صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
روبرت ماغينيس
كاتب وضابط متقاعد في الجيش الأمريكي
أحدث مقالات روبرت ماغينيس
17 فبراير 2026
مطالب الاقتصاد القديم ومسار خفض الانبعاثات

بينما تنشغل أمريكا الشمالية وأوروبا ببناء مراكز البيانات اللازمة لتشغيل اقتصاد القرن الحادي والعشرين، لا تزال كثير من الأسواق الناشئة مشدودة إلى منتجات القرن الماضي، كالصلب والأسمنت والبلاستيك، بوصفها ركيزة لخلق الوظائف وتحقيق النمو. لينعكس هذا التباين على الهياكل الاقتصادية، ويشق مسارات متباعدة للتحول في مجال الطاقة.
في الولايات المتحدة وأوروبا، يدفع السباق على ريادة الذكاء الاصطناعي ومعالجة البيانات إلى إعادة هندسة منظومات الكهرباء لتوفير طاقة أكثر، وبموثوقية أعلى. في المقابل، تبقى اقتصادات واسعة في آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط رهينة الصناعات الثقيلة كثيفة الاستهلاك للطاقة، لإنتاج المواد الخام والسلع الاستهلاكية. والنتيجة أن الوقود الأحفوري، وخاصة الفحم، مرشح للبقاء في قلب هذه المنظومات لفترة أطول مما يفترضه صناع القرار في الغرب.
صحيح أن اقتصادات أوروبا والولايات المتحدة بدأت رحلتها الصناعية بالمواد الخام والصناعات الثقيلة، لكن عقوداً من نقل الأنشطة إلى الخارج أدت إلى ترحيل الجزء الأكبر من تلك الطاقات الإنتاجية إلى مناطق أخرى. فمنذ تسعينات القرن الماضي، كانت الصين الوجهة الأبرز لتوسّع القدرات في إنتاج المعادن والأسمنت والكيماويات والسيراميك والزجاج، ثم سخّرت هذه المدخلات لبناء قطاع صناعي يُعد اليوم من الأقوى عالمياً.
غير أن الصين ليست وحدها. فدول مثل فيتنام وإندونيسيا ونيجيريا ومصر وتركيا والهند إما سارت، أو تحاول السير، على النهج نفسه، لتصبح بدورها منتجاً رئيسياً للمواد الأساسية. وتشير بيانات «مرصد الطاقة العالمي» إلى أن نحو ثلاثة أرباع الطاقة الإنتاجية العالمية للصلب والكيماويات تتمركز اليوم في آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية. أما الأسمنت والكلنكر، المكوّنان الحيويان للخرسانة، فنحو 85% من طاقتهما الإنتاجية خارج أمريكا الشمالية وأوروبا. والأكثر دلالة أن قرابة 90% من القدرات الجديدة قيد الإنشاء في هذه الصناعات تتركز في تلك المناطق نفسها.
هذه البلدان ليست مجرد مواقع أقل كلفة للإنتاج، إنها أيضاً من أسرع الأسواق نمواً في استهلاك الأسمنت والصلب والبلاستيك ومشتقاتها. نقطة الوصل هنا، بين انخفاض كلفة التشغيل وارتفاع الطلب المحلي، تعزز منطق توطين الطاقات الإنتاجية. ومع توسّع سلاسل الإمداد، من أساطيل النقل إلى التخزين والمعالجة، يتولد مزيد من القيمة المضافة والوظائف، ما يرسّخ مكانة هذه الصناعات في الاقتصاد المحلي. وإذا أضفنا طموح بناء قطاع تصنيعي قادر على تحويل المواد الأولية إلى سلع أعلى قيمة، يصبح مفهوماً لماذا تعتمد سياسات كثيرة دعم الصناعات الأساسية.
لكن الاعتماد العميق على المواد الخام بوصفها مولداً للوظائف ومدخلات وسيطة رئيسية يرسم أيضاً ملامح منظومات الكهرباء الوطنية. فإنتاج الأسمنت والصلب والكيماويات، يحتاج إلى طاقة وفيرة ورخيصة للحفاظ على التنافسية. ولأن هذه المواد سهلة الاستيراد، يبقى المنتجون المحليون عرضة للمنافسة الخارجية، ما يضغط على السلطات لتثبيت الكلفة، وخاصة كلفة الطاقة، وصياغة سياسات تميل لصالح المنتجين. وفي الاقتصادات السريعة النمو والحساسة للكلفة، تتحول منظومة الطاقة إلى أداة من أدوات السياسة الصناعية.
* كاتب متخصص في التحول العالمي
في مجال الطاقة (رويترز)

29 أبريل 2025
من «بيرل هاربور» إلى تايوان

روبرت ماغينيس *

إن سبب انخراط الدول في حروب مع بعضها بعضاً هو اقتصادي في المقام الأول غالباً، ومعركة الرسوم الجمركية المتبادلة التي يخوضها الرئيس دونالد ترامب، تُركز الآن، أكثر من أي وقت مضى، على الصين، التي تُعاني تحديات مالية جسيمة أساساً. فهل يُمكن أن يُصبح هذا مثالاً على ما قاله الجنرال الألماني كارل فون كلاوزفيتز «الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى»؟
لقد صرّح وزير الخزانة سكوت بيسنت بأن بكين الطرف السيئ، وأن زيادة الرسوم الجمركية عليها جاءت بسبب إصرارها على التصعيد. بالطبع، يتفق معظم مراقبي الصين على أن لدى أمريكا روابط تجارية غير متوازنة معها، وهو وضع تفاقم بسبب عقد من تدهور العلاقات الذي حوّل الدولة الآسيوية إلى مارد لا يستهان به.
قد لا يؤدي تصاعد الحواجز التجارية بالضرورة إلى صراع مفتوح. ومع ذلك، يُشير التاريخ إلى أن وراء معظم الحروب الدائرة دوافع إلى موارد مثل النفط والمعادن المستخدمة في التصنيع. ورأينا كيف أدت هذه المصالح إلى هجوم اليابان على أمريكا عام 1941.
وكيف ساهم قرارها ببدء التصنيع، أواخر القرن التاسع عشر، بغزو «منشوريا» عام 1931 لتأمين المواد الخام اللازمة لنموها الصناعي. وسرعان ما أنشأت دولة مانشوكو، وبحلول عام 1937، اندلعت حربها الكبرى مع الصين.
لقد استنزفت حرب اليابان مع الصين موارد طوكيو الحربية، ما دفعها إلى الاستيلاء على أراضٍ أخرى في آسيا. عندها، فرضت الولايات المتحدة رسوماً جمركية عالية وعقوبات اقتصادية وحظراً على اليابان، الأمر الذي هدد بشل اقتصادها.
وبحلول عام 1941، كانت طوكيو وواشنطن قد تفاوضتا لأشهر دون جدوى. ومع ذلك، وللتغلب على آثار الإجراءات الاقتصادية الأمريكية، قررت الأولى خوض حرب ضد الولايات المتحدة، على أمل تدمير أسطولها البحري الراسي في «بيرل هاربور» في هاواي، وبالتالي الحصول على وصول غير مقيد إلى المواد الخام الحيوية عبر المحيط الهادئ.
ومع أن الصين الحديثة ليست اليابان ما قبل الحرب العالمية الثانية، إلا أنها تُقدم مثالاً لدولة تُحركها الضغوط الاقتصادية. ومع ذلك، تواجه بكين المعاصرة تحديات اقتصادية حقيقية لطموحاتها في الهيمنة، والتي إن لم تُكبح، فقد تُهدد قبضتها ونفوذها العالميين.
إن خيارات الرئيس شي جين بينغ هي قبول اقتصاد متدهور قد يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار الداخلي، أو جذب شركاء الولايات المتحدة التجاريين إلى الصين لتعويض الأسواق المفقودة. وربما يلجأ إلى العمل العسكري كوسيلة لتغيير حظوظه الاقتصادية، مثل الهجوم على تايوان أو أراضٍ إقليمية أخرى.
ومن الأمور التي لا خلاف عليها، هو أن الاقتصاد الصيني سيتباطأ في عام 2024، جرّاء أزمة العقارات المطولة، وتزايد ديون الحكومات المحلية، واستمرار بطالة الشباب. ما يُبرز التحديات التي تواجه ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
وإضافةً إلى هذه التحديات، فرض ترامب تعريفات جمركية بنسبة 145% على الصين، أي أنها قد تخسر ما لا يقل عن 525 مليار دولار من إيراداتها السنوية، وهو ما يعني ملايين العمال الصينيين العاطلين عن العمل. وستفاقم هذه النتيجة تراجع ثقة الشركات والمستهلكين، وضعف اليوان الصيني، وتسرع من وتيرة الاضطرابات.
فكيف سيتعامل شي مع الخسارة المحتملة للسوق الأمريكية؟ سيكون ذلك صعباً في الواقع. فصادرات الصين تُمثل حجر الزاوية في استراتيجية الرئيس الاقتصادية، كما أن الإنفاق الاستهلاكي للبلاد انخفض إلى نصف ما كان عليه قبل الجائحة، ولا يمكن استيعاب فائض العرض علاوة على ذلك، قد تُحرم بكين من الاستثمارات الأجنبية بسبب حالة عدم اليقين الجيوسياسي.
لا شك في أن رسوم ترامب الجمركية تأتي في وقت عصيب بالنسبة للحكومة الصينية. ومع ذلك، بإمكانها إجراء إصلاحات جريئة تُسهم في استقرار اقتصاد البلاد، أو ستخلق حالة من التشتيت. لكن هذا غير مرجح أيضاً، فالصين قادرة على الصمود، كما اتضح من سيطرتها على الأمور خلال جائحة «كوفيد-19» عندما فقد ملايين المواطنين وظائفهم.
نعم، إن حرب ترامب التجارية مع بكين جزء من استراتيجية متعددة الجوانب لتأمين بلاده من تهديد أوسع نطاقاً. ويبقى هناك احتمال ضئيل أن تُؤدي التوترات المُحتدمة إلى أعمال عدائية حقيقية، أو أن استراتيجية شي هي التحمل لفترة أطول في معركة عض الأصابع مع نظيره الأمريكي.

* كاتب وضابط متقاعد في الجيش الأمريكي (فوكس نيوز)