرورية منعاً لأي اضطرابات أمنية أو من يدعو إلى استثمارها مع كميات احتياطي الذهب (البالغة 9,2 مليون أونصة بقيمة ١٧ مليار دولار) بما مجموعه نحو ٢٨ مليار دولار وضخها في جسم الاقتصاد لتحقيق النمو وتوفير فرص العمل وبعائدات تعاد منها أموال الودائع للمودعين الذين إذا أعيدت إليهم الآن كما يرى البعض بدل استثمارها في نمو الاقتصاد فسوف تذهب للادخار في المنازل بعد أن فقدت الثقة بالمصارف، أو تنفق في الاستهلاك على سلع أغلبها مستورد في بلد مدولر، أو تستثمر مباشرة من قبل المودعين بقرارات فردية أو عشوائية أو ارتجالية دون خطة إنمائية وطنية شاملة يمكن أن تضع الاقتصاد على سكة جديدة تعيد إليه وإلى الشعب «بعض القوة والأمان في زمن الضعف والهوان» لولا أن مثل هذه الخطة قد تصلح في بلد لا تحكمه كما حال لبنان طبقة سياسية لديها «مناعة تاريخية» ضد أي تخطيط أو ترشيد، وكارتيلات احتكارية تقف متاريس عالية أمام أي قرارات ليبرالية ومنافسات شرعية، وتفرض من طرف واحد كميات الاستيراد أو الإنتاج وتحدد بمفردها حجم الكلف ومستوى الأسعار في بلد توقفت فيه محركات التفتيش وأدوات الرقابة وآليات المساءلة والمحاسبة والأحكام، حتى بات كل قرار فيه أشد مرارة من الآخر وكل محاولة للإنقاذ تموت قبل أن تولد!
ومن الآن حتى ينجلي الموقف وتحسم البدائل، يبقى ٥٥% من شعب لبنان في حالة الفقر و٥٠% في حالة البطالة و٢٨% في فقر مدقع وفي فوضى تكهنات وتوقعات تشل الإنتاج وتزيد التضخم وترفع أسعار السلع المعيشية والضرورية بالاحتكارات والمضاربات.
* كاتب لبناني
ذوالفقار قبيسي *
كان التصنيف العالمي للفساد يعتبرها ظاهرة اقتصادية. ومنذ العام 1999 أصبح البنك الدولي يعتبرها سياسية - اقتصادية - اجتماعية. وقال في تقرير منظمة الشفافية الدولية في العام 2005 إن العالم يتطلع عبر مكافحة الفساد إلى إنقاذ نصف القابعين في الفقر المدقع بحلول العام 2015.
وقد مضى الآن 16 عاماً على التقرير و6 أعوام على العام 2015 والفقر في العالم يزداد ما يعيد إلى الأذهان ما أورده الاقتصادي المميز هنري جورج في كتابه Progress and Poverty بأن «من غرائب العالم أنه يتقدم في كل الحقول العلمية والمعرفية والصناعية والزراعية - وهذا كان قبل أن يتقدم في العلوم الفضائية - ومع ذلك يتأخر في مكافحة الفقر». فيما منظمة الشفافية الدولية تعتبر «أن الفساد يعيق جهود الخروج من دائرة الفقر من خلال تقويض النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة التي قد تحرر ملايين البشر من شراك الفقر» وتطالب المنظمة بأن ينظر العالم إلى «محاربة الفساد بصفتها هدفاً مركزياً في خطط زيادة مصادر تحقيق هذه الأهداف».
والدراسة التي أعدها الكاتب أندريه بريدو تذهب إلى أبعد من ذلك بأن «الفساد يهدد وجود الدولة! فعندما يفقد رجال الحكم في ممارستهم للسلطة، الاتصال مع الشعب، مع أنهم وكلاؤه، ولا يعودوا يحسبون أي حساب لمصلحة البلاد سوى لمصلحتهم، تستعجل الدولة الخطر عليها بانفصالها عن الوطن. وعندما تصبح الدولة غير الوطن تصنع بذلك نهاية نفسها».
أما عن العلاقة بين معدلات الفقر ومعدلات الفساد، فهي في تصريح لأحد رؤساء منظمة الشفافية الدولية Peter Eigen بأن «الفقر والفساد ظاهرتان تغذيان بعضهما البعض وتدفعان السكان نحو دائرة مغلقة من البؤس، وأن الفساد يعتبر من الأسباب الرئيسية للفقر، كما أنه من المعوقات للقضاء عليه». وفي تقرير للمنظمة ورد «أن الدول الأكثر فقراً هي الدول الأكثر فساداً» و«أن الدول الاسكندنافية تصدرت الدول الأقل فساداً في القطاع الحكومي» وجاءت في درجة جيدة جداً أو جيدة في درجات متفاوتة كل من سويسرا وألمانيا وبريطانيا وأمريكا.
وفي الجزء المتعلق بالبلاد العربية في آخر تقرير للمنظمة جاءت دولة الإمارات في مرتبة متفوقة عالمياً في الترتيب 21 بين الدول الأقل فساداً والأولى بين الدول العربية وحلت بعدها قطر فسلطنة عمان والسعودية والكويت على التوالي مقابل مرتبة عالية في الدرجة 149 لمعدل الفساد في لبنان وعالية جداً للفساد في سوريا والصومال والسودان واليمن بدرجة 178 و179 و174 و176 على التوالي.
في مقدمة كتبها رئيس الوزراء اللبناني الأسبق الدكتور سليم الحص لكتاب «الفقر والفساد في العالم العربي» لخبير الأمم المتحدة سمير التنير «إن المزاج العام قد يبلغ حالاً لا يصبح فيه مرتكب الفساد مداناً من قبل المجتمع، وذلك نتيجة تحول الفساد إلى ظاهرة مألوفة، وبداية الحل هي حالة رقابية تقوم على الفصل بين السلطات الاشتراعية والتنفيذية وفي نظام تربوي صالح وقطاع إعلامي موضوعي بما يؤسس لفكرة اقتلاع جذور الفساد عبر التعليم ومن خلال شفافية إعلامية كاملة».
* كاتب لبناني
ذو الفقار قبيسي *
دولة عالمية فوق الدول، تتكون من خلال منظومة تدعى «المجتمع الدولي»، لها إدارتها وجيشها وشرطيوها ومصرفها المركزي، وعملتها ومحاكمها «وثقافتها» المنتصرة، وقنابلها النووية والهيدروجينية! وهذه الدولة اسمها «السوق» أو الشركات الضخمة من مصارف وتأمين وتكنولوجيا، ولها فروعها على مستوى العالم، عنوانها وهاتفها وبريدها الإلكتروني ومركزها الرئيسي: الولايات المتحدة الأمريكية، كما في كتاب المفكر الاقتصادي JAQUES ATTALI مستشار الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران، بعنوان DEMAIN QUI GOUVERNERA LE MONDE ؟.
وهذه الدولة هي التي خططت وسعت دائماً إلى الهيمنة على العالم (بما في ذلك بالطبع الاقتصاديات العربية)، لكنها الآن لم تعد الSuper State التي يعتبر المفكر الفرنسي أن قدراتها تتراجع منذ نشوب الأزمة المالية العالمية بدءاً من عامي 2007 2008 والفوضى العارمة التي نشهد نماذج منها في العديد من دول العالم اليوم.
وأمام هذا التراجع في قدرات «دولة السوق» في أمريكا وأوروبا، كان يمكن للدول العربية سواء منفردة أو مجتمعة في إطار التعاون الاقتصادي العربي، أن «تلملم» قواها، لولا أن أغلب الأنظمة العربية كانت دائماً وما تزال «الحاجز المانع» للتقدم ولتخفيف ضغوط «دولة السوق» عن كاهلها، كما كان الأمل المعقود على انتفاضات «الربيع» الذي تحول إلى «خريف» عربي!.
1 على الصعيد الاقتصادي، هناك فترة انتظار تبدو طويلة المدى، لمعرفة ما إذا كانت الانهيارات التي نراها الآن في البنية الاقتصادية العربية ستتبعها انطلاقة نحو مجتمع يحقق من خلال المساءلة الديمقراطية، بعض طموحاته في الحد الأدنى لإمكانات العيش والتقدم.
2 على الصعيد السياسي، ليس من الواضح حتى الآن، ما إذا كانت التحركات الاعتراضية ضد الفساد، يمكن أن توصل إلى حالة حكم صالح، سواء عبر فريق سياسي مركزي يقود العملية الإصلاحية، أو عبر «ائتلافات» تضمن حداً أدنى من الوحدة الوطنية، بما يسمح بالإسراع في العملية الإنمائية.
3 على الصعيد العسكري هناك ما هو أعظم.. حيث حطم «الربيع العربي» الجزء الأكبر من القدرات العسكرية العربية (بغض النظر عما إذا كانت هذه القدرات باستمرار لا تستخدم إلا غالباً كأدوات قمع لمعارضات الداخل)، وهي قدرات سعت دولة «السوق» العالمية وملحقاتها، إلى تحطيمها بالمشاحنات والنزاعات الداخلية، بشكل يمكن معه القول إنه بقدر ما تمكن الغزو الأمريكي للعراق من تحطيم قدرات الجيش العراقي، جرى في سوريا بغض النظر من على حق أو من المسؤول (النظام أم المعارضة) استنزاف القدرة العسكرية السورية، وبمثل ما يحصل أيضاً في مصر حيث الجيش المصري (الذي خاض مع الجيش السوري ومع حظر النفط العربي حرب أكتوبر 1973) يتعرض لاستنزاف في معارك سياسية جانبية داخلية، ومع هذا الوضع الذي يؤدي تدريجياً إلى إضعاف القوة الذاتية العربية، وإلى خلق حالات توتر سياسي (وطائفي! ومذهبي!) على مستوى الوطن العربي: شرقه وغربه.
وإذا كانت المسؤولية لهذا الوضع تقع في الدرجة الأولى على عاتق دول استخدمت أو تستخدم قواها العسكرية لتحمي أنظمة محلية، فإن الأشد خطراً هو أن هذا الوضع يؤدي إلى تعطيل القوة العسكرية العربية، سواء بإلغائها أو إلهائها. وبغض النظر عن مدى فاعلية أو هشاشة هذه القوة، فإن البديل عنها لا يجوز أن يكون «الفراغ» ولا سيما «الفراغ الاقتصادي».. وهو أسوأ الشرور.
* كاتب لبناني
ذو الفقار قبيسي*
في اليونان كانت أزمة مديونية، وفي آيسلندا أزمة مصرفية، وفي فنزويلا أزمة سياسية، وفي لبنان الأزمات الثلاث معاً يضاف إليها أزمة نظام، وأزمات دواء ووقود وكهرباء وطعام، وعلى النسق الذي كان الشعب الأمريكي يخاطب به إدارته السياسية يوم عاد رائد الفضاء الأمريكي بقطع صخرية من القمر، بأغنية هذا مطلعها: «O.K. لا بأس أن تأتي بصخور القمر يا حبيبي، لكن بعد أن يجد الجميع ما يأكلونه هذه الليلة»!
والمشكلة أنه لا حكومة في لبنان تجلب صخوراً من القمر، ولا دولة تعطي شعبها من الأمان ولا للجزء الأكبر منه ما يكفي من الضمان، في أزمة قياسية لم يسبق لها مثيل في تاريخه الحديث.
إحدى العلامات الفارقة في أحوال اليوم، أن لبنان لا يعيش فقط أزمة قياسية لم يسبق لها مثيل في تاريخه الحديث، وإنما يخسر أيضاً الأدوات والآليات التي كانت تمكنه في الماضي من التغلب على الأزمات، وهي لم تعد متوافرة الآن بصورة كافية خلال المحنة الاقتصادية والمالية والاجتماعية الحالية.
ومن تجارب الأمس غير البعيد أنه خلال تولي الدكتور إدمون نعيم حاكمية مصرف لبنان المركزي في فترة الحرب الأهلية، انخفض احتياطي العملات الأجنبية لدى المصرف إلى نحو 50 مليون دولار فقط. ما اضطر الدكتور نعيم إلى إرسال وفد رسمي من مصرف لبنان إلى الولايات المتحدة في محاولة لإقناع الأمريكيين بتقديم دعم ولو محدود للبنان يزيد من حجم الاحتياطي الذي لم يكن يومها كافياً؛ لتغطية أكثر من قيمة استيرادات لبضعة أيام.
وكان الجواب من المسؤولين في واشنطن للوفد أنه ليس لدى الإدارة الأمريكية آلية مساعدة سريعة أو «عملية إغاثة» فورية في مواجهة مثل هذه الحالات. وعاد الوفد المصرفي الرسمي يومها من واشنطن من دون أي نتيجة؛ ما زاد هواجس «المركزي» ووزارة المال حول خطورة الأزمة وتداعياتها على الاقتصاد بمستواه الكلي الرسمي والجزئي الشعبي.
ولكن الذي حصل بعد فترة وجيزة من عودة الوفد إلى لبنان اتخذ طابعاً دراماتيكياً؛ حيث تدخلت فجأة المؤسسات المالية الخليجية الرسمية وغير الرسمية بإجراء ترتيبات نقدية مع لبنان؛ مكنت المصرف المركزي من زيادة احتياطاته بالعملات الأجنبية؛ الأمر الذي جرى تفسيره بأنه حصل بتوصية من الولايات المتحدة.. لبنان الآن ليس على علاقة جيدة لا مع الولايات المتحدة، ولا مع دول الخليج.
فما هو الدرس والمغزى من هذا الحدث؟ وكيف يمكن مقارنته بما لدى لبنان اليوم من وسائل وأدوات داخلية وخارجية تمكنه من مواجهة الظروف الاقتصادية والنقدية الصعبة الحالية؟
أولاً: لم يكن الدين العام يومها مرتفعاً إلى الحد القياسي العالمي الذي هو عليه اليوم.
ثانياً: كان لبنان يسدد كل ما عليه من استحقاقات وفي مواعيدها بشكل حافظ فيه على الثقة العربية والدولية والمحلية، وليس كما حصل أخيراً عندما امتنعت حكومة الاختصاصيين ولأول مرة في تاريخ لبنان الاقتصادي والمالي عن دفع مستحقات اليوروبوند، ولا كما حصل لأول مرة في تاريخ لبنان المصرفي عندما امتنعت كل مصارف لبنان - وليس مصرفاً واحداً فقط كما خلال أزمة «انترا» - عن دفع الودائع لأصحابها بنفس العملة المودعة بها وقننت السحوبات حتى بما يقابلها بالعملة المحلية.
ثالثاً: كان مصدر الإمدادات النقدية يومها لمعالجة الأزمة الطارئة، دول الخليج، واليوم علاقات لبنان معها ليست كما كانت بالأمس عندما كانت ترد إلى لبنان من هذه الدول ودائع واستثمارات وعائدات سياحية؛ يواجه بها أزماته الاقتصادية والمالية والاجتماعية.
رابعاً: والدرس المهم الذي يمكن أن يتعلمه لبنان في المقارنة بين الأمس واليوم هو ضرورة تصحيح وإعادة هيكلة أوضاعه المالية والنقدية، وضرورة العمل على استعادة الثقة بقطاعه المصرفي واقتصاده وقضائه، وضرورة إعادة تصويب علاقاته مع محيطه العربي ومكانته في المجتمع الدولي، بما يمكنه من اجتياز صعوبات المرحلة المصيرية الراهنة، وتصحيح مساره الاقتصادي والسياسي في العالم.
* كاتب لبناني
ذوالفقار قبيسي*
في غمرة الجائحة الوبائية والأزمات الاقتصادية في العديد من البلدان العربية وبلدان الأسواق الناشئة، تتراجع واردات القطاع العام وتتقلص قدرة القطاع الخاص عن دفع الضرائب، مقابل ازدياد الحاجة إلى تلبية تصاعد النفقات ولا سيما نفقات شبكة الحماية الاجتماعية ودعم السلع المعيشية.
وللخروج من هذا الوضع المتعدد الأعراض الجانبية، يلجأ البعض بحثاً عن الحل إلى سيناريوهات غربية جعلها الأديب اللبناني عمر فاخوري عنواناً لكتابه «آراء غربية في مسائل شرقية» تمتد التناقضات فيها من خلال البرامج الانتخابية للأحزاب الغربية، من أقصى اليمين مروراً بالوسط إلى أقصى اليسار، وبرغم كل ما لدى هذه الأحزاب من الخبراء والكوادر العلمية ومن الإحصاءات والمعطيات الموضوعية، فكيف في الكثير من البلدان العربية حيث يغلب الطابع الفردي أو الحزبي أو السياسي على الاقتصادي والعلمي والموضوعي، وفي غياب إحصاءات موثوقة يمكن الاعتماد عليها في بناء قرارات كثيراً ما أخطأت أو قصرت عن محاكاة الواقع في عديد الحالات حتى في الدول المتقدمة.
والقصة الشهيرة عن ونستون تشرشل عندما تولى وزارة المال قبل الحرب العالمية الثانية واتخذ قرارات استناداً إلى احصاءات خاطئة، أساءت إلى الجنيه والميزان التجاري، وقال تشرشل يومها عبارته الشهيرة معلقاً على النتائج: هناك ثلاثة أصناف من الأكاذيب: البيضاء، والسوداء، والإحصاءات! التي -كما قال- هي أسوأها وأكثرها تخريباً وتدميراً للاقتصاد وللدولة والمجتمع.
أو عندما أقال الزعيم السوفييتي فلاديمير لينين رئيس الحزب الشيوعي في دولة أوروبية شرقية بعد أن زوده بإحصاءات خاطئة عن عدد عمال «البروليتاريا» الصناعية في بلده قائلاً له: لو أعلنا الثورة ضد النظام في بلدك اعتماداً على احصاءاتك لفشلت الثورة وانتهى الأمر بالرفاق إلى السجن!
أو عندما قررت اليونان في ظل أزمتها المصرفية المستعصية مقاضاة من أسمتهم «إحصائيون يلوون بالأرقام ذراع الحقيقة» أعلنوا احصاءات خاطئة عن حجم الدين العام اليوناني، وعن نسبة العجز في الموازنة عام 2009 بأنها 15,8% من الناتج المحلي الاجمالي بدلاً من 12% بما عطل إلى حد بعيد برنامج المساعدات الأوروبية لليونان وألحق أضراراً كبرى بالاقتصاد، طلب المدعي العام عقوبة السجن لمسؤولين متهمين في مؤسسات إحصائية يونانية تراوحت بين 5 إلى 10 سنوات!
والمشكلة لا تقتصر أحياناً على الاحصاءات التي ولو صحت، فإن البرامج الاقتصادية التي يطرحها المرشحون للانتخابات الأوروبية أو الأمريكية، تكشف عن فروقات هائلة في السيناريوهات ممن يدعون إلى رفع الحد الأدنى للأجور وتقوية شبكة الحماية الاجتماعية عبر تحميل أثقالها للشركات الكبرى أو للثروات الضخمة، كما حدث أخيراً في خطة الرئيس الأمريكي جو بايدن، أو في برامج المرشحين اليساريين في فرنسا الذين كان من بينهم قبل حوالي 10 سنوات المرشح الاشتراكي (رئيس الوزراء فيما بعد) فرنسوا هولاند الذي دعا خلال حملته الانتخابية إلى فرض ضريبة 75% على أي مداخيل تفوق المليون يورو، وذهب مقابله المرشح Luc Melenchon المدعوم من الشيوعيين إلى الحد الأقصى بفرض ضريبة 100% على أي مداخيل تفوق ال360 ألف يورو!!! وفي وقت كان المرشحون اليمينيون في أوروبا عموماً يدعون إلى «عدم ذبح» ما يسمونه «الوزة الذهبية» The Golden Goose التي تنتج البيض، أو مؤسسات القطاع الخاص بالمزيد من الضرائب ولو على حساب بعض المكتسبات العمالية، وهي السياسة الاقتصادية التي اعتمدتها بريطانيا في حينه بخفض الضرائب على المداخيل الى ما بين 50 و40% بسبب أن بريطانيا أكثر قدرة من فرنسا والعديد من الدول الأوروبية على التحقق من الضرائب على مختلف القطاعات.
كما هي السياسة نفسها التي اعتمدتها حكومة التكنوقراط في إيطاليا بغرض زيادة قدرة الصناعات الإيطالية على منافسة باقي الصناعات الأوروبية، أو عندما فعلت فرنسا العكس برفع أجرة العامل ب10% أعلى من أجرة العامل الألماني، رغم تراجع الصادرات الفرنسية مقابل تقدم الصادرات الألمانية، ما أدى إلى مخاطبة رئيس الوزراء الفرنسي المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل «إن إلمانيا ليست أوروبا، وأوروبا ليست ألمانيا».
* كاتب لبناني