إن بلدان البلقان الستة تعترف بأن الاتحاد الأوروبي يتبنى سياسة واحدة في التعامل مع منطقة البلقان، على المستوى الرسمي على الأقل . ففي قمة الاتحاد الأوروبي ودول غرب البلقان التي استضافتها مدينة سالونيك في يونيو/ حزيران ،2003 أكدت كافة بلدان الاتحاد الأوروبي دعمها المطلق للطموحات الأوروبية لبلدان غرب البلقان .
وكنتيجة جزئية لهذا الإجماع اتخذت دول البلقان خطوات كبرى نحو الأمام . ففي صربيا، حيث جرى القدر الأعظم من التخطيط لدمار المنطقة في الماضي، تسعى الآن حكومة بوريس تاديك إلى إقامة علاقات أقوى مع الاتحاد الأوروبي . وإلى جانب البوسنة والهرسك، تحركت صربيا نحو التقرب من حلف شمال الأطلسي في عام ،2006 وفي عام 2009 انضمت كرواتيا وألبانيا إلى الحلف . وحتى دولة الجبل الأسود الصغيرة (مونتنيجرو) عاشت أعواماً قليلة مفعمة بالأمل منذ إعلانها الاستقلال في عام 2006 .
وبعد أن أسس الاتحاد الأوروبي معايير واضحة لتحرير التأشيرة وأكد استعداده لقبول بعض بلدان البلقان وليس غيرها، بدأت ثلاثة بلدان (صربيا ومقدونيا والجبل الأسود) في تنفيذ برامج الإصلاح فاستحقت بذلك امتياز السفر من دون تأشيرة إلى بلدان الاتحاد الأوروبي في عام ،2009 ومن المتوقع أن تلحق بها دولتان أخريان قريباً . ولقد أعلنت المفوضية الأوروبية أن مقدونيا جاهزة للبدء في محادثات الانضمام، في حين تقدمت ألبانيا والجبل الأسود وصربيا بطلبات العضوية . ولكن في حين يستعد زعماء أوروبا للاجتماع بنظرائهم في دول البلقان في سراييفو عاصمة البوسنة، فإن الأمور بدأت تتخذ منحى أقل يقيناً . ويبدو أن الأوروبيين أصبحوا منقسمين على نحو متزايد فيما يتصل بما ينبغي أن يتم بشأن منطقة البلقان .
والواقع أن بعض صناع القرار السياسي في بروكسل وعواصم الاتحاد الأوروبي ينظرون على نحو متزايد إلى احتمالات توسع الاتحاد الأوروبي نحو منطقة البلقان بانزعاج واضح . فبعيداً عن كرواتيا -التي من المرجح أن تكون أول بلدان المنطقة انضماماً إلى الاتحاد- تُعَد دول البلقان أفقر البلدان التي تقدمت بطلبات الالتحاق بعضوية الاتحاد الأوروبي على الإطلاق . فالاقتصاد في كل من هذه البلدان غير قادر على المنافسة ومثقل بعبء البطالة المرتفعة . ورغم أن هذه البلدان أحرزت تقدماً في مجال الحكم فإن العديد منها ما زالت دولاً ضعيفة . كما شهدت أغلبها صراعات وانقسامات سياسية مريرة . وفي حين ما زال الاتحاد الأوروبي يبذل محاولات مستميتة للاستفادة من مؤسسات لشبونة، فإن بعض البلدان الأعضاء تستشعر خطراً يتمثل في احتمال تعرض الاتحاد الأوروبي لضرر شديد إذا التحقت دول البلقان بعضويته قبل الأوان .
بيد أن بعض صناع القرار السياسي يرون خطراً أعظم في تأجيل انضمام هذه البلدان إلى الاتحاد الأوروبي إلى أجل غير مسمى، حيث قد يؤدي ذلك إلى تقويض مصداقية إعلان سالونيك، وفي اعتقادهم أن هذا بدوره قد يؤدي إلى تقويض التقدم الهش الذي تم إحرازه في البلقان في الأعوام العشرة الماضية . وفي حين يواجه بلد من قدامى أعضاء الاتحاد الأوروبي مثل اليونان أعمال شغب خطيرة في الشوارع، فإن بعض الحكومات الأوروبية تخشى أن يؤدي انتزاع الأمل من هذه المنطقة ذات التاريخ الحديث من الصراعات العنيفة إلى عواقب خطيرة .
وبين الخوف من عواقب التوسع المتعجل والخوف من عواقب التوسع البطيء، بدأت الحكومات الأوروبية فقدان نفوذها في مختلف دول البلقان، وبدأ زعماء المنطقة في التشكك في مدى صدق التزام الاتحاد الأوروبي، والحاجة إلى ملاحقة إصلاحات يمليها الاتحاد الأوروبي . والتحدي الذي يواجهه الاتحاد الأوروبي الآن يتلخص في كيفية العودة إلى النقطة حيث كان بوسع الاتحاد الأوروبي أن يخلق الحوافز الدافعة إلى إحراز التقدم، بدلاً من نثر بذور خيبة الأمل والتدهور والتراجع .
يتعين على زعماء أوروبا أن يستغلوا قمة سراييفو للإعلان عن نواياهم في دعم مشاركة الاتحاد الأوروبي في المنطقة من خلال البدء بما يطلق عليه عملية غربلة ألبانيا، والبوسنة والهرسك، وكرواتيا، ومقدونيا، وصربيا، والجبل الأسود، في غضون العام القادم، وتبني عملية مماثلة بالنسبة لكوسوفو .
إن عملية الغربلة هذه من شأنها أن ترغم البلدان المتقدمة بطلبات العضوية على النظر بجدية وترو إلى مدى قربها من تلبية متطلبات الانضمام حقاً، وهو ما من شأنه بالتالي أن يضفي القدر اللازم من الواقعية على المناقشات التي تديرها هذه البلدان حول ما ينبغي أن يتم من عمل في الأعوام المقبلة . وهذا من شأنه أيضاً أن يعطي كلاً من البلدان المرشحة والمفوضية الأوروبية خريطة تفصيلية لما ينبغي أن يتم من إنجاز في كل مجال، بداية من سلامة الأغذية إلى التنمية الريفية . ولسوف يساعد هذا أيضاً في وضع الاستراتيجيات الخاصة بكيفية استخدام المساعدات المالية والمشورة الفنية التي يقدمها الاتحاد الأوروبي على أفضل نحو ممكن .
فضلاً عن ذلك، ومن أجل تعزيز ذلك النوع من المنافسة الإقليمية الذي نجح في تحفيز الإصلاح الإقليمي في الماضي، فلا بد أن تبدأ عملية غربلة البلدان الستة في نفس الوقت . ولا شك أن المنافسة -وتوقعات الانتماء إلى مجموعة البلدان المرشحة- سوف تشكل حافزاً إضافياً يدفع زعماء منطقة البلقان إلى الانخراط في عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي . ولا شك أن أياً من هذه البلدان لن يكون راغباً في أن تلاحظ المفوضية الأوروبية أن أداء دولة بعينها أفضل من أداء دولة أخرى .
إن منطقة البلقان تمر بوقت عصيب، والشكوك حول مستقبل المشروع الأوروبي في أعقاب أزمة اليورو قد تدفع الناخبين بعيداً عن الإصلاحيين المؤيدين لأوروبا ونحو الساسة من ذوي النزعات القومية . والواقع أن أفضل طريق للمضي قدماً يتلخص في استخدام الأدوات المتوفرة تحت تصرف الاتحاد الأوروبي بالفعل، شريطة توظيفها بشكل أكثر اكتمالاً وفعالية .
وتؤكد التجربة الأخيرة في مجال تحرير التأشيرة أن الاتحاد الأوروبي يتمتع بالقدرة اللازمة لتحفيز الإصلاحات الجادة في البلدان الضعيفة إذا نجح في تعبئة الحوافز المناسبة . والاضطلاع بهذه المهمة يتطلب وضع معايير واضحة وموضوعية، والمشاركة الفنية الوثيقة من قِبَل خبراء المفوضية الأوروبية، ووضع جدول زمني محدد للفرص والتقييمات الشفافة القادرة على تحريك المنافسة الإيجابية بين البلدان المتجاورة .
من الأهمية بمكان أن تبدأ عملية الغربلة لكل بلدان المنطقة بحلول صيف عام ،2011 ولا بد أن يتلخص الهدف الرئيسي في إتمام عملية الغربلة وتحديد الموقف النهائي من الترشيح بانتهاء رئاسة بولندا للاتحاد الأوروبي بحلول نهاية ذلك العام . والأمر لا يدور حول تقديم التنازلات بقدر ما يرتبط بتنفيذ عملية صارمة ولكن عادلة لتشجيع دول البلقان وتعزيز قدرتها على تحديد أوجه القصور ووضع الخطط اللازمة للتغلب عليها .
* كبير زملاء السياسات لدى المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، والمقال ينشر بترتيب مع "بروجيكت سنديكيت".
يبدو أن الاتحاد الأوروبي يعشق مؤتمرات القمة . وما علينا إلا أن ننظر إلى الطريقة التي يتفاعل بها حين يقرر الطرف الآخر ألا يظهر (على سبيل المثال رد الاتحاد الأوروبي على القرار الذي اتخذه الرئيس باراك أوباما بعدم حضور مؤتمر القمة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في مدريد) . إذا كان الاتحاد الأوروبي راغباً في أن يأخذه الآخرون على محمل الجد فلا بد وأن يتعلم أن التحدث عن وضع الأمور في نصابها الصحيح ليس بديلاً للقيام بالتحركات السليمة .
وسوف نجد أن الشأن الباكستاني يُعد المجال السياسي الأكثر تدليلاً على ميل الاتحاد الأوروبي إلى الكلام وليس العمل الفعلي . من المقرر أن تنعقد قمة الاتحاد الأوروبي وباكستان في العاشر من إبريل/نيسان، وهي بمثابة متابعة لأعمال أول اجتماع تم بين الطرفين في الخريف الماضي . ولكن من الصعب للغاية أن نعرف أي شيء عن الحدث، وذلك لأن لا أحد يرغب في تولي زمام الأمر: ليس هيرمان فان رومبوي الرئيس الدائم الجديد للمجلس الأوروبي؛ ولا كاثرين أشتون رئيسة السياسة الخارجية الجديدة لدى الاتحاد الأوروبي؛ وليس حتى رئيس الوزراء الأسباني خوسيه لويس ثاباتيرو، الذي دفع بأسبانيا إلى خشبة المسرح في العديد من المجالات الأخرى .
والسبب بسيط: فالاتحاد الأوروبي ليس لديه أي جديد يقوله أو يقدمه . وباكستان في حاجة ماسة إلى الخبرات التي يتباهى بها الاتحاد الأوروبي في مجال تدريب عناصر الشرطة . ولكن أي انتشار للمدربين سوف يُنظَر إليه باعتباره مجازفة خطيرة وباهظة التكاليف وليس من المرجح أن تصادق النجاح . وبدلاً من ذلك فإن البلدان الأعضاء سوف تباشر هذا الأمر فُرادى، بما لديها من مشاريع المساعدة الهزيلة .
وخلافاً لمشرف فإن زردارى لا يستطيع أن يعول على الدعم من الجيش، والذي يُعَد حتى الآن أقوى مؤسسات الدولة في باكستان . ولقد رد الجيش بشراسة على محاولات الحد من سلطاته وكبح جماح أنشطة أجهزته الاستخباراتية . ويقال إن منافس زرداري الرئيسي، نواز شريف، يخطط الآن لعودة سياسية بعد أن استشعر ضعف خصمه .
ربما يكون لدينا ثلاثة أسباب . الأول أن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى التركيز على باكستان لأن المتطرفين في باكستان يركزون على الاتحاد الأوروبي . ففي تقييمه الاستخباراتي لعام 2009 (تحت عنوان تقرير عن حالة الإرهاب وميوله) انتهى اليوروبول (البوليس الأوروبي) إلى أن باكستان قد حلت محل العراق باعتبارها المقصد المفضل للمتطوعين الراغبين في الانخراط في الصراع المسلح . ولقد أكد أحد كبار المسؤولين في الاتحاد الأوروبي مفسراً لهذا الميل قائلاً: لقد شهدنا في الماضي القريب العديد من الحالات حيث يذهب الباكستانيون إلى أوروبا أو يذهب شباب من مواطني الاتحاد الأوروبي إلى باكستان للتدريب وغسل الدماغ .
والسبب الثالث هو أن الولايات المتحدة من غير المرجح أن تتمكن من تحقيق أهدافها بمفردها، على الرغم من مساعداتها وجهودها . لقد وضعت الولايات المتحدة باكستان ضمن أهم حلفائها في الحرب الباردة . ونتيجة لهذا فقد تغاضت الولايات المتحدة عن العديد من الجوانب البغيضة للسلوك الباكستاني، في حين كانت المؤسسة العسكرية والاستخباراتية الباكستانية تحصل على قدر سخي من الدعم من جانب الولايات المتحدة .
ولقد ساعد هذا في تغذية نوعين من المشاعر المعادية للولايات المتحدة . فالمواطنون الباكستانيون العاديون يكرهون الولايات المتحدة لأنهم يعتقدون أن أمريكا دعمت سنوات من القمع والحكم العسكري، في حين يشعر أهل النخبة في باكستان بالقلق والانزعاج إزاء كل ما قد يقوض المكانة التي أصبحوا يتمتعون بها . وهذا يعني أن الولايات المتحدة لن يُنظَر إليها أبداً بوصفها شريكاً بناءً في تنمية باكستان . وهذا من شأنه أن يترك الباب مفتوحاً أمام الاتحاد الأوروبي، الذي يُنظَر إليه باعتباره مناصراً ثابتاً للديمقراطية .
هناك العديد من الأسباب التي قد تجعلنا نتعامل بحذر مع تصعيد الاتحاد الأوروبي لمشاركته في باكستان، ولكن السياسة الخارجية لا تتعامل مع المشاكل السهلة؛ بل إنها تدور حول معالجة القضايا الصعبة التي تؤثر على حياة الناس .
* كبير زملاء السياسات لدى المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، والمقال ينشر بترتيب مع بروجيكت سنديكيت.
هددت عالمنا في العقدين الماضيين عدة سكتات بدءاً من الدماغية وهي الأفكار، مروراً بالقلبية وهي الوجدان والعاطفة وانتهاء بالاقتصادية التي تحولت إلى اعصار ينافس أشد الأعاصير في التدمير وإلحاق الأذى.
في نهاية العشرينات من القرن الماضي شهدت الولايات المتحدة أزمة اقتصادية طاحنة، بحيث أصبح الناس لا يفكرون إلا بالأزمة والتضخم القاتل إلى الحد الذي كان من يكتب مقالاً أو رواية غير شجن آخر غير الأزمة الاقتصادية يعتبر خائناً وعاقاً للأمة، لهذا تحولت رواية بعنوان عودة مدام اندروس للروائي ثورنتون وايلدر إلى أمثولة في الفرار من الواقع إلى الخيال.
أما زمن العولمة فإن ازماته سواء كانت اقتصادية أو اخلاقية سرعان ما تتحول إلى وباء كوني لا يسلم منه القاصي والداني على السواء، لهذا تتعالى الآن صرخات الاستغاثة على امتداد الغرب والشرق، لكن المغيث مرتبك ويضرب أخماس ملياراته بأسداس مديونياته وما من بشارة تلوح في الأفق.
قبل أشهر قليلة غرق العالم كله في سجال حول الغلاء الفاحش والمتفاقم، وثمة من قرعوا الأجراس قائلين إن السبعة أعوام المقبلة حتى عام 2015 ستكون عجافا بكل المقاييس وبذلك حولوا اليأس إلى قنوط، واسلمت مليارات الجائعين والمشردين أمرها للسماء بعد أن ضاقت بها الأرض.
وإذا كان هناك أصحاء يعانون من فائض اللحم والشحم يموتون بالسكتة الدماغية أو القلبية فإن امبراطوريات مترامية الأطراف والأرداف معاً قد تموت بالسكتة المالية، أي السكتة الاقتصادية التي تتعدد اسماؤها تبعاً لمعجم الأزمات.
وبامكان أي مراقب لهذا الاعصار الاقتصادي أن يتنحى مخلياً المكان للأرقام والجداول، لكن الأرقام، إذا عزلت عن حيثياتها ومقدماتها تصبح صماء وتذكرنا بما قاله ذات يوم الفيلسوف والرياضي برتراند رسل لأحد زملائه عندما كان يضرب أرقاما بأخرى، وهو عمّ تتحدث يا صاحبي؟ وما هذه الملايين، هل هي بشر أم بقر أم أكياس بطاطا؟
بعضهم اختصر التحالف بين أعاصير الحرب والمال والطبيعة في أمريكا قائلاً إنه سوء الطالع، لكن مثل هذا التفسير البدائي يعفي من تسببوا في الأزمات من عواقب أفعالهم، فالرئيس بوش الذي يعد حقائبه لمغادرة البيت الأبيض أورث من سيخلفونه أزمات غير قابلة للانفراج في المدى المتطور، وقد تكون قابلة للانفجارات بتعاقب دراماتيكي.
إن عالمنا الذي يتوزع موته بين التخمة والجوع وبين عدة سكتات تطال القلب والدماغ والمال والأفكار والمفاهيم، يعيش الآن على الحافة، بعد أن راوح طويلاً في منطقة انعدم فيها الوزن.
ولو كانت الأزمة اقتصادية فقط، بدأت بما سميّ الخمول الاقتصادي وانتهت إلى اضطراب شامل لهان الأمر ولو قليلاً، لكن تحالف الأزمات وتزامن الكوارث، وغياب الروادع الموضوعية والذاتية أصبح يهدد العالم كله بالخطر، فما كان قبل عقود مجرد عرضٍ طارئ تحول إلى مرض عضال، ولم تفلح الوصفات الأكثر تداولاً في وضع حد لهذا الاضطراب المعولم ولهذا الشقاء المتعدد الجنسيات.
والزمن الذي تكثر فيه الثرثرة عن الحق والعدل تهدده سكتات لا يرجى لها شفاء لأن من تسببوا بها لا ترجى لهم أية مغفرة.
بعد الهجمة الإرهابية التي شهدتها السفارة الهندية في كابول، والتي خلفت 41 قتيلاً وتركت أصابع الاتهام موجهة نحو جهاز الاستخبارات الباكستاني، تذكر العالم من جديد تلك الأسباب التي جعلت شبه القارة الهندية تتفوق على الشرق الأوسط باعتبارها نقطة الاشتعال الأولى على مستوى العالم.
ولقد أوضح المرشحان الرئاسيان الأمريكيان، باراك أوباما وجون ماكين، أنهما ينتظران من الحكومة الباكستانية اتخاذ الخطوات اللازمة لمواجهة الجماعات المتمردة، وأن أياً منهما سوف يكون مستعداً في حالة انتخابه للتفويض بشن ضربات عسكرية داخل باكستان. إلا أن التعامل مع المشكلات التي تبتلي المنطقة على الوجه السليم يتطلب توجهاً أوروبياً أطلنطياً أكثر شمولاً.
لقد أصبحت قصة الفشل الغربي في أفغانستان الآن معتادة وذائعة، وتتجلى علامات هذا الفشل بوضوح وعلى نحو مؤلم وشبه أسبوعي في أعداد الضحايا من جنود حلف شمال الأطلنطي المحمولين إلى أوطانهم، إلا أن القصة نفسها تتكرر عبر الحدود مع باكستان، وتترتب عليها عواقب وخيمة لن يسلم منها أي من البلدين.
لقد تحول التفاؤل الذي أعقب الانتخابات الباكستانية الأخيرة إلى همٍ وقلق بعد ما بدا الأمر كأن المفاوضات التي تجريها الحكومة مع المتمردين جعلت الملاذ الذي يحتمي به الإرهابيون أكثر أماناً وتسببت في تكثيف الهجمات ضد قوات حلف شمال الأطلنطي في أفغانستان. إن الأجهزة العسكرية والاستخباراتية الباكستانية متعاطفة مع عقيدة أصولية، والجماعات العسكرية المتمردة التابعة لتنظيم القاعدة تعمل بحرية على أرض باكستان، ومع التناحر الداخلي بين أعضاء الحكومة بات من الصعب ترسيخ السيطرة المدنية على المؤسسة العسكرية.
وفي كل الأحوال، نستطيع أن نقول إن قدرة المؤسسة العسكرية في التعامل مع التهديد الحالي، ناهيك عن مواجهة التمرد واسع النطاق داخل البلاد، باتت محل شك. ويصدق القول نفسه على قدرة الغرب على تعزيز ودعم قوات الأمن الباكستانية. ونتيجة لهذا، أصبحت احتمالات خسارة السيطرة على أجزاء من باكستان لمصلحة تحالف الجماعات العسكرية المتمردة، الذي يكتسب المزيد من القدرة مع الوقت، تشكل تهديداً واقعياً خطيراً في الأمد القريب.
إذا كانت السياسة الأمريكية قد أثبتت فشلها في التعامل مع هذه المشكلة المتفاقمة، فقد ركزت السياسة الأوروبية على تقديم المساعدة الفنية، حيث قدم الاتحاد الأوروبي 125 مليون يورو في هيئة مساعدات أثناء الفترة من العام 2002 إلى العام 2006. فضلاً عن ذلك، فإن أوروبا تُعَد الشريك التجاري الأكبر لباكستان، حيث تستقبل 4.27% من إجمالي الصادرات الباكستانية بينما ترسل إلى باكستان 17% من إجمالي وارداتها. وفي العام 2005 وحده بلغ إجمالي واردات الاتحاد الأوروبي من باكستان 4.3 مليار دولار.
على الرغم من ذلك، بات من الصعب أن نتهرب من استنتاج مفاده أن الدور الذي يلعبه الاتحاد الأوروبي في باكستان يحمل علامات دولة ما قبل ماستريخت والتي لم يعد الاتحاد راغباً في اتخاذ صفاتها: تكنوقراطية عازفة عن الانخراط في السياسة، ومهمشة من جانب الولايات المتحدة.
ولكن لابد أن يتغير هذا، إذ ان الولايات المتحدة، حتى بعد قدوم الرئيس الجديد، لن تتمكن من إحراز النجاح في المنطقة من دون الالتحام مع أوروبا في جبهة موحدة. وليس لأوروبا أن تأمل في تحقيق غاياتها من خلال البرامج الفنية وحدها.
إن تأسيس هيكل ناجح للتعاون بين الولايات المتحدة وأوروبا يتطلب الشروع في العمل على الفور. والحقيقة أن العديد من التقارير التي ستؤثر في حملتي ماكين وأوباما يجري إعدادها الآن في واشنطن، إلا أن أياً من هذه الجهود لن يكون كافياً لرسم الطريق إلى الأمام على مسار التعاون بين ضفتي الأطلنطي. فضلاً عن ذلك فإن الأمر لا يخلو من خطر تكرار النمط التقليدي من التعاون بين الولايات المتحدة وأوروبا: حيث تتولى الولايات المتحدة وضع السياسات بينما تلعب أوروبا دور الممول المتردد العازف عن الانخراط في السياسة.
إن التعاون الحقيقي بين ضفتي الأطلنطي يتطلب العمل على توحيد الجهود من أجل إيجاد الحلول، وتمكين زعماء أوروبا من امتلاك خياراتهم السياسية. وإلا فإن الحكومات الأوروبية سوف تجد صعوبة جمة في تفسير حاجتها إلى تصعيد جهودها في المنطقة، كما ستستمر البرامج الفنية التي تقدمها المفوضية الأوروبية في رسم سياسة الاتحاد الأوروبي.
إن بناء الوحدة الضرورية والإستراتيجية السياسية السليمة يتطلب تشكيل لجنة أوروبية على غرار لجنة باركر هاميلتون. ولسوف يكون بوسع لجنة كهذه، بالتعاون مع البلدان الأعضاء الكبرى، مراجعة القضايا الرئيسية في المنطقة، وزيارة كل البلدان والجهات المعنية، والخروج بمجموعة من التوصيات الخاصة بتأسيس توجه عبر أطلنطي جديد يبدأ العمل به في وقت مبكر من العام ،2009 بعدما يتولى رئيس الولايات المتحدة الجديد منصبه.
ومن أفضل من نيكولا ساركوزي لإطلاق هذه المهمة؟ لقد لعب الرئيس الفرنسي بالفعل دوراً حاسماً في مد الجسور ورأب الصدع بين الولايات المتحدة وأوروبا في ما يتصل بالمهمة الأفغانية، وبعد مؤتمر المانحين الناجح استفاد أيضاً من الرئاسة الدورية الفرنسية للاتحاد الأوروبي.
ينبغي لهذه اللجنة في الوضع الأمثل لها أن تكون مستقلة، ولكن لابد أيضاً من إقرارها من قِبَل الحكومات الفرنسية والألمانية والبريطانية ومسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، خافيير سولانا، فضلاً عن النائبين الأمريكيين ماكين وأوباما، ولو كان ذلك في هيئة موافقة صامتة.
إن الجميع يدركون المخاطر التي يفرضها عدم الاستقرار عند الحدود الأفغانية الباكستانية، سواء بالنسبة لباكستان أو المنطقة بالكامل. في شهر يوليو/ تموز اشتبكت القوات الباكستانية والهندية في معركة تبادل فيها الطرفان إطلاق النار لمدة 12 ساعة عبر منطقة حدودية متنازع عليها. ولكن حتى الآن لم يُبذَل إلا أقل القليل من الجهد لبناء ذلك النوع من الإجماع بين ضفتي الأطلنطي بشأن الخيارات السياسية اللازمة لترسيخ التعاون بين رئيس الولايات المتحدة القادم وأوروبا.
ولكي يزداد الطين بلة فإن الرفض الايرلندي لمعاهدة لشبونة يهدد بدفع القضية إلى مؤخرة قائمة الأولويات. ولكن لا ينبغي لزعماء أوروبا أن يتغافلوا عن مشكلات العالم الواقعي. والحقيقة أن صياغة سياسة أوروبية أطلنطية جديدة بشأن التعامل مع أفغانستان وباكستان تشكل مطلباً واقعياً إلى أقصى الحدود.
دانييل كورسكي كبير زملاء التخطيط والسياسات بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، والنص ينشر بترتيب مع بروجيكت سنديكيت.