عبدالله محمد سعيد الملا
سنعرض هنا وباختصار بعض المفاهيم عن الدول، وسنعرض دورة حياة الدول، وأسباب ضعفها، وانهيارها كدول فاشلة (مارقة)، ثم سنلقي نظرة على إعادة بناء الدولة الفاشلة، وسنطرح بعض الاقتراحات لديمومة الدول، وتقهقرها نحو الضعف ثم الفشل.
إن الدول تحاكي دورة حياة الإنسان، فهو يولد ليموت، ويبدأ بمرحلة الولادة، ثم مرحلة الطفولة، تليها مرحلة الشباب والنضج، وبعدها مرحلة الشيخوخة، حتى تنتهي رحلة الحياة بالوفاة. وكل ما يصنعه الإنسان يحاكي دورة حياته، فتصيبها الأمراض، ولكنها تختلف عن أمراض صانعها.
وبالاطلاع على نظرية الدولة/الحكومة، وهما كلمتان مترادفتان، وقد كتب عنها ابن خلدون «كل دولة تنتقل بين خمسة أطوار هي: الظفر، والانفراد بالمجد، ثم الفراغ والدعة، ثم طور القنوع والمسالمة، ثم الإسراف والتبذير». وتختلف الدول عن الإنسان في الأمراض والموت، فهناك أشكال وأنواع عدة، من موت الدول، منها التحول من النظام الملكي إلى النظام الجمهوري، أو من النظام المدني إلى النظام العسكري وغيرها.. وهكذا تموت نظم الدول، ويعتبر تغيّر النظم ترتيباً داخلياً جديداً مع الاحتفاظ بسيادتها. وهناك موت كامل للدول، مثل الإمبراطورية الرومانية، إلا أن ما ينقص سيادة الدول هو تمدد الدول الأخرى بالاستحواذ علي جزء منها، والتمدد على جميع أجزائها، ما يفقدها سيادتها. ويتحقق هذا إما باستخدام القوة الخشنة، وإما القوة الناعمة. وقام ابن خلدون بتفسير سبب انهيار الدول مع الترف، بكونه السبب الأبرز في سقوط الدول عن طريق النخبة الحاكمة التي ترفل في النعيم، ناسية، أو متناسية، آلام شعوبها، وتقوم الدول هنا بفرض القوة المسلحة كلما دعت الضرورة لإسكاتها، ويؤكد أن الاستبداد و«الانفراد بالمجد» هو السبب الثاني الذي يؤدي لسقوط الدول. هنا تتعدد النظريات والأسباب التي تحاول تفسير سقوط الدول، وهنا برزت مؤخراً، نظرية تماسك المجتمع كمحدد لسقوط الدول، مهما كانت قوتها، وهذه النظرية هي الآن تحت المحك في الحرب القائمة بين إسرائيل والفلسطينيين. الطرفان في تناقض في تناسب القوة وتماسك المجتمع. وأذا تحققت هذه النظرية فإنها ستقلب النظريات التي سبقتها.
وهناك شبه إجماع على أن أسباب سقوط الدول واحد، وهو فشل مؤسساتها، أو الفشل في تقديم الاحتياجات الأساسية لمواطنيها، وعدم فعالية الحكومات.
وتعددت الأسباب والسقوط واحد، أما الموضوع هنا فليس أسباب سقوط الدول، بل ما هي العوامل التي أدت إلى هذه الأسباب، ومنها:
1- ارتفاع أعداد المواطنين الذين يعيشون تحت خط الفقر والبطالة.
2- اللجوء إلى المساعدات الخارجية والقروض من دون أن يكون هناك أي تطوير حقيقي ملموس، الأمر الذي يترتب عليه مديونية متصاعدة ترهق كاهل الموازنة العامة.
3- التدهور الاقتصادي الكبير في غياب التنمية الاقتصادية العادلة في التعليم والوظائف والدخل ومستويات الفقر، وتزايد النزعات الإثنية لهذه الدول.
4- غياب القدرة على تطوير وسائل الإنتاج والموارد الاقتصادية.
5- وصول الفساد إلى مستويات تدميرية.
6- تفاوت كبير في مداخيل الطبقات الاجتماعية لتنحصر في طبقتين، إحداهما فاحشة الثراء، وأخرى مسحوقة. وهناك أسباب أخرى، منها نضوب خزائن الدول والاعتماد على حليف واحد، وتوالي الحكومات الضعيفة بما يؤدي في النهاية إلى ضعف الدول، وتناحر الطبقة الحاكمة والتخبط في استراتيجياتها في علاقاتها الدولية، وانقلاب الرأي العام الدولي عليها.
أما الدول الفاشلة فهي الانزلاق إلى مستوى الدول الضعيفة التي تحتاج إلى إعادة بناء الدولة، وتعاني نقاط ضعف البنية الداخلية، وتتميز بأنظمة سياسية هشة، وعندها تدخل في الصراعات والاضطرابات الداخلية، والحروب الأهلية والإرهاب. وهذه جميعاً نتيجة ضعف الدول، بما يؤدي إلى انهيارها، لتصبح دولة فاشلة، وحكومتها ضعيفة، هشة ليس لديها القدرة على النمو الاقتصادي، وتعزيز التنمية، وهي مهددة بالانزلاق إلى دولة فاشلة.
ان إعادة بناء الدول يتطلب إعادة بناء المؤسسات الحكومية والاجتماعية، وهذا لا يتحقق الا بمساعدات خارجية. ومن أهم العوامل لإعادة بناء الدولة الفاشلة: المركزية الحكومية القوية التي تتمتع بالتأييد الواسع بين مواطنيها، وإعادة بناء المنظومة الأمنية، ومنها القوات الخاصة لحماية المراكز العليا للحكومة، والاستثمار في البنية التحتية التي تخلق فرص عمل، وتطوير المنظومة التعليمية والطبية، وإنشاء الأجهزة الاجتماعية الحكومية وغير الحكومية، وضخ المعونات الاجتماعية، بحيث يشعر المواطنون بأن الحالة أفضل من السابق، وهنا تعتبر الاستدامة خير علاج لديمومة الدول، وقد عرفت الأمم المتحدة الاستدامة بها «تعني تلبية حاجات الحاضر، من دون المساس بقدرات الأجيال المستقبلية على تلبية حاجاتها الخاصة».
إن الاستدامة تتطلب التركيز على الاستثمار المستمر في بناء البنية التحتية، وهي أحدى عناصر قوة الدول، وكذلك العلم والتعليم وتطوير المدن الصناعية المتخصصة، والتكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد القوي المتميز، والقوة العسكرية، والأمن والأمان.
عبد الله محمد سعيد الملا
تتكون العملة الموحدة من اندماج عملات دول في عملة واحدة كما هو الحال في تجربة اليورو كعملة موحدة لدول الاتحاد الأوروبي، وطُرحت فكرة اليورو في 1999/1/1 وتم طبعها وإنزالها في السوق المالي 2004 بعد الموافقة على رمز اليورو، وتطلّب هذا اقتراحات وأموراً مختلفة حول العملة الجديدة (اليورو) تطلبت موافقة 22 دولة، فتصوّرا كم كانت هذه المفاوضات معقدة وعدد الاجتماعات للتوصل إلى اتفاق مشترك على الأمور الهيكلية لليورو، وكانت أكثر جدلاً، ومن أهمها اسم العملة EURO، والرمز المالي للعملة EUR، وشعار العملة، وهذه من الأمور التي كونت شخصية العملة وفتحت الباب لها لتكون عملة نقدية معروفة، وكما كانت شخصية اليورو مهمة لهم كذلك فهي مهمة لعملة البريكس أيضاً، وهناك أفكار واقتراحات تدور على ماهية شخصية البريكس، وهنا ستطرح أحد هذه الخيارات اسم العملة ERICS، ورمزها المالي BRX، وشعار العملة.
أما المعضل الثاني فهو ولادة عملة موحدة جديدة، وهنا نتطرق إلى تجربة اليورو، فقد تم إصدار اليورو على نحو فعلي خلال عام 2002، وتم التخلي عن العملات الوطنية بشكل تدريجي. إصدار عملة البريكس الموحدة يتطلب الكثير من الفنيين الماليين والقانونيين اللذين سيطرحون اقتراحاتهم حول صور العملة الورقية النقدية والمعدنية، ومقاييسها، وكيفية طرحها في السوق على أي إطار قانوني، وهذا يشكل أكبر تعقيد، وبصفة عامة كانت هناك 3 مسارات لترسية اليورو، حيث ألغيت ضوابط الصرف، وبالتالي جرى تحرير حركة رؤوس الأموال بالكامل في الجماعة الاقتصادية الأوروبية، وتوصل القادة إلى اتفاق بشأن اتحاد العملات ضمن معاهدة «ماسترخت»، وهنا تبرز الحاجة إلى اتفاقية بين قادة البريكس حول العملة وإعطائها الإطار القانوني مع البنود المختلفة، وتم تحديد القيمة/ سعر اليورو مقابل الدولار 1.19 دولار لليورو، ثم ترك السعر لمتقلبات أسعار السوق.
أما المعضل الثالث فهو بنود الاتفاقية، التي تعتبر العمود الفقري لنجاح العملة الموحدة الجديدة للبريكس وإطاراً تشغيلياً لها، ومن أهم هذه البنود:
1 - الإطار القانوني للعملة، وشخصيتها، وكيفية تداولها وتركيبها القانوني.
2- وضع مقياس لسعر عملة البريكس، فمثلاً إذا كان سعر البريكس الواحد يساوي دولاراً واحداً وهذا يعني أن كل 3.67 درهم إماراتي يتحول إلى بريكس واحد، و38 روبية هندية تتحول إلى بريكس واحد، وهكذا يتم حساب عملات الدول الأعضاء في البريكس.
3- البنك المركزي.. أين سيكون مقره؟ وكيف يتم تعين محافظ البنك وأعضاء مجلس الإدارة؟
تجربة البنك المركزي الأوروبي (ECB) كأعلى مؤسسة نقدية للاتحاد الأوروبي (EU)، وهو الذي يتحكم في عملة اليورو (EUR) والشؤون النقدية والمالية في منطقة اليورو، ومقره فرانكفورت ألمانيا.
٤- السكرتارية لها تركيبتها الخاصة ومقرها بروكسل بلجيكا، وقد وضع شرط في نسبة التضخم يجب الالتزام به قبل دخول دولة محيط اليورو، مثلاً إذا حددت البريكس نسبة التضخم 3% في الدول المشاركة كشرط مسبق مع بنود أخرى.
وأخيراً هناك اقتراحات تجعل من البريكس الترتيب الجديد، ومنها إنشاء هيئة التجارة المشتركة للبريكس يتم من خلالها فض النزاعات التجارية فيما بين الأعضاء، وتشجيع التجارة، والتوصل إلى قواعد وقوانين، وهناك اقتراح بتشكيل مجلس للبريكس والذي يتداول ويوافق على القوانين الخاصة وإنشاء المنظمات الإنسانية، وكما رأينا في اليورو فمقرات مؤسساته منتشرة بين الدول الأعضاء، وهذا النموذج سنراه في البريكس في مدن مختلفة، وهذا سيكون نتاج هيكل البريكس. إن إخراج البريكس يتطلب الكثير من الوقت والعمل والمثابرة.