16 أغسطس 2025
رؤية متفردة في صناعة الخير
سعيد مطر الطنيجي *
بوصفي ابناً لهذا الوطن وشاهداً على هذا الدعم الإنساني ومطلعاً عليه بحكم وجودي في تلك البقاع، أرى في هذا النهج مدرسةً تُعلّم الأجيال معنى المسؤولية، وتُشرك المجتمع في الفعل الخيري كجزء من الهوية والسلوك اليومي.
إننا أمام نموذج تنموي يُزاوج بين حكمة القيادة وفاعلية المؤسسات ووعي المجتمع، ويحوّل قيم التكافل إلى سياسات وبرامج قابلة للقياس والتطوير.
من هنا يأتي واجبنا في تعزيز الشراكات، وتوسيع مظلة التطوع، والاستثمار في المشاريع المستدامة التي تُعيد بناء الإنسان والمكان معاً، حيث ستبقى الإمارات، والشارقة خاصة، عنواناً لعملٍ إنسانيٍّ متوازن يجمع بين سرعة الاستجابة ودقة التنظيم، وبين الرحمة والاحتراف، وبين إغاثة اليوم وتنمية الغد، ذلك هو الإرث الذي نُسهم جميعاً في صونه وتطويره، إيماناً بأن قدر هذا الوطن أن يكون حيث يُنادى على الخير، وحيث تنتظر الأرواحُ قبساً من أمل.
فمنذ أن وضع القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بوصلة الدولة على نهج الرحمة والتكافل، تَحوَّل العمل الإنساني في الإمارات إلى رؤية وطنية تُدار بمنهجية وسياسات ومؤسسات، فتجاوز أثره حدود الجغرافيا ليبلغ كل محتاج.
وفي قلب هذه الرؤية جاء تحرّك الإمارات العاجل تجاه القطاع المحاصر عبر عملية «الفارس الشهم 3»، التي انطلقت بأمر من صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، لتؤسس جسورَ إغاثة برّية وجوية وبحرية، وتُقيم مستشفى ميدانياً داخل غزة يواصل تقديم خدماته وسط ظروف بالغة الصعوبة.
ومع تعقيد الوصول البري، حلّقت «طيور الخير» في سماء غزة لتكسر عزلة المناطق المحاصرة عبر عشرات عمليات الإسقاط الجوي المتتالية، في جهدٍ منسّق قلّ نظيره. هذا الجسر الإنساني المتواصل لم يحمل الغذاء والدواء فقط، بل حمل رسالة الأمان والرجاء لأسر أنهكها الحصار والدمار. واستمر الزخم حتى بلغ عدد عمليات الإنزال مستويات قياسية خلال الأسابيع الأخيرة، ما يعكس ثبات النهج واستمراريته.
ولأن الماء حياة، تحرّكت الإمارات لتنفيذ مشروع مائي ضخم يخدم مئات الآلاف في جنوب غزة، عبر إنشاء خط ناقل يربط محطة التحلية التي أنشأتها الدولة في الجانب المصري بمناطق النزوح بين خان يونس ورفح، بهدف توفير حصص آمنة من المياه المحلاة يومياً. وتزامن ذلك مع صيانة الآبار وإعادة تشغيل المضخات لتأمين تدفقٍ مستدام للمياه في المناطق الأشد تضرراً.
هذا الجهد نحو غزة امتدادٌ لسجلّ طويل من الاستجابات الإماراتية. فعند زلزال تركيا وسوريا، تحركت عملية «الفارس الشهم 2» بجسرٍ جوي وبحري قدّم آلاف الأطنان من المواد الغذائية والطبية والإيوائية خلال أسابيع، في واحدة من أسرع وأوسع العمليات من نوعها.
وفي الشارقة، تتجسّد هوية الإمارة الثقافية والإنسانية في مبادرات راسخة الأثر تقودها مؤسسات رائدة، في مقدمتها جمعية الشارقة الخيرية الذراع الإنساني في إمارة الشارقة التي لا تألو جهداً في دعم المبادرات الخيرية والإنسانية بتوجيهات من صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، الذي يؤكد دائماً أهمية هذا العمل النبيل في دعم تنمية المجتمعات والمحافظة على كرامة الإنسان ورسم صور التكافل المجتمعي.
ولذلك تأتي جهود جمعية الشارقة الخيرية في التنسيق الكبير والمستمر لدعم عملية الفارس الشهم 3، وكذلك مؤسسة القلب الكبير التي ترعاها سموّ الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي؛ حيث تحشد الدعم للاجئين والمحتاجين حول العالم، وتنفذ مشاريع نوعية في التعليم والصحة والحماية وتمكين سبل العيش. ومع اندلاع الحرب على غزة، لبّت المؤسسة نداء «تراحم – من أجل غزة» بحملات عاجلة لجمع التبرعات وتسيير المساعدات، مؤكدة أن الشارقة حاضرة بقوة في كل فعل خيري يُخفّف معاناة الأبرياء.
ولا تقلُّ مبادرات المجتمع الأهلي في الشارقة حضوراً؛ فقد تحركت جمعية الشارقة الخيرية بالتنسيق مع «القلب الكبير» ومجالس الضواحي لتعزيز المشاركة المجتمعية، ما وسّع قاعدة العطاء، وضمن وصول المساعدات إلى مستحقيها بكفاءة.
كما تواصل الإمارة عبر جوائز ومبادرات دولية، مثل “جائزة الشارقة الدولية لمناصرة ودعم اللاجئين”، ترسيخ ثقافة مؤسسية تعترف بالمنجز وتحتفي بالفاعلين وتُحفّز الابتكار في العمل الإنساني.
* رئيس لجنة شؤون الأسرة بالمجلس الاستشاري لإمارة الشارقة