صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
ريان ماكماكين
تنفيذي في «معهد ميزس»
أحدث مقالات ريان ماكماكين
16 يناير 2024
رسائل الفيدرالي المتضاربة

ريان مكماكين *
أصدرت اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة التابعة لبنك الاحتياطي مؤخراً محضر اجتماعها في ديسمبر/كانون الأول، والذي عزز وجهة النظر التي يتبناها العديد من المستثمرين والمراقبين في «وول ستريت»، بأن المركزي يعتزم البدء بسلسلة من التخفيضات في أسعار الفائدة بحلول منتصف العام الجاري.

ويتوافق هذا ضمناً مع أعضاء اللجنة الفيدرالية أنفسهم، الذين اقترحوا بأغلبية ساحقة في ملخص توقعاتهم الاقتصادية «داخلياً» خفض سعر الفائدة بما لا يقل عن 50 نقطة أساس هذا العام، ونطاقاً مستهدفاً أقل للسعر على الأموال الفيدرالية بحلول نهاية عام 2024.

كل هذا يعطي الانطباع بأن الاحتياطي الفيدرالي مستعد لتخفيضات وشيكة في أسعار الفائدة. ولكن مع ذلك، فإن رسائل البنك الشاملة مصممة على إيصال أي شيء للجمهور الأوسع إلا الوضوح. ومن خلال التشويش، يتضح كيف تسعى أكبر مؤسسة مالية عالمية لخدمة المصالح السياسية المختلفة، وتجنب المزالق المتمثلة في جموح التضخم والركود الاقتصادي.

فعلى سبيل المثال، قبل شهر واحد من هذا التحول الأخير نحو خفض سعر الفائدة، شدد رئيس الفيدرالي جيروم باول للصحفيين على أن اللجنة ليست لديها خطة على الإطلاق لخفض الأسعار. وبطبيعة الحال، لم يتراجع معدل التضخم إلى الهدف الاعتباطي الذي اخترعه المركزي قبل نحو عشرين عاماً 2%، حيث بلغت القراءة الشهر الفائت 3.9%، أي ما يقرب من ضعف المعدل المستهدف، ونمت معدلات التوظيف بشكل طفيف فقط.

في المقابل، أدت تعليقات باول إلى ارتفاع السوق، واعتبرها المستثمرون مؤشراً لجولة جديدة من الأموال السهلة قيد الإعداد في عام 2024. ويكاد يكون هذا صحيحاً بالفعل، لكن موظفي الاحتياطي الفيدرالي تجنبوا الحديث عن المال السهل. وقال رئيس البنك في نيويورك جون ويليامز في اليوم التالي: «نحن لا نتحدث عن تخفيضات أسعار الفائدة في الوقت الحالي».

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فبعد يوم واحد من تصريح ويليامز بأن تخفيضات أسعار الفائدة ليست مطروحة على الطاولة بعد، أعلن أوستان غولسبي، رئيس الفيدرالي في شيكاغو، أن البنك يجب أن يبدأ في القلق بشأن التوظيف. وعلى حد قوله: «يتعين علينا أن نفكر في مدى التقييد الذي نريد أن نكون عليه، وهل هناك مخاطر على جانب التوظيف؟» ما يعنيه هو أن بنك الاحتياطي الفيدرالي شعر بالقلق مبكراً بخصوص التضخم ولفترة كافية، وقد حان الوقت الآن للعودة إلى الأموال السهلة والرخيصة للحفاظ على معدلات تشغيل العمالة مرتفعة.

إذن، كيف لنا أن نفسر كل هذه الرسائل المختلطة من جانب المركزي الأمريكي؟ فهو لم يعد مؤسسة سوق، بل قضية سياسية يحاول باول واللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة من خلالها ممارسة لعبة معقدة تتمثل في موازنة التوقعات بين مجموعات رئيسية معينة. ولا ينبغي بكل تأكيد أن ننظر إلى الأمر برمته وكأن البنك مليء بالعلماء المحايدين الذين يذهبون إلى حيث تأخذهم الأرقام والبيانات، كما يزعم مسؤولوه، فهم بذلك إما يكذبون أو يمزحون.

وبحسب معهد «ميزس»، سيسعى الاحتياطي الفيدرالي في عام الانتخابات الرئاسية الجاري، على الأقل، إلى تجنب رفع سعر الفائدة المستهدف أكثر، لأن ذلك قد يُسرع بحدوث الركود. فالبنك يرغب في بقاء الإدارات الأمريكية المتعاقبة راضية عنه، وهذه هي الحال منذ عقود. ولتحقيق هذه الغاية، يُفضل دوماً خفض سعر الفائدة المستهدف على الفور، لكنه يخشى في المقابل رد الفعل العام تجاه المزيد من تضخم الأسعار، وهذا يعني مجرد «توقف مؤقت» على المعدل المستهدف.

لذلك يسعى الفيدرالي باستمرار لتحقيق الأمرين في وقت واحد، خفض الأسعار ومحاربة التضخم، وإحدى الاستراتيجيات التي يستخدمها للوصول إلى هدفه هي التلميح بشكل متكرر بأن تخفيضات أسعار الفائدة تلوح في الأفق، دون إجراء خفض فعلي. وهذا أمر مجسد بوضوح في تقرير ديسمبر الأخير، والذي يلمح للمستثمرين بأن التدفقات النقدية المعتمدة على المال السهل سوف تتحسن قريباً.

لكن ما يمكن وصفه ب«قريباً» لا يتم تحديده مسبقاً تماماً، فهذا لا يهم البنك المستمر باللعب على وتر التوقعات. وبهذه الطريقة، يستطيع الحفاظ على سعر الفائدة المستهدف ثابتاً خوفاً من تضخم الأسعار من ناحية. ومن ناحية أخرى، يمكن أن يعد بشكل غامض بتخفيض أسعار الفائدة عند أول علامة على وجود مشكلة حقيقية. ومع ذلك، فإن المحضر أكثر وضوحاً حول ما إذا كان سعر الفائدة المستهدف سيرتفع، وتشير الوثيقة بقوة إلى أن السعر من المرجح أن يكون عند ذروته أو بالقرب منها خلال دورة التشديد هذه.

سيواصل مسؤولو «وول ستريت» وإدارة بايدن الضغط من أجل تخفيض سعر الفائدة. لكن، في ظل وضعنا الحالي، لا ينبغي لسوق المال ولا البيت الأبيض توقع أن تؤدي التخفيضات إلى أي معجزات اقتصادية. وكما كتب الاقتصادي الإسباني دانييل لاكال: «قد تُخفض البنوك المركزية أسعار الفائدة دون أي حلول حقيقية أو تأثير ملموس في الاقتصاد الإنتاجي». ويقصد أن ذلك لن يفعل الكثير لدعم قضايا التوظيف والوضع الاقتصادي العام.

عندما يبدأ بنك الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة، فهو رهان آمن جداً على أن الركود في الطريق. لأن التخفيضات الأكبر في الأسعار غالباً ما تشير إلى مشاكل أكبر. ولكن قبل أن يدرك الجمهور الأمر، سيُفلت الفيدرالي من المسؤولية عبر توجيه رسائل غامضة ومشوشة ومتناقضة تعطي الانطباع بأنه يقوم بضبط أداة اقتصادية حساسة، بينما هو في الواقع لا يمارس سوى لعبة اعتاد عليها.

* محرر تنفيذي في معهد ميزس

14 نوفمبر 2023
تقرير الوظائف المثير للقلق

ريان ماكماكين *

ربما كانت الأرقام الواردة في تقرير الوظائف الأمريكي الأخير، الذي أضاف 150 ألف وظيفة، من بين أفضل الأخبار التي يمكن تتبعها في هذا الوقت. ولكن بمجرد أن نتعمق أكثر في التفاصيل، نجد أدلة واضحة على أن قوة الوضع الوظيفي المشار إليها مبالغ بها إلى حد كبير، في وقت تسلط فيه الكثير من المؤشرات الضوء على مشاكل في الاقتصاد المتوتر بالفعل، وما نجم عنه من حالات إفلاس متزايدة، وتراكم في الديون، وسحق للمدخرات.

لقد شغلت الوظائف الحكومية أكثر من ثلث نمو العمالة الجديدة في تقرير أكتوبر/تشرين الأول. وعلى وجه الدقة، كان هناك 51 ألف وظيفة حكومية جديدة من بين 150 ألفاً تم خلقها الشهر الماضي. وبالنظر إلى النمو في الوظائف الحكومية الجديدة مقارنة بالإجمالي، فإن معدل أكتوبر البالغ 34% يعد الأعلى منذ 2010، حين أظهر شهر يوليو/تموز من ذلك العام نسبة أعلى من الوظائف الحكومية محركاً لخلق فرص عمل جديدة. عدا عن أن الاتجاه خلال العامين الماضيين كان تصاعدياً بشكل واضح، حيث اعتمدت البيانات الجيدة للوظائف أكثر فأكثر على النمو في الحكومية منها لتحقيق إجمالي التقارير «الضخمة» التي شهدناها في عامي 2021 و2022.

علاوة على ذلك، صحيح أن المسح الأخير (الخاص بالمنشآت) أظهر نمواً فعلياً في الوظائف، لكن البيانات غير الرسمية (الخاصة بالأسر) أظهرت انخفاضاً فعلياً بمقدار 348 ألف شخص على أساس شهري في العدد الإجمالي للأشخاص العاملين. وهذا أكبر تراجع شهري في عدد العاملين منذ إبريل/نيسان 2020 في ذروة «كوفيد- 19». مع الأخذ بعين الاعتبار أن الفجوة بين المسحين آخذة في الاتساع بشكل واضح منذ أوائل عام 2022، لتبلغ الشهر الماضي 2.6 مليون شخص.

وتشير هذه الفجوة أيضاً إلى أن المزيد من العمال يشغلون اليوم وظائف متعددة. وهو ما أظهرته بالفعل أحدث البيانات ذات الصلة. وبطبيعة الحال، يمكن أن يكون شغل العديد من الوظائف علامة على الازدهار، كما كانت الحال في عامي 2007 و2019. لكن، في اقتصاد يتسم بتضخم الأسعار الراسخ كما هي الحال الآن، يُنظر إلى هذه الظاهرة على أنها دليل على ازدياد ضغوط النفقات المعيشية. وهذا السيناريو الأخير معقول بالنظر إلى بيانات التوظيف التي أشارت أيضاً إلى استمرار التباطؤ في ارتفاع الأجور. فمتوسط الأجر في الساعة خلال أكتوبر ارتفع بنسبة 4.1% على أساس سنوي، وهي الزيادة الأكثر تباطؤاً في 29 شهراً.

ومن الأخبار السيئة الأخرى الواردة بين أسطر تقرير الوظائف، حقيقة أن «خدمات العمالة المؤقتة» قد تعمقت في المنطقة السلبية للشهر الحادي عشر على التوالي، منخفضة 6.1% على أساس سنوي. وهذا هو أكبر تراجع منذ حقبة «كوفيد- 19». مما يشير بقوة إلى أن الركود قادم، ففترات الركود الأربع الأخيرة سبقها نمو سلبي للوظائف المؤقتة.

ومع ذلك، تُصر وسائل الإعلام الخاصة بالشركات على توصيف الوضع الاقتصادي الراهن بأنه لا يمكن أن يكون أفضل مما هو عليه الآن. وعبارات مثل «ليس هناك ركود في الأفق» باتت هي المفضلة لهم. ومثال ذلك مقال نشرته مؤخراً صحيفة «وول ستريت جورنال» لغريغ آي بي حمل عنوان «الاقتصاد عظيم.. لماذا مزاج الأمريكيين معكر؟» ومثله الاقتصادي الأمريكي بول كروغمان، الذي أشار إلى أن الاقتصاد «جيد بالتأكيد».

بطبيعة الحال، تتجاهل مثل هذه التحليلات أرقاماً مثل خسارة 348 ألف وظيفة في شهر أكتوبر الماضي، ونمو الأجور الباهت تماماً. علاوة على ذلك، لا يوجد اعتراف يذكر بأن المستهلكين باتو على دراية تامة وتأثير مباشر بالتداعيات الحقيقية لتضخم الأسعار منذ أزمة كورونا. فعلى سبيل المثال، ارتفعت أسعار المأوى بنسبة 17% منذ عام 2021، في حين زاد متوسط الدخل بنسبة 13% فقط. وفي العديد من الأسواق، يكون ارتفاع الأسعار أسوأ بكثير من ذلك.

في المقابل، يحاول المؤمنون الحقيقيون بمؤشر أسعار المستهلك أن يؤكدوا لنا أن تضخم الأسعار أصبح الآن تحت السيطرة الكاملة، وأن الأجور الحقيقية تتجه نحو الارتفاع. لكنهم نسوا أن الأجور الحقيقية انخفضت لمدة عامين كاملين من 2021 إلى 2023، وأن مؤشر أسعار المستهلك من المحتمل ألاّ يقيس الحجم الحقيقي لارتفاع الأسعار.

وفي جانب متصل، وضع الاحتياطي الفيدرالي نفسه في مأزق، وعليه أن يختار بين استمرار الضعف الاقتصادي والسماح للمزيد من تضخم الأسعار بنهب الاقتصاد. لذلك، اضطر المركزي لرفع أسعار الفائدة بشكل قياسي، متناسياً أن هذا قد يؤدي بطبيعة الحال إلى المزيد من حالات الإفلاس والقضاء على عدد لا يحصى من الشركات المتأرجحة بالفعل، والتي تعتمد على أسعار الفائدة المنخفضة للصمود. أما بالنسبة لتلك التي نجت، ستواجه خطر ديون أعلى وإمكانية وصول أقل لرأس المال، حيث أصبحت القروض التجارية الجديدة أكثر كلفة، ما يعني تسريح العمال وانخفاض الطلب على التوظيف.

فهل لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي خطة سحرية لتوجيه الاقتصاد نحو الهبوط الناعم؟ بالطبع لا، حتى الآن على الأقل؛ بل على العكس لا يزال اقتصاديوه يزعمون أو يتوقعون الأفضل. مثلما حصل عام 2008، عندما تم إنكار حالة الركود على الرغم أنها كانت مستمرة لعدة أشهر.

في نهاية المطاف، يشكك كثيرون بتوقعات الفيدرالي الأمريكي، لأنها تخطئ دوماً في نشر الأخبار المبهجة حول الاقتصاد الأوسع.

* محرر تنفيذي في معهد ميزس

25 أبريل 2023
المعروض النقدي الأمريكي

ريان ماكماكين *

انخفض نمو المعروض النقدي للولايات المتحدة إلى المنطقة السلبية للمرة الثانية في فبراير/شباط الماضي، وذلك بعد نوفمبر/تشرين الثاني عام 2022، والتي كانت المرة الأولى منذ ثمانية وعشرين عاماً.

وعلى أساس سنوي، كانت آخر مرة تراجع فيها المعروض النقدي، وهو الكمية الإجمالية للأصول النقدية المتاحة في اقتصاد ما وفي وقت محدد، إلى المنطقة السلبية في نوفمبر من عام 1994. في ذلك الوقت، استمر النمو السلبي لمدة خمسة عشر شهراً، قبل أن يتحول إلى إيجابي مرة أخرى في يناير/كانون الثاني عام 1996.

وخلال فبراير، بلغ النمو السنوي للمعروض النقدي (-6.6%)، وهو أقل من معدل يناير (-5.0%)، وانخفاضاً عن معدل نفس الفترة من عام 2022 والبالغ آنذاك (6.9%). ومع هذه المعدلات السلبية، يقترب انكماش المعروض النقدي من أكبر انخفاضات رأيناها منذ عقود. فلم يحدث في وقت من الأوقات طيلة ستين عاماً على الأقل أن انخفض المعروض النقدي للولايات المتحدة بأكثر من 5.6% في أي شهر.

ومقياس المعروض النقدي المستخدم هنا هو مقياس «روثبارد ساليرنو»، الذي طوره موراي روثبارد وجوزيف ساليرنو، وهو مصمم لتوفير بيانات أفضل لتقلبات عرض النقود من مقياس M2، ويختلف عنه من حيث شموليته لودائع الخزانة في الاحتياطي الفيدرالي، ويستثني الودائع قصيرة الأجل وصناديق أموال التجزئة.

إلى ذلك، يمكن أن يكون نمو المعروض النقدي في كثير من الأحيان مقياساً مفيداً للنشاط الاقتصادي، ومؤشراً على فترات الركود القادمة. فخلال فترات الازدهار الاقتصادي، ينمو المعرض النقدي بسرعة حيث تقدم البنوك التجارية المزيد من القروض. ومن ناحية أخرى، يسبق حالات الركود عادة تباطؤ في معدلات نمو المعروض النقدي.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن النمو السلبي في المعروض النقدي ليس مقياساً له مغزى بحد ذاته، لكن الانحدار إلى المنطقة السلبية التي شهدناها في الأشهر الأخيرة يكشف وبشكل واضح مدى وسرعة انخفاض نمو المعروض الذي يُعد بشكل عام علامة خطيرة للنمو الاقتصادي والتوظيف لأي بلد.

انخفض المعروض النقدي للولايات المتحدة الآن بمقدار 1.7 تريليون دولار، أو 8% منذ ذروة إبريل/نيسان 2022. وبالأرقام الأولية، يعتبر هذا بالتأكيد أكبر انخفاض شهدته البلاد. ولكنه من حيث النسبة المئوية، لا يتفوق على أمثاله في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات. فقد كان خلق الأموال (أو استحداثها) منذ عام 2009، وتحديداً منذ عام 2020، كبيراً جداً لدرجة أن انخفاضاً قدره 1 تريليون دولار يُعد صغيراً نسبياً. وعوضاً عنه، يجب أن ينخفض المعروض النقدي بمقدار 5 تريليونات دولار أخرى، أو أكثر من 25% للعودة إلى مستويات ما قبل عام 2009.

في الواقع، منذ عام 2009، تم استحداث 13.4 تريليون دولار إضافية من المعروض النقدي الأمريكي الحالي، الذي نما وفقاً لمقياس «روثبارد ساليرنو» بنسبة 200% إلى نحو 21 تريليون دولار، منها 5.8 تريليون منذ يناير 2020 (أو 28%). بعبارة أخرى، تم استحداث ما يقرب من ثلثي المعروض النقدي على مدار الثلاثة عشر عاماً الماضية.

وبالتالي، فإن انخفاضاً بنسبة ثمانية في المئة له تأثير طفيف إلى حد ما على كومة الأموال الضخمة التي تم إنشاؤها حديثاً. كما أن الاقتصاد الأمريكي لا يزال يواجه عبئاً نقدياً كبيراً للغاية عبر السنوات الماضية، وهذا هو السبب جزئياً في أننا وبعد تسعة شهور من تباطؤ نمو المعروض، لم نشهد بعد تباطؤاً كبيراً في سوق العمل.

ومع ذلك، كان التباطؤ النقدي كافياً لإضعاف الاقتصاد إلى حد كبير. فانخفضت أسعار المساكن، وارتفعت ديون بطاقات الائتمان، وارتفعت معها حالات التأخر في سداد القروض الاستهلاكية، وانخفضت فرص العمل واضمحلت آفاق التصنيع.

ووسط هذه المعطيات، لم يكن مستغرباً أن يبدأ بنك الاحتياطي الفيدرالي أخيراً حملة التشديد بعد أكثر من عقد من التيسير الكمي والتفاني العام في الحصول على المال السهل. وسمح الفيدرالي لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية بالارتفاع إلى خمسة في المئة. وهذا يعني أيضاً ارتفاع أسعار الفائدة قصيرة الأجل بشكل عام. وفي مارس/آذار، على سبيل المثال، اقترب العائد على سندات الخزانة لمدة 3 أشهر من أعلى مستوى له منذ 16 عاماً.

وهذا يعني مشكلة لجميع الشركات وبنوك الزومبي التي أصبحت تعتمد بشكل كبير على المال السهل. فقد جعلت الفترة الطويلة من الأموال السهلة البنوك تعتمد بشكل كبير على سندات الخزانة طويلة الأجل منخفضة العائد، وعلى الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري.

ومع ذلك، أجبر التضخم العنيد الآن الفيدرالي على السماح بسلسلة متتالية من أسعار الفائدة المرتفعة مصحوبة بتقلص المعروض النقدي. لتجد البنوك نفسها فجأة لا تملك دخلاً كافياً (من تلك الأوراق المالية القديمة منخفضة الفائدة) تدفع به فواتيرها في زمن معدلات الفائدة المرتفعة. فظهرت أولى علامات عدم تطابق العائد مع فشل بنك وادي السيليكون وبنك سيجنتشر.

وبالتالي، أحجمت البنوك عن رفع أسعار الفائدة على الودائع، مما أدى إلى انخفاض تاريخي في الودائع المصرفية مع انخفاض ودائع مارس إلى المنطقة السلبية أكثر من أي شهر آخر في أكثر من 50 عاماً.

يشير كل هذا إلى تراجع سريع في النشاط الاقتصادي داخل اقتصاد أُفرغت فيه المدخرات والاستثمارات الحقيقية بأكثر من عقد من المال السهل. وبدون اقتصاد موجه نحو المدخرات الحقيقية وزيادة الإنتاجية، سيؤدي التضخم النقدي المستمر إلى زيادة تضخم الأسعار سوءاً. وفي هكذا اقتصاد هش، كان على الاحتياطي الفيدرالي أن يختار بين ارتفاع تضخم الأسعار من ناحية، والنظام المصرفي المترنح على حافة الهاوية من ناحية أخرى.

* تنفيذي في «معهد ميزس»