محمد إسماعيل زاهر
يذكّرنا المسرح بأن الجدية لا تزال لها قيمة في هذا الواقع الذي بات يمتلئ بالسطحية، التي أصبحت سمة مميزة لعصرنا مع التكنولوجيا الفائقة الحداثة. المسرح بما يطرحه من هموم ويناقشه من قضايا ويثيره من مسائل حيوية أبعد ما يكون عن تفاهة باتت تقتحمنا، عن صورة أصبحت تغزو عيوننا من كثرة التحديق في الهاتف، يأتي المسرح هنا ليقول لنا: «لحظة انتباه، لتنفصلوا عن الروتين اليومي المعتاد ولتبقوا معي قليلاً».
تذكرنا الحوارات المسرحية والتي تهدف إلى إثارة الوعي وإعمال العقل، بزمن كان للحوار فيه الوزن الأكبر في حياتنا، عندما كنا نتناقش، نجتمع ونتكلم، نتفق، ونختلف، نصل إلى نتيجة محددة أو نترك الباب مفتوحاً لإضافات نقاشية لاحقة، في ذلك الوقت كان للكلام قيمة وللحوار مكانة، وللعقل الكلمة الفصل، وللاختلاف متعة كبيرة وخاصة، أما في هذا العصر فلا حوار، مجرد صراخ وجدال فارغ وكلام منزوع الدسم والقيمة والمكانة.
تذكرنا القاعات المسرحية بحميمية التواصل بين البشر، عندما كنا نلتقي، نقترب من بعضنا البعض، نسأل عن أحوالنا ونستعيد ذكرياتنا ونناقش أوضاعنا، كان للقاء المباشر سحره الخاص، الآن كل واحد منا يعيش في شرنقته الخاصة، لا يهتم بالآخرين، وإذا كان يتابعهم فعن بعد، تفتت الروابط، ومع تفككها أصيبت القلوب بالعطب، وتحجرت المشاعر كثيراً، وتخفينا عن بعضنا في أيقونات وحيل تقنية سخيفة.
تذكرنا أوقات مشاهدة العرض بلحظات من الانتباه والهدوء والإنصات إلى الآخرين، في زمن يتكلم فيه الجميع في الوقت نفسه، ولا أحد ينبه إلى ما يقوله الآخر، فحتى في عصرنا هذا لا ننتبه كثيراً أننا لم نعد نحاور الآخرين أو نلتفت إليهم أو نستمع إلى وجهة نظرهم، والأكثر مدعاة للأسى أننا لم نعد ننصت حتى إلى صوتنا الداخلي، تغيرت طبيعتنا جداً كما لم يحدث في الماضي، هنا يأتي العرض ليفصلنا لمدة ساعة أو أكثر ننخرط فيها في ما يدور أمامنا ننصت ونشاهد، نتأمل ونفكر، نستمتع بالفرجة، ونتدبر الفكرة.
يذكرنا المسرح بأن هناك حقلاً ثقافياً لا يزال متماسكاً في عصر عصفت فيه التكنولوجيا بكل شيء، غيرت جوهرياً في موضوعات وتقنيات السرد، هاجمت بسطحيتها الشعر الذي لا يزال يقاوم لعل وعسى، حولت العديد من الفنون إلى تكوينات هجينة لا طعم لها، تفتقد إلى الروح الوثابة وإلى العمق، هنا يبدو أن المسرح بقوانينه التي لا يزال يحتفظ بها أحد خنادق المواجهة الأخيرة التي ترفض ارتهان الفن والثقافة لكل ما هو عابر ومتغير وخاضع لقوانين التفاهة.
يذكرنا المسرح بلحظة نكون فيها أقرب إلى حقيقتنا، من خلال أطروحات تعري الزيف، وأفكار تنزع الأقنعة، لتقول لنا بصراحة ومن دون مواربة، من نحن، تكشف عن نقاط ضعفنا، وتهبنا الكثير من القوة، وتمنحنا بعض السلام مع النفس.
يذكرنا المسرح بتاريخ طويل من الفن مر بمراحل عديدة، وتطورات تثير الشغف، ومن خلال غمضة عين وفي أقل من لمحة نستعيد تاريخاً لا يبدأ من المسرح اليوناني ولا ينتهي بأي عرض شعبي في أي مكان منزوٍ في العالم، هنا نحن في حضرة عملية فنية صحية تداولها النخبة والبسطاء وأحبها جميع البشر.
يذكرنا مهرجان أيام الشارقة المسرحية بأن «أبو الفنون» بخير، ولذلك فعلينا ألا نخاف على الفن أو الثقافة أو حتى الكتاب والأدب، فالمسرح بوتقة تنصهر فيها كل هذه المفاهيم والمفردات.
يذكرنا المهرجان بأننا هنا أهل المسرح وصناع المسرح وجمهور المسرح، كل هذه المعاني انصهرت بدورها في الشارقة إمارة المسرح.
ومع دورة جديدة من المهرجان تنطلق اليوم لا نملك إلا أن نقول: هنا المسرح.. هنا الحياة.
يشبه فعل القراءة من وجوه كثيرة الصيام، ففي هذا الأخير قبس من معانٍ تنتاب النفس، وأسئلة تطرحها الذات، ووقت وتمهل، وفرصة لاستعادة مفهوم البطء، بعيداً عن لوثة السرعة التي نعيشها وتوحشت خلال العقود القليلة الماضية. في القراءة والصيام إصغاء ما إلى الذات، واكتشاف لكوامنها وبحث في زواياها وأركانها. في الصيام ابتعاد عن ضوضاء وجلبة تحيط بنا من النواحي كافة والقراءة الحقيقية، لحظة صمت، حيث لا صوت إلا للنص الذي نقرأه.
القراءة فعل نقيض للعجلة، تأمل تام، وروية وتدبر، معها يتحول الانتظار بضجره لدى البعض، إلى فعل متعة، لم يعد ذلك الوقت الفارغ الذي يصيبنا بالملل ولا نعرف كيف نمضيه، ومؤخراً خدعنا أنفسنا وأقنعنا ذواتنا بأن تصفح الهاتف المحمول سيجعلنا ننتصر على الانتظار، ولكنه وهم، حيث تحول الانتظار وبالتجربة مع الهاتف إلى بؤس مضاعف، لم نعرف ملامحه إلا بعد ذلك، الوضع مختلف تماماً في القراءة، أنت هنا شغوف بالانتظار دائماً، أمامك حدوتة قيد الاكتمال، تسعى لمعرفة نهايتها، وكلما كانت جذابة ومؤثرة ومثيرة استمتعت أكثر بانتظاراتك وتمنيت ألا تصل إلى النهاية، وهناك فكرة يعالجها صاحبها رويداً رويداً، يرسمها ويستخدم في ذلك أدوات وخامات وحجج وبراهين، ويتجول بك هنا وهناك، وبين فترة وأخرى تضع الكتاب جانباً، فربما يخطر على بالك سؤال، أو تطرأ في ذهنك فكرة جديدة. القراءة في إبداعها للانتظار الممتع المثير للشغف، في تناقضها مع العجلة والخفة تتماهى مع روح الصيام.
في قلب القراءة هناك تعود على الصبر، أنت تريد أن تفهم أو تعرف ماذا يود الكاتب أن يقول، وكل قارئ محترف مر بهذه المرحلة في حياته، حيث توجد نصوص لا تبوح بأسرارها إلا بعد جهد، وكل قارئ منتظم تعوّد أن يقرأ نصوصاً لكي يفهم نصاً آخر، والصبر هنا لا يختلف كثيراً عن صبر الصائم، في القراءة مكافأة الصبر المباشرة، المعرفة، أو هي إفطار القارئ، بعد جوع عقلي مديد.
الصيام ينمي الإرادة، ويعلمنا التحكم في رغبات النفس المباشرة، والقراءة لا تختلف في ذلك، فبإرادتك تستطيع التهام مئات الصفحات، وبإرادتك أيضاً تتمكن من البحث عن فكرة غامضة أو معلومة مشكوك فيها، ومع القراءة لا شهوة إلا للعين التي وبعد فترة تتحول إلى بصيرة تنجح في قراءة ما بين السطور وما هو مسكوت عنه.
القراءة فعل اختباء يكتسب حميميته وغموضه وسحره عندما نجلس في مكان بعيد وليس معنا إلا الكتاب، أليس الصيام فعل خاص جداً، عبادة لا يشاركنا فيها أحد، فعل أقدمنا عليه باختيارنا الحر، أنت مع الصيام في حالة توحد مع ذاتك وسكينة في الروح، وهو نفس التوحد والانسجام والطمأنينة التي نشعر به ونحن نقرأ.
نحن نردد كثيراً بإنشائية أننا أمة اقرأ، نكرر «الشعار» للتحفيز على القراءة، وخاصة في معدلاتها المتراجعة عربياً، ولكننا ننسى أو نتناسى أن حضارتنا العربية الإسلامية وعلى مدار قرون دارت حول «كتاب»، فكل العلوم الدينية والإنسانية، حتى علم التاريخ والاجتماع، وكل ما أبدعه كُتّابنا وأدباؤنا، هو فهم واستلهام ومقاربة وترجمة للقرآن الكريم، لم يكن أهم ما يميز حضارتنا العمران، وإن أبدعنا فيه، أو القوانين، وإن كانت لنا اسهامات كبرى، أو الفلسفة.. إلخ فكلها حقول معرفية دلت على حضارات أخرى، أما حضارتنا فولدت وازدهرت وأبدعت وأنتجت وأنجزت بفعل الكتاب، وكتابنا الكريم يتطلب الإصغاء، حواسك كلها تصغي، ومجامعك تكون في حضرة الصوت، أنت هنا وخلال الاستماع أو القراءة في لحظة صيام، سواء كنا في رمضان أم لا، صيام عن الحياة بأكملها، أنت في حالة شعورية لا تتكرر كثيراً، حالة تقارب فيها إنسانيتك أو روحك، الأذن تسمع والقلب يتحرك والذهن يتوقد، العين ترى والبصيرة تشاهد والجسد يطرب والروح تتحفز.
كل قراءة حقيقية قبس ولو ضئيل من قراءة الكتاب الكريم، وكل قراءة حقيقية لحظة صيام، ووقت للعزلة بعيداً عن صخب عالم يغترب فيه الإنسان، ولم يعد لديه حتى الوقت الذي يمكنه من معرفة أبعاد اغترابه.
القراءة طوق نجاة. أقرأوا تصحوا.
[email protected]
ماذا يعني أن تجلس لتشاهد أو تستمع إلى اثنين يتحاوران في أية قضية، مهما كان موضوعها؟، يبدو الموضوع سخيفاً إلى حد بعيد، ويختلف بالتأكيد عن الاستماع إلى كتاب، أو حتى مشاهدة برنامج حواري حول الموضوع نفسه، في حالة القراءة أنت تأخذ جرعة مكثفة حول ما تطالعه، أما في حالة البرنامج فهناك أكثر من رأي ووجهة نظر، في «البودكاست» أنت محكوم برأي أحادي التوجه.
وليست هذه مشكلة البودكاست الوحيدة، فهناك أيضاً سمة البساطة، فما تحتاج إليه يتلخص في توفير مكان مناسب للجلسة وميكروفون وهاتف نقال، هنا بإمكان أي فرد أن يصنع البودكاست الذي يريده، وهو أمر يختلف تماماً عن فكرة الإذاعة، أو التلفزيون في البودكاست المرئي، بمساراتها المعروفة، فهناك فريق عمل وراء كل برنامج، وهناك ما يشبه «الفلتر» قبل وصول البرنامج إليك، لسنا نعني هنا «الفلتر» الرقابي، بقدر ما نعني «الفلتر» المهني، وهي السمة نفسها التي نلاحظها في ما أطلق عليه البعض منذ سنوات قليلة «المواطن الصحفي»، ففكرة أن يمتلك كل إنسان هاتفاً نقالاً يفعل به ما يشاء، هي فكرة تثبت كل يوم أنها لم تحقق أهداف أصحابها، لم تكن بقدر التطلعات والتوقعات، ولم ينجح أي إنسان، عابر، في أن يكون صحفياً، كما أن البودكاست سيشهد المصير نفسه، ولن يلبث أن يتراجع بعد الطفرة التي يشهدها حالياً.
بعض المتحمسين للبودكاست، وخاصة في المجال الثقافي، يرون أنه يذهب بالقضايا الثقافية إلى شريحة جديدة من البشر، ويعتبرون أن هذا مكسب كبير للثقافة، والملاحظ أنه لا توجد دراسات حتى الآن تؤكد هذه النتيجة الانطباعية، أصحاب هذه الحماسة أيضاً يرون أن بإمكان البودكاست أن يعوض بعض الذين لا يقرأون عن الكتاب، وهو وهم أو خداع، لأنه لا يوجد تعويض عن الكتاب، حتى الكتاب المسموع لم ينجح في أن يكون بديلاً عن قراءة العين، تلك التي أصابتها التكنولوجيا فائقة الحديثة في مقتل، ويأتي البودكاست الآن ليزيد الطين بلة، فهو في الحقيقة وفي هذا العصر الذي يميل فيه الجميع إلى الاسترخاء، ويعانون فيه التشتت يخصم من مخزون القراء، بمعنى أن القارئ النظامي المجهد، ربما يترك الكتاب ليستمع إلى «بودكاست»، هنا يصبح هذا الأخير خسارة وليس مكسباً.
فارق كبير بين ثقافة الأذن والعين التي تقرأ، الأولى ثقافة عبور، أما العين المتنقلة بوعي وتركيز بين السطور فتؤسس لثقافة راسخة، حتى في الشعر، الفن القولي الأول، فارق كبير بين أن استمع لمن يقرأ عليّ أشعار المتنبي، وبين أن أطالعها، والمثال العربي هنا شهير، حيث ذهب أحدهم إلى أحد كبار الشعراء، ليسأله أنه يريد تعلم كتابة الشعر، فنصحه بحفظ ألف بيت، أو ألف قصيدة، ولم يقل له استمع إلى ألف قصيدة، فالأذن ليست أداة استيعاب أو تعلم أو بناء وعي، وفارق كبير بين أن استمع إلى بودكاست عن محمد عابد الجابري ومشروعه حول نقد العقل العربي، وبين أن أقرأ كتابه بأجزائه الأربعة، في الحالة الأولى لن أحصّل مهما حاولت أكثر من أفكار متداخلة وكلمات رنانة وآراء جذابة قد أحفظها من المتحدث في البودكاست، ولكنني لن أعرف سياقاتها وخلفياتها، وأتذكر أنني عندما قرأت هذا الكتاب في تسعينات القرن الماضي اضطررت لكي أقرأ عدة كتب في الفلسفة وعلم الكلام واللغة حتى أفهم أفكار الجابري، هنا الفارق الجوهري بين الأذن، العابرة، وقراءة العين الراسخة.
البودكاست ليس أداة ثقافية، وإن كان البعض يوظفونه لذلك، بل أعتقد أنه سينعكس بالسلب على القراءة، وسيزدهر في بيئتنا العربية التي تولي الأذن أهمية تاريخية خاصة، ولن يتبقى لدينا مع هجوم التكنولوجيا الحديثة وأدواتها حتى ناقد يحذرنا من ثقافة الأذن، بل سندخل في عصر «ثقافة الشو»، ثقافة العناوين والآراء المنزوعة من سياقاتها والجمل الرنانة، وإن كان لدينا في عصر سابق من ينتجون الأفكار في الخلفية، فإن هؤلاء انقرضوا الآن.
البودكاست أحد مظاهر مرحلة ثقافية جديدة، تختلف عن الثقافة بمفهومها الجاد والرصين كما عهدناه، مرحلة الأذن والعين العابرة السريعة، مرحلة نعيشها بغض النظر عن قبولنا أو رفضنا لها، مرحلة الأذن التي لا تقرأ وتُوهم جمهور «الشو» أنهم باتوا قراءً.
[email protected]
محمد إسماعيل زاهر
على مدار عقود طويلة كان الوصول بالمنتج الثقافي إلى الناس إشكالية هيمنت على كتابات الكثير من المحللين والمُنظّرين، كُتبت فيها الدراسات وعُقدت لها الندوات والأمسيات، كان البعض يرفض تبسيط الثقافة حتى لا تفقد جوهرها، وكان البعض الآخر يطالب بالارتقاء بذائقة الجمهور حتى يستطيع التجاوب مع الثقافة الجادة أو الثقيلة، وهنا نشأت إشكاليات أخرى عديدة قتلت بحثاً دارت حول الطابع النخبوي المنعزل للمثقفين، أو رصدت العلاقة المتوترة والتي سادها التربص بين المثقف والجمهور، وعلى الهامش وفي جزء من المنتج الثقافي، وخاصة الذي يتسم جانب منه بطابع تجاري مثل السينما والمسرح، كان فريق ثالث يبتعد عن هذه الإشكاليات والأزمات وينزل بالثقافة وسط الجمهور بحجة «الجمهور عاوز كده».
الصورة السابقة كانت مهيمنة على الساحة الثقافية العربية قبل أن تدخل التكنولوجيا على الخط، والتي سبقها عقد كامل من تراجع الثقافة الرصينة... حيث تجمعت الظروف كلها لنكون في العقد الثاني والثالث من القرن الحادي والعشرين على موعد مع ثقافة جديدة، لا تزال ملتبسة، لا نعرف أبعادها أو آليات عملها، ثقافة تختلف جذرياً عن مرحلة الحداثة وحتى ما بعد الحداثة، وهنا باستطاعتنا أن نلصق كل أوجه القصور التي نعيشها الآن بالتكنولوجيا، وما أسهل ذلك؟ ولكننا عندما نفعل ذلك نتجاوز مسألتين مهمتين، الأولى أن الثقافة، وهنا نقصد الثقافة النخبوية من حراك نقدي وفكري ومنتج أدبي وفني موزون، كانت وصلت إلى طريق مسدود قبل زمن التكنولوجيا فائقة الحداثة، طريق تميز بعدة سمات: أزمة في النقد، غياب لمعظم رموز الثقافة العربية وعجز مجتمعاتنا عن إفراز قامات أخرى، مقولات تروج وتردد ونجدها كل يوم في الإعلام حتى ترسخت وباتت حقائق مثل سلسلة موت المثقف ومتوالياتها: موت الناقد ونهاية الأفكار الكبرى، وغيرها.
المسألة الثانية أنه في نهاية هذا الطريق المسدود لم نجد علامة ترشدنا إلى طريق آخر، ولكننا صادفنا التكنولوجيا فائقة الحداثة وروادها من أجيال شابة تلقت تعليماً مختلفاً، نظراً لعوامل اجتماعية واقتصادية عدة، وكانت عبر العولمة والتكنولوجيا على تواصل مع ثقافة العالم بمفرداتها المختلفة كثيراً عن البيئة العربية، كانت أجيالاً بتكوين مغاير تستخدم أداة مختلفة في مواجهة نخب محملة بثقافة جادة، أو عتيقة من منظور هذه الأجيال، وكانت الأدوات التي تحملها هذه الأجيال لا تمثل امتداداً للثقافة القديمة أو تطويراً لها، ولكنها أدوات ذات ثقافة أخرى تماماً سواء رضينا بهذا الأمر أم لا، تقبلناه أم انعزلنا عنه ورفضناه ووضعنا رؤوسنا في الرمال.
في مرحلة الثقافة القديمة أو الجادة، بتعبير الأجيال الأكبر، كانت هناك أزمة طاحنة في معدلات القراءة في العالم العربي كشفت عنها تقارير عدة، ومن السهل كما قلنا سابقاً أن نسير وراء «نقاد التكنولوجيا»، ونقول إن هذه الأخيرة مسؤولة عن أزمة القراءة، ولكن تسلسل الأحداث يقول إن الأزمة قديمة، ولكن ما حدث مع الثقافة الجديدة، التكنولوجيا فائقة الحداثة، أن القراءة أصبحت ذات طابع خاص سواء في الشكل أو الأسلوب، باتت سريعة ومتشظية وتقتصر على أنماط معينة أغلبها الحكي الإمتاعي المشوق ولذلك تنتشر الرواية، ونوعية خاصة منها، ومع هذه التكنولوجيا بدأت تنتشر كتابات من نوع جديد لا علاقة لها بالفكر المجرد أو الأسئلة الكبرى أو وجود الإنسان، ولكنها كتابة يتقاطع فيها اللحظي بالوجداني بالإرشادي والتوجيهي بالتجارب الذاتية.
نحن لا نزال نقف تعترينا حيرة كبرى أمام ما تفعله التكنولوجيا بنا، ولا نريد أن نعترف أننا على أعتاب ثقافة جديدة، كل شيء فيها مختلف، حتى قواها الفاعلة تحولت من المثقفين إلى المؤثرين، ولا نزال نحلم أن تلك التكنولوجيا مجرد أداة بإمكاننا أن نوجهها كيفما نشاء، ولا نريد أن نقر أنها أعمق من ذلك، هي محتوى متكامل يتناقض مع مفهومنا للثقافة الجادة أو التقليدية، ولأنها أداة ومحتوى وعالم مختلف، فإن جمهورها مختلف بدوره، وهي تقدم وعوداً رائعة ولكنها ليست لنا، الأجيال الكلاسيكية الأقدم، وعودها تلبي احتياجات جمهور جديد له نظرة تتباين تماماً مع نظرتنا للأمور ورؤيتنا للعالم، وكل ما نتمناه أن تحافظ تلك التكنولوجيا على حد أدني من الثقافة الجادة، ولو بأشكال مختلفة، فالمتابع يرى في الأفق أننا مقبلون على مرحلة تسود فيها «التفاهة»، إن لم تكن قد سادت بالفعل.
عندما تتجول في معارض الكتاب في مختلف أرجاء العالم العربي، أو تزور أحد محال بيع الكتب، سيفاجئك سيل من العناوين لمؤلفين، ربما تعرفهم الأجيال الجديدة من محترفي مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن الذي يعيش في ثقافته التقليدية لا يسمع بهم ولم يقرأ لهم شيئاً، مع متابعة هذه الظاهرة وتزايدها خلال السنوات الأخيرة يمكن القول إن الثقافة العربية الآن تعيش حالة انفجار كتابي لم تشهدها من قبل، فالمنشور غزير وربما مرة أخرى يزيد على طلب القراء.
أما مسألة القراء، فهي غامضة، فبرغم تلك الكميات الكبيرة من الإصدارات الجديدة، وقول البعض أحياناً إن معدلات القراءة في عالمنا العربي في تصاعد، إلا أن قارئنا لا يزال ذلك الشبح الذي لا نعلم عنه الكثير، الجميع يتحدث باسمه، ولكن من هو؟ ما هي الفئات الاجتماعية التي يتوزع عليها القراء العرب، وما هي مستوياتهم التعليمية والمهنية، وما هي تلك الكتابات التي يفضلونها؟ كلها أسئلة كلاسيكية لا نعرف إجاباتها، تضاف إليها أسئلة أخرى تتعلق بجمهور القراء الجدد التابع للتكنولوجيا فائقة الحداثة، إذن نحن أمام نوعين من الجمهور، و نظراً لأسباب عديدة، تتعلق بعلم الاجتماع والدراسات الأكاديمية وغياب الإحصائيات، لا نعرف عنهما الكثير.
إن معرفة طبيعة القراء مهمة جداً، لكي نستطيع أن نفهم حالة غزارة النشر التي نشهدها حالياً، ولكن فلنقم بانطباعات شخصية داخل وسيط أصبح الجميع يستخدمونه اليوم، فإذا ذهبنا إلى مواقع التواصل الاجتماعي وقنوات عروض الكتب المرئية على يوتيوب وتيك توك على سبيل المثال، فسنجد ترويجاً يتم على قدم وساق لكل أنواع الكتب بموضوعاتها المختلفة، ولكن نلاحظ أن الجمهور لا يفضل الفلسفة ويقبل على الرواية و يهجر الشعر، وهناك صورة، كاذبة غالباً، لرواج واسع للكتب ضخمة الحجم، خاصة روايات المغامرات والرعب وإصدارات تطوير الذات.
نحن أمام انفجارين، يمكن ملاحظتهما بسهولة، الأول غزارة الإصدارات، والثاني ذلك العرض الدائم للكتب في وسائل التكنولوجيا الحديثة، بما يوحي أن الثقافة العربية لا تعيش مشاكل في النشر أو تراجعاً في معدلات القراءة، وبما يمنحنا انطباعاً أولياً بأن ثقافتنا بألف خير وعافية، وأن كل ما يقال من نقد عن تلك الأمة التي لا تقرأ، وحالة التراجع المعرفي، ما هو إلا وجع رأس.
إن تأمل الانفجارين السابقين، ووضعهما على طاولة التحليل والسؤال، يؤكد أن ما نعيشه ليس أكثر من «شو» لا علاقة له بالثقافة، وأن الكثير من دور النشر تطبع عدة مئات فقط من الكتب، وعندما تطبع ألف نسخة تتباهي بذلك وتضع الرقم على الغلاف، وأن بعض دور النشر تكذب في رقم الطبعات، أما إذا توقفنا قليلاً أمام عناوين المئات من تلك الإصدارات فسنجد أنها لا تتحدث إلا عن تجارب يومية لأصحابها، بعضها خواطر، والبعض الآخر تطوير لتغريدات أو تعليقات مواقع التواصل، ليس أكثر، أما فهم أولئك للرواية فلا يعدو كونها حدوتة، فلا بناء أو لغة أو فكرة أو غوص في أعماق الشخصيات، وبالنسبة لكتب تطوير الذات فحدث عنها ولا حرج، ولا ندري منذ متى كانت الثقافة العربية في حاجة إلى هذه الكتب، ولكن تلك قصة أخرى.
يعتقد الكثيرون من مستخدمي ورواد مواقع التواصل أن تأليف الكتب، لا يختلف عن كتابة تعليق أو تغريدة، وتلك المواقع بما أتاحته من «أكبر» ثرثرة عرفها الإنسان في تاريخه أثرت بالسلب في عملية الكتابة نفسها، فهؤلاء لا يقرأون، وينقلون ثرثرتهم إلى تأليف الكتب، وأصبحنا أمام ظاهرة جديدة وفريدة، وهي الكاتب الذي لا يقرأ، وهم كالسيل ويتسببون الآن في سيادة شعور من الإحباط بين المبدعين الحقيقيين الذين يتركون الساحة للكذب والزيف، ويضرون بكافة مفاصل العملية الثقافية، فسيادة هذه الكتب تُوقف أيضاً الطلب على النقد.
الثقافة الحقيقية لا علاقة لها بـ«الشو» والرغبة في الاستعراض والشهرة، والفخر بالتزاحم حول هذا المؤثر أو ذاك عندما يوقّع كتابه، ولا كتابة من دون قراءة متواصلة ومضنية وقناعة بأن ما نكتبه يشكل إضافة، هذا درس تعلمناه في زمن سابق، قبل انتشار كل هذا الزبد الذي لا ينفع القراء «الحقيقيين»، ولا يمكث في الذاكرة.
محمد إسماعيل زاهر
هل يمكن أن تستوعب أداة بصرية فكرة مراجعات الكتب؟ وما هي الشروط الواجب توافرها في من يقوم بتلك المهمة؟ وما هو الفارق بين مراجعة الكتاب ونقده؟ وهل تلك المراجعة متاحة لأي قارئ مهما كان؟... أسئلة كثيرة علينا أن نطرحها للنقاش ونحن نتأمل مسألة تلك الفيديوهات والمقاطع المصورة التي باتت تحتل حيزاً ملحوظاً في مواقع التواصل الاجتماعي وتتخصص في مراجعة الكتب، والأهم أن نسأل هل تمثل تلك المقاطع إضافة ثقافية أم أنها ليست أكثر من تلبية الطلب في تلك المواقع؟ طلب على كل شيء، فتلك المواقع أصبحت أشبه ب«جراب الحاوي» لابد أن تعثر فيها على ما تريده وتسعى إليه أو تحلم به.
هل المادة المقروءة ذات البناء الفكري والإبداعي التسلسلي الخاص بحرفة الكتابة بالإمكان تلخيصها في ثوان أو دقائق معدودة؟ أم أن المسألة لا تعدو التشويه المخل بمضمون ومحتوى الكتاب؟ في الماضي كانت هناك «فنون» خاصة بنقل الكتب إلى شكل جديد، «فن» نقل الروايات إلى أفلام ومسلسلات مرئية للسينما أو مسموعة للإذاعة، و«فن» تحويل الكتاب إلى فيلم وثائقي يتناول أفكاره وظروف إصداره ومؤلفه، أما ما يحدث على مواقع التواصل الاجتماعي فليس أكثر من «عبث»، لا علاقة له بالفن، من قبل فئة جديدة لم تُدرس بعناية حتى الآن، فئة يرى البعض أنها وريثة المثقف، ولكن المؤثر لم يستطع حتى الآن أن يقدم أية إضافة نوعية تجعله يستحق هذا الإرث.
كثير من هذه المقاطع المصورة تتعلق بكتب تطوير الذات وكيف تصبح ثرياً وكيف تتغلب على الاكتئاب، أو روايات اليافعين والمراهقين أو روايات الرعب، أي أنها ترتبط بصورة أو أخرى بالكتب الرائجة والشائعة، والكثير منها أيضاً يعرض الكتب التي تتعلق بنظرية المؤامرة، وهي نظرية رائجة في وسط تلك المواقع، وهو وسط شعبوي بالمناسبة، أي أن الشعبوية مفتاح لتفسير كثير من ظواهره، بعض هذه المقاطع يحلم أصحابها ب«الترند» أي تحقيق الشهرة والثراء من وراء ما يقومون به، وبعض هذه المواقع يتسم بسطحية وسخافة لا حدود لها.
وعندما تشاهد تلك المواقع تسأل نفسك، هل يجوز لأي قارئ إبداء رأيه في أي كتاب؟ ولكن هذا القارئ أو صانع المحتوى لا يقول لك إنه ناقد، ويؤكد أن هذا مجرد انطباعه ونتاج تذوقه لما قرأ، وهنا يطرح السؤال نفسه هل حرية التعبير متاحة للجميع بغض النظر عن امتلاك الأدوات التي تؤهل الإنسان للإفصاح عن وجهة نظره؟ وهو سؤال لم نطرحه على أنفسنا جيداً، ولا يتعلق بمسألة عروض الكتب وحسب، ولكنه يتعلق بفضاء الإنترنت عموماً ومواقع التواصل على وجه الخصوص.
إن الإجابة عن السؤال السابق تشكل أحجية في حد ذاتها، سواء كانت بالإيجاب أو السلب، فإذا قلنا إن حرية التعبير حق إنساني أصيل ومكفول للجميع فعلينا أن نتحمل تبعات ذلك، ونحن نعيشها بالفعل، فالكل يتحدث في ما لا يملك عنه معلومات وفي ما يقع خارج معرفته وتخصصه، ونشعر أحياناً أن تلك المواقع ليست أكثر من «غثاء»، أما إذا ذهبنا إلى رفض تلك الحرية ومناصرة تقييد الرأي والحجر عليه فإننا بذلك نلغي أهم أركان الثقافة والمعرفة والمتمثل في توفير الحريات والدفاع عنها، وربما يرى قائل إن مناصرة الحريات يؤدي مع الوقت إلى الفرز بين الصالح والطالح، والجيد والرديء، والمفيد والضار، ولكن هذا القانون لا يسري على فضاء الشعبوية فنتيجة الفرز دوماً لصالح الأسوأ مع الأسف.
إن مسألة انتشار مراجعة الكتب في مواقع التواصل و«اليوتيوب» لا تتعلق بتراجع النقد أو الصحافة الورقية، ولكنها ترتبط أكثر بعصر ثقافي جديد، تاريخي وفارق، يختلف فيه كل شيء، فرواد تلك المواقع يجب أن يشعروا أن لا شيء ينقصهم، ومن ضمن تلك الأشياء، الثقافة، ولا يهم هنا نوعية أو شكل تلك الثقافة، والخطر داهم على الأجيال الجديدة، أجيال ستعرف أسماء الكتاب العظام، ولكنها رويدا رويدا ستتوقف عن الإبداع، ستعرف أيضاً محتوى الكتب الكلاسيكية وأهم أفكارها، ولكنها ستفتقد متعة التورط في التفاصيل والتجول بالعين قارئة زوايا وأركان الكتب، أجيال لن تكون الثقافة بالنسبة لها إلا مجرد ديكور بعيداً عن الثقافة بمعناها التقليدي، أجيال تحصل على كل شيء وتأخذ من كل حقل ثقافي قبساً، ولكنها ستكون من دون ثقافة وازنة.. هي أجيال بلا رأس.