صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
خالد حسن
خبير الاقتصاد الدولي
أحدث مقالات خالد حسن
7 أغسطس 2025
المُقايضة في عصر الدولار

خالد حسن*

في ثمانينات القرن العشرين، أبرمت شركة «بيبسي» صفقة فريدة. باعت الشركة كمية من زجاجات مشروبها الشهير «بيبسي» في الاتحاد السوفييتي، وحصلت في المقابل على ما يُعادلها في القيمة من زجاجات الفودكا الروسية. ثم قامت الشركة ببيع الفودكا في السوق الأمريكي لتحصل على قيمة البيبسي، الذي باعته في الاتحاد السوفييتي، مُضافاً إليه ربحية تصدير البيبسي وربحية استيراد الفودكا للولايات المتحدة الأمريكية.
تمت الصفقة التجارية من دون الحاجة إلى روبل أو دولار. وهو ما يَندرج تحت نظام تجارة المقايضة أو Countertrade. وهي شكل من أشكال التجارة، يتضمن تبادل السلع أو الخدمات بسلع أو خدمات أخرى مساوية لها في القيمة. وهو أقدم شكل من أشكال التجارة. لعل أشهر الأمثلة التاريخية كان الرحلة التجارية التي قامت بها الملكة حتشبسوت إلى بلاد بونت «الصومال»، والتي تم خلالها تبادل السلع المصرية بسلع محلية.
تطور هذا الشكل التقليدي للتجارة، عبر التاريخ، من تبادل لسلعة بأخرى، وفقاً للاحتياجات المتبادلة بين الأفراد والجماعات إلى نظام مُعترف به دولياً. في القرن السادس عشر ومن بعده السابع عشر (فترة المذهب التجاري Mercantile Doctrine)، تم ترسيخ أهمية التجارة الدولية، وخاصة الصادرات، لدورها في تراكم ثروة الأمم، المُمثلة في الذهب والفضة وهي عملات التجارة وقتها. وفي القرن الثامن عشر، ومع ظهور الفكر الليبرالي والترويج لاقتصاد السوق الحُر، شَغلت العملات النقدية أهمية كبيرة بصفتها وسيلة لتداول السلع والتبادل التجاري. وتم استخدام الدولار الأمريكي بصفته عملة التجارة الدولية، بعد إقرار نظام بريتون وودز 1944، في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وسعى هذا النظام إلى تحقيق استقرار نقدي عالمي، بعيداً عن صراعات الدول لفرض قيود تجارية على واردتها وتشجيع صادراتها. وضَمن هذا النظام بريتون ربط الدولار الأمريكي بالذهب (أوقية الذهب تعادل 35 دولاراً)، مع قابلية تحويله عند الطلب.
وتحول الدولار إلى عُملة المُبادلات التجارية، في ظل نظام تم انتقاده بشدة من حلفاء الولايات المتحدة، لأنه منح الدولار مكانة مميزة بعيداً عن حقيقة أدائه الاقتصادي الحقيقي. ومع طلب الحلفاء بتحويل الدولار، الذي تحتفظ به الولايات المتحدة، إلى ما يقابله في القيمة من الذهب الذي لديها، قرر الرئيس الأمريكي إعلان نهاية النظام، عام 1971 وتم إلغاء قابلية تحويل الدولار إلى ذهب. تسببت قرارات الرئيس نيكسون في تحسن اقتصادي أمريكي وإعادة انتخابه، لكنها كانت أحد أسباب أسباب الكساد الاقتصادي، خلال الفترة 1973-1975، وما تلاها من ركود تضخمي، خلال سبعينات القرن الماضي.
ما بعد بريتون وودز تحولت الدول الغربية واليابان إلى نظام سعر الصرف الحُر، الذي تحدده قوى السوق. لكن ظل الدولار مُحتفظاً بمكانة مهمة في التجارة الدولية، وتحول بمرور الوقت إلى سلاح اقتصادي خاصة ضد الدول الناشئة والنامية، والتي تعتمد على حرية التجارة في نموها.
حالياً، وعلى الرغم من تحول غالبية دول العالم إلى نظام السوق الحر، فإن تجارة المقايضة لم تختف، بل ما زالت نموذجاً تستخدمه دول العالم بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية نفسها.
غالباً ما اقترن استخدام تجارة المقايضة بنُدرة العُملة الصعبة، أو غياب الاستقرار الاقتصادي. على سبيل المثال لجأ الاتحاد السوفييتي لإبرام صفقات متكافئة، نوع من أنواع المقايضة التجارية، لمبادلة السلع السوفييتية بالسلع التي يحتاج إليها من دون الحاجة إلى استخدام عملات نقدية، وذلك عندما فرضت الدول الغربية قيوداً تجارية عليه. أيضاً في عام 2013 باعت إيران النفط للصين والهند مقابل الذهب، بسبب العقوبات الأمريكية.
هذه الأمثلة تشير إلى حقيقتين الأولى هي أن تجارة المقايضة تساعد على التخفيف من حدة مشكلة نقص العُملات الصعبة أو الدولار. والحقيقة الثانية هي أن الدولار ليس مجرد وسيلة دفع، لكنه أيضاً سلاحاً اقتصادياً تستخدمه الولايات المتحدة وحلفاؤها في فرض سيطرتها واستعراض قوتها.
ولكن بالتمعّن في تجارة المقايضة، نجد أنها نجحت في ظل ظروف مُواتيه مثل امتلاك الدول لسلع استراتيجية كالحبوب والزيوت والغاز والبترول. كما أن حجمها يعتمد على درجة مرونة النظام الدولي، فمثلاً خلال حقبة الاتحاد السوفييتي كان المجال أكثر ملاءمة من عصر السيطرة الأمريكية. ويلاحظ أيضاً أن اللجوء لهذا النظام، ارتبط بالدول التي تعاني سواء من عقوبات أو صعوبات اقتصادية.
وهنا يظهر سؤال مهم، هل يمكن الاعتماد على تجارة المقايضة لدعم جهود التنمية الاقتصادية في الدول التي تعاني مشاكل اقتصادية؟
الإجابة هي نعم. فلا تقتصر أهمية تجارة المقايضة على تجاوز مشاكل نقص العملة الصعبة، فهي تُسهم في الوصول إلى أسواق جديدة من خلال ربط صادرات الدولة بوارداتها من الدول الأخرى. كما أنها آلية لتمويل الواردات اللازمة، من دون استنزاف احتياطيات النقد الأجنبي. وأخيراً، فإنها قد تساعد على نقل التكنولوجيا إلى الدول النامية، إذا ما وضعت الدولة نقل التكنولوجيا كشرط في إبرام الاتفاقات التجارية.
ولا تقتصر المُقايضة على الاتفاقات الحكومية، كما يحدث في اتفاقات بعض وزارات الدفاع مثل وزارة الدفاع الأمريكية، بل يمكن أن تستخدمها الشركات بصفتها وسيلة للانتشار السريع في الأسواق النامية.
تجارة المقايضة عملية مُعقدة تتطلب تفكيراً استراتيجياً، ومهارات تفاوضية، وفهماً عميقاً للسوق المحلي والأسواق الخارجية.
*خبير الاقتصاد الدولي

27 يوليو 2025
إدارة خلافات العمل و«روح الفانلة»

خالد حسن

خرج المدير رفقة سكرتيرته ومحاسب الشركة لتناول وجبة الغدَاء ‏بالقرب من مقر العمل. في الطريق لاحظ ثلاثتهم مصباحاً ملقى ‏على رصيف الشارع يغطيه التراب. التقط المدير المصباح ومسحَه ‏بمنديل ليَلمع ويتوهج، ثم خرج منه دخان كثيف تلاه ظهور عفريت. ‏تَكلم العفريت ليشكر المدير على تحريره من المصباح، ثم عَرض ‏على ثلاثتهم تحقيق أمنية لكل واحد منهم.
بدون تَفكير قالت ‏السكرتيرة «أنا أولاً، أنا أولاً». نظر إليها العفريت وقال ما هو طلبك؟ ‏فأجابت السفر إلى جزر الباهاماز، لأستمتع بالبحر وأستجم لأطول ‏فترة ممكنة. قال العفريت اذهبي فإذا بالسكرتيرة تختفي ويتبقى ‏المحاسب والمدير. بسرعة قال المحاسب «أنا التالي، أنا التالي، ‏أريد أن أقضي إجازة مع أسرتي في جزر الكاريبي». قال له ‏العفريت اذهب، ليختفي المحاسب ويتبقى المدير وحده غاضباً. قال ‏له العفريت ما هو طلبك؟ فردّ المدير بوجه عابس: أريد أن يعود ‏كلاهما هنا فوراً.‏
يستطيع المدير الذكي أن يتجاوز أي أزمة تواجهه بسرعة بديهته ‏وقدرته على الإبداع. أما المدير الحكيم، فلديه الخبرات المتراكمة ‏ليتفادى ظهور الأزمات من الأساس. ماذا لو احتفظ المدير ‏بالمصباح، وقام بتنظيفه في مكتبه بمفرده. المؤكد أنه لم يكن ‏ليتسبب في إحباط السكرتيرة والمحاسب، وخلق أزمة نفسية، قد ‏يظهر أثرها في صور مختلفة ترتبط بإدارة العمل.‏
توضح هذه الطرفة أو القصة الخيالية أهمية إدارة خلافات أو صراع ‏العمل بشكل علمي، بما يضمن حلها بدلاً من المساهمة في ‏إشعالها وتفاقمها.‏ وتعتبر إدارة الصراعات ‏Conflict Management‏، أحد تخصصات ‏علم الإدارة المهمة، والتي تتناول كيفية التعامل مع الصراعات، في ما ‏بين زملاء العمل في مؤسسة ما وبشكل علمي. وتهدف إدارة ‏الصراع إلى تقليل الآثار السلبية لخلافات الزملاء، بما يسهم في ‏تحسين الأداء وزيادة التعاون بين الموظفين بدلاً من الصراع، الذي ‏ينتهي بتدمير سمعة المؤسسة وتراجع مستويات أدائها. وتعدّ ‏كفاءة إدارة الخلافات داخل المؤسسة مؤشراً من المؤشرات، التي ‏ترفع من مستوى ثقة المتعاملين معها، كما تسهم في تحقيق ‏الاستفادة القصوى من كافة مواردها، بما يسهم في تحقيق ‏أهدافها.‏
إن مشاكل العمل اليومية في أي مؤسسة، هي حقيقة لا مَفرّ منها، ‏والمؤكد أن أبسط الخلافات قد تتحول إلى نزاعات معقدة طويلة ‏الأمد، إذا تم تجاهل وجودها أو التقليل من حجمها. ووجود خلافات ‏مستمرة يعني بيئة عمل متوترة غنية بالعلاقات السامة بين الزملاء، ‏وفقيرة في الثقة المتبادلة بينهم، وهو ما يؤدي في النهاية إلى أداء ‏ضعيف ومرتبك للجميع. تخيل مثلاً أن حارس مرمى فريق كرة قدم ‏في خلاف كبير مع مدافعي فريقه، والمدافعون لا يحبون بعضهم ‏البعض، من المؤكد أنه سيترتب على الخلاف والكراهية خسارة ‏الفريق وبشكل مخزٍ، مهما كانت كفاءة كل لاعب في الفريق. ‏على العكس إذا ما كان هناك «مناخ عمل صحي» بين اللاعبين ‏واحترام متبادل، سيؤدي ذلك إلى ما يسّمونه في كرة القدم «روح ‏الفانلة»، كنَاية عن روح التفاني الجماعية، التي تجعلهم يبذلون ‏قصارى جهدهم، لتحقيق الفوز طوال الوقت.‏
وهناك أنواع كثيرة للخلافات أو صراعات العمل. هناك النزاع بين ‏المدير ومرؤوسيه، بسبب أسلوب الإدارة ومدى استجابة الموظف له، ‏كما أن هناك صراعات بسبب وجود موظف مبتكر أو آخر غريب ‏الأطوار، فكلاهما قد يصعب التعامل معه، أولاً: بسبب رؤيته التي قد ‏تكون أوسع وأشمل من رؤية المدير، وثانياً: بسبب افتقاره لأسس ‏الالتزام. كما قد تظهر الصراعات بسبب الاختلاف في السلوكيات ‏والمبادئ الحاكمة للسلوك الشخصي للموظفين. وهناك خلافات ‏تكون بسبب تضارب الوظائف، وغياب التنسيق أو عدم وجود ضوابط ‏واضحة للعمل.‏
والصراع أو خلافات العمل غالباً ما تنتهي من ثلاث: إما أن يكون طرفا ‏الصراع خاسرين، أو أحدهما منتصراً والآخر خاسراً أو كلاهما ‏منتصراً. والمؤكد أن غياب الإدارة الجيدة لهذه الخلافات، تؤدي في ‏النهاية إلى خسارة المؤسسة.‏
والإدارة الرشيدة يجب أن تفهم كيف يتصرف الموظف حال وجود ‏الخلافات أو الصراعات، وبناء على هذا الفهم تستخدم مهارتها في ‏التواصل والوساطة أو الإقناع، لتنهي أي صراع أو خلاف قبل أن ‏يتفاقم وبما لا يضر بمصلحة المؤسسة.‏
وقد طور كل من ‏Kenneth Thomas ‏ وRalph Kilmann‏ عالما ‏الإدارة، أداة في سبعينات القرن الماضي تحدد السيناريوهات ‏الممكنة لاستجابة الفرد، أو تَصرفه حيال أي خلاف أو صراع، في ما ‏يسمّى أداة وضعية الصراع ‏Thomas-Kilmann Conflict Mode Instrument‏. وحددت الأداة خمسة سيناريوهات لاستجابة الفرد ‏في أي صراع، سواء في العمل أو حتى في الحياه الشخصية. ‏الأسلوب الأول هو التعايش ‏Accommodation‏، ويعني تضحية ‏طرف أو استسلام طرف من أطراف الصراع، إذا ما اعتقد أن ‏موضوع الصراع ليس بالأهمية الكافية، ويساعد هذا الأسلوب على وضع حل سريع لكن قد يكون مؤقت، إلا في حالة شعور طرف ‏الصراع بخطئه. ‏
الأسلوب الثاني، هو التجنب ‏Avoidance‏ وهو تجاهل وجود الصراع ‏وعدم التعامل معه. غالباً يتم التجاهل إذا ما كان الضرر المحتمل ‏من الخلاف يفوق المنافع المحتملة عند الدخول في صراع، أو قد ‏يكون التجاهل وسيلة لتوفير الوقت اللازم لفهم تفاصيل الصراع ‏قبل اتخاذ أي قرار. وفي بعض الأحيان يكون حل الصراع غير ‏ممكن، بسبب وجود اختلافات جوهرية في ما بين الشخصيات ‏المتنازعة، وبالتالي التجاهل هو الحل الوحيد الممكن.‏
الأسلوب الثالث، هو الحل التوافقي ‏Compromise‏ وهو الحل ‏الوسط، الذي يضمن عدم وجود منتصر أو مهزوم. وهو حل مؤقت ‏للخلافات المعقدة، خاصة إذا كان طَرفا الصراع يعرفان قدر بعضهم ‏البعض، وأن خسائر الصراع قد تكون فادحة لكليهما.‏
الأسلوب الرابع، هو المنافسة ‏Competition‏، وتعني فرض انتصار ‏أحد طرفي الخلاف على الآخر، لأن الصراع لا يحتمل أي نتيجة غير ‏النصر لأحد طرفي الصراع.‏
أما آخر الأساليب، فهو أسلوب التعاون ‏Collaborating‏ أو إدارة حوار ‏حول الصراع أو الاختلاف وفهم طبيعته وأسبابه، وتكريس الوقت ‏اللازم للحديث والتعبير عن المشكلة بشكل مفصّل، وهو ما يشبه ‏علاجاً تدريجياً للصراع من خلال المصارحة والاسترسال في تفسير ‏أبعاد المشكلة بين أطراف المشكلة، وهو ما ينتهي غالباً باقتراح ‏حلول مناسبة قد يقبلها طرفي النزاع.‏
* خبير الاقتصاد الدولي
[email protected]