صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
ستيف فولر
أحدث مقالات ستيف فولر
12 مايو 2012
مستقبل الصراع الأيديولوجي

يبدو أن الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي انتهت للتو تشير إلى أن الانقسامات القديمة بين اليسار واليمين لاتزال قوية كما كانت دوما، وبكل تأكيد في محل ميلادها . ولكن هل هذا صحيح؟

إن الطيف السياسي الحديث نتاج لترتيبات الجلوس في الجمعية الوطنية الفرنسية بعد ثورة 1789 . فإلى اليمين من رئيس الجمعية جلس أنصار الملك والكنيسة، في حين جلس إلى يساره خصومهم الذين كانت نقطة الاتفاق الوحيدة بينهم الحاجة إلى الإصلاح المؤسسي . ولقد استفاد هذا التمييز من ارتباطات ثقافية قديمة بين استخدامات اليد اليمنى واليد اليسرى، وبين الثقة والشك على التوالي، وفي هذه الحالة الوضع الراهن .

ومن اللافت للنظر الآن، بعد استعراض هذه الفترة، أن هذا التمييز نجح في تعريف الولاءات السياسية الحزبية لأكثر من مئتي عام، فاستوعب الحركات الرجعية والراديكالية الكبرى في القرنين التاسع عشر والعشرين . ولكن انحدار معدلات مشاركة الناخبين في أغلب الأنظمة الديمقراطية اليوم يشير إلى أن هذه الطريقة في تصور الاختلافات الأيديولوجية ربما عفا عليها الزمن . حتى إن البعض زعموا أن الأيديولوجيات والأحزاب لم تعد صالحة كتصنيفات صادقة في مشهد سياسي مفتت على نحو متزايد .

ولكن أحد الانقسامات التي تلوح في الأفق قد تعيد اختراع التمييز بين اليمين واليسار على نحو يتناسب مع القرن الحادي والعشرين: المواقف الاحترازية في مواجهة المواقف الفاعلة في التعامل مع المجازفة كمبدأ في وضع السياسات أو التشريع . وبالمصطلح الاجتماعي النفسي، نستطيع أن نقول إن الساسة الاحترازيين يوجهون تركيزهم التنظيمي نحو منع أسوأ النتائج، في حين يسعى الساسة الفاعلون إلى تعزيز أفضل الفرص المتاحة .

والواقع أن المبدأ الاحترازي هو الأكثر شهرة بين الاثنين، ويتجسد على نحو متزايد في التشريعات البيئية والصحية . فهو يُفهَم عادة باعتباره قسم أبقراط الذي ينطبق على البيئة العالمية: فهو يدور في المقام الأول عن تجنب الضرر . وعلى النقيض من هذا، يرتبط مبدأ الفاعلية بالمستقبليين الذين يرون أن كوننا بشراً يُعَرف وفقاً لقدرتنا على استباق الأحداث عندما يتعلق الأمر بخوض مجازفة محسوبة، سواء بالاستفادة من النجاح أو التعلم من الفشل .

ويتجلى الفارق بين المبدأين في أوضح صوره عند دراسة تأثيرهما في العلاقة بين العلم والتكنولوجيا . فالساسة الاحترازيون يتذرعون بعدم اليقين العلمي كحجة للحد من الإبداع التكنولوجي، في حين يشجع الساسة الفاعلون الإبداع باعتباره امتداداً لاختبار الفرضيات العلمية .

وهناك أيضاً فارق ضئيل فيما يتصل بتصور كل من المبدأين للبشر، فالنمط الاحترازي يطمح إلى بشرية مستدامة، وهو ما يعني على نحو ثابت إخراج عدد أقل من البشر إلى الوجود، والحد من تأثير كل منا على كوكب الأرض . أما أنصار مبدأ الفاعلية فيسعدهم أن يزيد عدد سكان الأرض من البشر بلا حدود، فتشكل هذه الزيادة سلسلة من التجارب الحية، بصرف النظر عن النتائج .

وليس من المستغرب ألا يشعر زعماء السياسة والمال التقليديون بالارتياح بشكل كامل إزاء أي من الفريقين . وفي كل الأحوال فإن الساسة الاحترازيين يقدمون الحفاظ على القيمة التجارية على النمو في الأولوية، في حين يسعى معسكر الساسة الفاعلين إلى حمل الدولة على تشجيع الناس على تجاوز المعايير والقواعد الحالية وليس الالتزام بها . فالشركة الاحترازية تبدو وكأنها نسخة مصغرة من الدولة التنظيمية اليوم، في حين تسعى الدولة الفاعلة إلى العمل كرأسمالي مغامر بشكل أكثر وضوحاً .

ولكن لعل المفهوم الأوضح غياباً عن كل من المنهجين هو مفهوم دولة الرفاهة، أننا قد نتناسل بلا حدود في عالم حيث تطمئن ذريتنا إلى حياة آمنة . ورغم كل الخلافات الكبرى بين الجانبين فإن كلاً منهما يرفض هذا الاحتمال باعتباره وهماً من أوهام القرن العشرين التي لم تتحقق في شمال أوروبا إلا لبضعة عقود من الزمان بعد الحرب العالمية الثانية .

ويكمن وراء هذا الرفض شعور بأن البشرية ذاتها تخضع لتحول هائل في فهمها لنفسها . بيد أن هذا التحول يتحرك في اتجاهين مختلفين تماماً في الوقت نفسه، وهو ما أطلقت عليه وصف البشرية 0،2 .

وتعيد الأنماط الاحترازية تعريفنا بأصولنا الحيوانية المتواضعة، والتي انحرفنا عنها زمناً طويلاً للغاية، في حين يسعى أنصار مبدأ الفاعلية إلى التعجيل بالابتعاد عن ماضينا التطوري . وهم لن يتورعوا على أقل تقدير عن إعادة هندستنا بيولوجياً، إن لم يكن بإبدالها بالكامل بأساس أكثر دواماً وتفوقاً على المستوى الفكري .

لا شك أن كلاً من هذين المبدأين يظل هامشياً نسبياً مقارنة بالخطاب السياسي السائد، ولكن من الممكن أن يعملا على تحويل المحور الأيديولوجي بمقدار تسعين درجة . إن اليمين اليوم مقسم إلى تقليديين ومدافعين عن الحريات؛ واليسار مقسم إلى أنصار الملكية الشيوعية والتكنوقراط . وفي اعتقادي أن التقليديين وأنصار الملكية الشيوعية سوف يشكلون في المستقبل القطب الاحترازي للطيف السياسي، في حين يشكل المدافعون عن الحريات العامة والتكنوقراط القطب الفاعل .

هذان هما اليمين واليسار الجديدان، أو بالأحرى الأسفل والأعلى . وسوف تظل إحدى المجموعتين ملتصقة بالأرض، في حين تتطلع المجموعة الأخرى إلى السماوات .

* أستاذ نظرية المعرفة الاجتماعية في جامعة وارويك، والمقال ينشر بترتيب مع بروجيكت سنديكيت

2 يوليو 2010
ثمن الحرية الأكاديمية

تُرى هل نستطيع أن نتحمل ثمن الحرية الأكاديمية في زمن الأزمة الاقتصادية؟ كان ذلك موضوع المناقشة في إطار التوقيع السنوي على الوثيقة العظمى للجامعات في جامعة بولونيا، أم الجامعات، في وقت سابق من هذا العام .

تشكل الوثيقة العظمى البيان الأكثر وضوحاً للمبادئ في مجال تعزيز وحماية استقلال الجامعات . وعلى مدى العقدين الماضيين وقع على هذه الوثيقة نحو سبعمائة من مؤسسات التعليم العالي في مختلف قارات العالم، ولكن يظل هناك رغم ذلك شعور مزعج بأن الجامعات أصبحت الآن من الكماليات، في حين يناضل الناس من أجل تغطية نفقاتهم الأساسية . وكان هناك دوماً ما يدعو إلى القلق . ففي الماضي كانت الجامعات تنشأ في أوقات الوفرة، لتشجيع الناس على التفكير في ما وراء الاحتياجات المباشرة المتعلقة بالبقاء والانتقال إلى أهداف روحانية أو وطنية أكثر استنارة . قبل حوالي خمسين عاماً، لاحظ ديريك دي سولا برايس، وهو أحد مؤرخي العلوم من ذوي التفكير الإحصائي، أن المؤشر الأفضل لقياس الإنتاج البحثي الأكاديمي هو متوسط استهلاك الفرد للطاقة في أي بلد، فكل منهما ينمو بنمو الآخر .

وهذا ليس بالأمر المستغرب، فمن وجهة النظر الاقتصادية البحتة، تحتاج الحرية الأكاديمية إلى الحصانة النسبية في ما يتصل بالتكاليف، سواء كان ذلك نابعاً من التجريب القائم على المحاولة والخطأ أو من التحديات الأكثر جذرية للوضع الراهن . ولكن هل يتعين على الجامعات الآن أن تحد من مطالبها من أجل تلبية احتياجات المجتمع الأكبر، خصوصاً في ما يتصل بحجم استهلاكها للكربون؟

إذا كان للجامعات أن تظل جامعات بالمعنى الذي أرساه في الأصل المحامون الذين أسسوا جامعة بولونيا، فإن الإجابة لابد أن تكون كلا . فضلاً عن ذلك، فإن هذا لا يشكل إهانة للاقتصاد، ذلك لأن توفر الكفاءة في الأوساط الأكاديمية يتسنى بمرور الوقت بفضل الأنشطة التي تقوم بها الجامعات ذاتها . والواقع أن الجامعات ربما تشكل المنتج الأكثر تماسكاً من حيث الأداء في مجال استثمار رأس المال الطويل الأجل، خاصة إذا كنا نميل إلى التفكير في الاستثمار الاجتماعي والاقتصادي من نفس المنظور بالضبط . إن المهمة المؤسسية الفريدة من نوعها والتي تضطلع بها الجامعات تتلخص في تصنيع المعرفة كسلعة عامة . والمعرفة الجديدة الناتجة عن أي بحث أصلي تُعَد شكلاً من أشكال تكوين رأس المال الاجتماعي، وهي تنتج عن التعاون بين الأكاديميين والممولين في تنفيذ مشاريع تهدف إلى تعزيز الميزة التنافسية لكل من الطرفين في مجالات اختصاصهما .

وعند هذه المرحلة فإن المعرفة تمثل ببساطة ملكية فكرية يقتصر الوصول إليها على العملاء القادرين على الدفع، ولكن الجامعات تضطلع أيضاً بمهمة التعليم، وهذا من شأنه أن يجعل المعرفة متاحة على نطاق أوسع، فيكسر بالتالي الاحتكار الفعلي الذي قد يتمتع به الباحثون والممولون لولا ذلك . والواقع أن مصطلح التدمير الخلاق الذي ابتدعه جوزيف شومبيتر في تعريف الروح التجارية يصف هذه العملية بقدر كبير من الدقة .

ويزعم القائمون على المعرفة المستندة إلى الكفاءة في التفكير أن مجرد طرح فكرة الجامعة، بوصفها مكاناً حيث يعمل نفس الناس على إنتاج وتوزيع المعرفة، يشكل ارتداداً إلى القرون الوسطى . لذا، يقال إن تسليم التعليم يتم اليوم على نحو أكثر كفاءة من خلال شبكة الإنترنت، وإن الوسيلة الأمثل لتسليم البحث العلمي هي من خلال المجمعات العلمية .

والكلمة اللاتينية التي تصف هذه القدرة تعني في اللغة الإنجليزية الفقر . ورغم أن الكلمة لا تحتفظ بدلالاتها الأصلية الفاضلة، فما زلنا مولعين بإنجاز المزيد بالاستعانة بأقل موارد ممكنة . وفي حالة الجامعة فإن هذا يعني السماح للمعرفة بالوصول إلى الطلاب الذين يفتقرون إلى الموارد الفكرية أو السياسية أو المالية التي كانت لتمكنهم من إنتاج المعرفة بأنفسهم . وتؤدي الجامعات وظيفتها الاقتصادية الطبيعية حين يتحدث الأكاديميون ويكتبون ببساطة، وحين يفكّون طلاسم اللغة الاصطلاحية، ويقدمون أفكارهم عبر وسائط إعلامية بديلة، ويؤكدون التطبيقات في مجالات لا تهم الأكاديميين أنفسهم .

وبهذا يعمل الأكاديميون على تمكين المعرفة من تقديم أقصى استفادة ممكنة بأقل تكاليف ممكنة لمتلقيها . والجامعات باختصار تثبت جدارتها كلما وجد الطلاب سهولة أعظم في استيعاب المعرفة الأكاديمية مقارنة بالسهولة التي أنتج بها الأكاديميون هذه المعارف في الأصل .

* أستاذ علم الاجتماع بجامعة وارويك، والمقال ينشر بترتيب مع بروجيكت سنديكيت