لا يختلف اثنان على أن مراكز التسوق تمثل اليوم حجر الزاوية التجاري بالنسبة للمجتمع الحديث، إذ إن مفهوم مراكز التسوق قطع شوطاً طويلاً منذ أن افتتح «غاليريا فيتوريو» في ميلانو، الذي يُعتبر أول مركز تسوق في العالم، أبوابه منذ ما يقرب من 150 عاماً. وقد استطاع مركز «غاليريا فيتوريو» أن يجمع بين تجارة التجزئة وتجربة تناول الطعام وثقافة المقاهي في نقطة مركزية تقع بين كاتدرائية ميلانو ودار الأوبرا. ويمثل مركز التسوق في جوهره مركزاً مجتمعياً كان ولا يزال حتى اليوم، مكاناً لا بد من زيارته في ميلانو.
وانطلاقاً من هذه النقطة بالتحديد، تطور مفهوم مراكز التسوق من مجرد أروقة مفتوحة تربط بين مواقع مختلفة، وصولاً إلى مفهوم المساحات المغلقة. وأصبحت هذه المراكز في الولايات المتحدة، وجهات تسوق ملائمة لا سيما في الضواحي. وبحلول عام 1960، كان هناك حوالي 4500 مركز تسوق في الولايات المتحدة، وبدأت دول أخرى تنضم إلى هذه القائمة وتعتمد هذا المفهوم في التسوق. ومع انتشار «الضواحي»، أصبحت وجهات التسوق التي توفر الوقت والجهد نواة الفكرة التي تقوم عليها مراكز التسوق الحديثة في جميع أنحاء العالم. وقد تبنت دولة الإمارات هذا المفهوم في عام 1981 مع إطلاق مركز الغرير، الذي كان افتتاحه إيذاناً بانطلاقة رحلة الإمارات لتصبح مركزاً عالمياً للبيع بالتجزئة.
ويبلغ حجم سوق مراكز التسوق العالمية في الوقت الحاضر نحو 5.4 تريليون دولار، ومن المتوقع أن يشهد هذا السوق نمواً بأكثر من 40% ليصل حجمه إلى 7.8 تريليون دولار بحلول عام 2028. إلا أن توقعات النمو هذه لا تخلو من تغيير آخر على مفهوم مركز التسوق، إذ إن مراكز التسوق تجاوزت الدور التقليدي لها كمراكز للتبضع والتسوق، وتطورت، أو بالأحرى عادت إلى ما كانت تمثله من مساحات مجتمعية حيوية ووجهات لأسلوب الحياة.
أدى تنامي التجارة الإلكترونية الذي رافقه تغير جذري في أنماط الإنفاق، إلى تغيير سلوك المستهلك، وتغيير الأمور التي تدفع الناس للتوجه إلى وجهة مادية للبيع بالتجزئة. وتم استبدال عادة النزول إلى التسوق أو شراء البقالة الأسبوعية، براحة التسوق في أي وقت كان، والتفاعل الاجتماعي والمشاركة في التجارب.
واعتبر الكثيرون ذلك الأمر بمثابة صعوبة حقيقية أمام جهود التكيف والابتكار وإعادة تحديد الهدف. فمنذ عام 2014، تضاعف سوق التجارة الإلكترونية العالمي أكثر من ثلاث مرات ليصل إلى 4.9 تريليون دولار في عام 2021، بما في ذلك قفزة حادة في عام 2020 على خلفية القيود المرتبطة بجائحة «كوفيد-19». وبينما عاد مسار النمو إلى مستويات ما قبل الجائحة، إلا أنه لا يزال يمضي في اتجاه تصاعدي. وقد شكلت التجارة الإلكترونية في العام الماضي ما يقرب من 20% من إجمالي مبيعات التجزئة العالمية، ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى 24% بحلول عام 2026. ولكن في مواجهة مثل هذه المنافسة القوية، لا تزال مراكز التسوق تحظى بشعبية مهمة، ليس بسبب الراحة التي توفرها وحسب، بل لأنها تجمع الناس معاً. ويبحث المواطنون والمقيمون في دول مجلس التعاون الخليجي عن أماكن تجمّع مميزة تعبر عن مجتمعهم، تماماً مثل «غاليريا فيتوريو» في ميلانو.
تقوم المراكز التجارية بالمساهمة في بناء المجتمع على ثلاثة مستويات، فهي تمثل أولاً مراكز مجتمعية، إذ تضم كل شيء تحت سقف واحد، من محال تجارية ومطاعم وصالات سينما، وصولاً إلى فروع مصارف، ومراكز لياقة بدنية، ومراكز طبية.
وثانياً، تشكل مراكز التسوق جسراً يربط بين المجتمعات والثقافات المختلفة، وبيئة تشجع على التفاعل الاجتماعي وتعزز الشعور بالانتماء. كما توفر هذه المراكز فرصة لاستكشاف تجارب جديدة بصحبة الأصدقاء والعائلة، أو حتى تجربة أطباق وتقاليد دول أخرى، إذ إن تجربة تناول الطعام قد تمثل الدافع الأساسي عند البعض لزيارة مركز التسوق.
أما ثالثاً، فتوفر مراكز التسوق منصات لتعزيز المسؤولية الاجتماعية، حيث تتصدر هذه المراكز عبر مبادرات المسؤولية الاجتماعية المؤسسية، كنشاط جمع التبرعات، وجهود إلهام الناس لرد الجميل للمجتمع.
تحتاج مراكز التسوق لكي تساهم بنشاط في بناء المجتمع، إلى تلبية احتياجات زوارها، عبر توفير مساحات عامة يسهل الوصول إليها، وتتسم بالشمولية، لترحب بمختلف شرائح المجتمع. ويشير بحث أجرته شركة ماكينزي إلى أهمية إزالة أي جوانب قد تثير امتعاض الضيوف واستبدالها بنقاط تبعث على البهجة والسرور. ويبقى الهدف دائماً خلق تجارب تسعد الضيوف. ومع ذلك، فإن الطريقة التي نقوم بتحقيق هذا الأمر من خلالها تتطور وتتغير بشكل دائم، بما يتماشى مع الاتجاهات والتكنولوجيا. ويرتكز هذا النهج بشكل أساسي على إعادة صياغة وبناء تجربة الضيف، حيث يرغب نحو 60٪ من المستهلكين في أن تركز أكثر من نصف مساحات البيع بالتجزئة على المشاركة في تجارب. كما يفضل الضيوف الاتصال والتخصيص، لذلك ينبغي على مراكز التسوق أن ترتقي بمستوى عروضها لتتوافق مع التركيبة السكانية المحلية. وعند القيام بأي خطوة من تلك، يجب أن تكون مشاركة المجتمع موجودة في صميم كل ما تقدمه مراكز التسوق. ويمكن لمراكز التسوق من منظور أصحاب المصلحة، أن تحدث فرقاً كبيراً عبر خلق بيئة مواتية للشركات المحلية، وتوفير منصة تساعدها على النمو.
وفي الختام، يمكن أن تكون مراكز التسوق مفيدة في دعم ومناصرة التغيير الإيجابي داخل المجتمع. ويوفر عام الاستدامة في دولة الإمارات والفترة التي تسبق انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة الثامن والعشرين لتغير المناخ، مؤتمر الأطراف (COP28)، فرصة مثالية للبدء بإطلاق عملية إصلاح مستدامة.
* الرئيس التنفيذي لشركة المارية للتجزئة
ديفيد روبنسون *
هناك عامل مشترك واحد يجمع معظم مراكز التسوق بغض النظر عن موقعها، فهي تعتبر من الوجهات المميزة التي يجتمع فيها الناس، وتحتاج الى توفير كافة الخدمات كونها تعتبر مدناً مصغرة تحقق الاكتفاء الذاتي، وتلعب فيها التصاميم الداخلية والخارجية دوراً رئيسياً في أساليب تواصل الضيوف مع بعضهم وتفاعلهم مع التجارب والعروض التي توفرها.
إن التصميم الجيد لمراكز التسوق يجعلها وجهات مميزة للقاء والتواصل الاجتماعي وتناول الطعام والعمل، ويتمثل هدفها الأساسي في خلق شعور بالانتماء والراحة بين الضيوف لزيارتها مجدداً وهذا ما يشير إليه البعض باسم «تصميم المكان».
عندما يتعلق الأمر بالتصاميم الهندسية والمعمارية، فإن تجاوز التفكير التقليدي في التصميم هو مفتاح التميز والنجاح، حيث تحقق مراكز التسوق الناجحة التوازن بين الخدمات وخلق إحساس بالراحة والانتماء، وإن أكثر ما يثير إعجابي في تصميم مراكز التسوق هو كيف يمكن أن يؤدي تجمع بعض العناصر إلى تحقيق هدف أكبر، والارتقاء بتجربة التسوق العادية لتصبح تجربة غامرة للضيوف. وإلى جانب الخدمات المتعلقة بسهولة الوصول والبنية التحتية والتنقل ومساحات التسوق، ركز عدد كبير من مراكز التسوق على تصميم مساحات مجتمعية تجذب الضيوف بتصاميمها المتفردة وأفكارها المختلفة، وقد شهدت التصاميم المعمارية لمراكز التسوق في السنوات الخمس عشرة الماضية تكاملاً أكبر بين المساحات الداخلية والخارجية. على سبيل المثال، قامت العديد من مراكز التسوق التقليدية مؤخراً بتوسيع تصاميمها لتشمل المزيد من الساحات العامة والمساحات المجتمعية.
إن عمل شركة الاستشارات الهندسة المعمارية الهولندية «يو إن استديو» في بناء مركز تسوق «شانغهاي جيوغوين» هو مثال واضح على التناغم الفريد بين التصاميم الداخلية والخارجية. فبينما أشرفت الشركة اليابانية نيهون سيكي على التصميم الخارجي لمركز التسوق، تولت شركة يو إن ستديو مسؤولية دمج التصميم الخارجي مع التصميم الداخلي لإنشاء «مساحة لعب مستحدثة» تمتاز بألوان دافئة ومساحات عمودية رائعة.
قصة نجاح أخرى لمراكز التسوق هي (The Shops & Restaurants) في هدسون ياردز، من تصميم شركة «إلكوس مانفريدي آركيتيكتس» وهو عبارة عن مساحة داخلية ساحرة ومركز للبيع بالتجزئة متعدد المستويات وهو الوجهة المفضلة للسكان في هدسون ياردز. يمتاز المركز المكون من سبعة طوابق بتصميم دائري ومناطق تسوق متميزة وفناء من خمسة طوابق بجدران زجاجية يوفر إطلالات خلابة على المساحات الخارجية التي تبلغ مساحتها ستة فدانات ومشهداً بصرياً بين الداخل والخارج. وهذا مثال آخر كمركز تسوق شنغهاي جيوغوين (Shanghai Jiuguang) في الصين، فإن نجاح مركز التسوق يعود إلى الدمج الفريد بين التصاميم الخارجية والداخلية.
ويمكن القول إن أكثر التوجهات شيوعاً في السنوات الأخيرة هو دمج التراسات الموجودة على السطح في مراكز التسوق لجذب الزوار إلى الطوابق العلوية لتنشيط بعض المناطق المهملة، ومنح الزوار متعة التواصل مع الطبيعة كجزء من التجربة الشاملة التي يوفرها مركز التسوق، حيث يلعب المهندسون المعماريون والمصممون دوراً هاماً في استخدام العناصر الطبيعية في تصميم مركز التسوق لخلق شعور قوي بالانتماء للطبيعة عند الزوار، وقد استخدمت مراكز التسوق فتحة إنارة سقفية لخلق إحساس أكبر بالبيئة المحيطة وإحداث توازن بين الداخل و الخارج.
يعد مركز «بيروود بريكوركس» (Burwood Brickworks) في مالبورن، أستراليا، من المراكز الرائدة في مجال الاستدامة والحفاظ على الطاقة، حيث تم تصميم المبنى كمركز في الضواحي ويضم عدداً كبيراً من المزارع ونظام الطاقة الشمسية، وخلال العشر سنوات القادمة وما بعدها سنرى استمرارية في التوجه نحو الاستدامة والتصميم المستدام في مراكز التسوق، وفي محاولة للحفاظ على الطاقة فإن شركات البناء والمهندسون المعماريون سيستثمرون أكثر فأكثر في الموارد البيئية وبناء مراكز تسوق صديقة للبيئة للحد من الانبعاثات الكربونية قدر الإمكان.
أما بالنسبة لتوقعاتنا لمراكز التسوق في المستقبل، فلا شك أن رواد مراكز التسوق سيتمتعون بالمزيد من المساحات الخضراء الطبيعية الداخلية والمواطن البيئية الطبيعية الأمر الذي يولد شعوراً بالتواجد في المناطق الطبيعية الخارجية، كما سيصبح استخدام الأسطح الخضراء وألواح الطاقة الشمسية ومواد البناء الطبيعية أكثر أهمية لضمان الاستدامة على المدى الطويل، وسيستمر هذا التطور المشوق لنرى مزيداً من الدمج بين التصميمين الداخلي والخارجي في مراكز التسوق.
* الرئيس التنفيذي لشركة المارية للتجزئة