سيمون هوتاغالونغ*
تبدو الصين اليوم في موقع معقّد على خريطة العلاقات الدولية، حليف اقتصادي لا غنى عنه، منافس استراتيجي مثير للقلق، وتهديد محتمل في نظر بعض الدول. هذا التداخل في الأدوار يفرض على صناع القرار في القرن الحادي والعشرين التعامل مع الصين «متعددة الوجوه»؛ فهي صديق للبعض، ومصدر ريبة لآخرين، وخصم صريح لقوى ترى في صعودها خطراً على النظام القائم. كما أن اختزالها في توصيف واحد يُغفل عوامل كثيرة تحكم سلوكها، ويتجاهل اختلاف ردود فعل المناطق الجغرافية حيال سياساتها.
اقتصادياً، تبرز الصين بوصفها شريكاً دولياً محورياً. فقد ضخت مبادرة «الحزام والطريق» مليارات الدولارات في مشاريع بنية تحتية امتدت عبر آسيا وإفريقيا وأجزاء من أوروبا، شملت موانئ وسككاً حديدية ومناطق صناعية ومحطات طاقة، وهي مشاريع لم تكن دول كثيرة قادرة على تمويلها بمفردها. ورغم الجدل الذي يرافق هذه المشاريع، فإنها أسهمت في تحسين شبكات النقل وتسريع وتيرة التحضر والنمو. كما أن السوق الاستهلاكية الصينية الضخمة تشكل ركيزة أساسية لسلاسل الإمداد العالمية، وتجذب المصدرين للاستثمار داخل البلاد. يضاف إلى ذلك دور بكين في التعاون الدولي لمواجهة تغير المناخ، وتطوير الطاقة المتجددة، وحماية الصحة العامة، ما يعزز صورتها كشريك لا يمكن تجاهله.
في جنوب شرق آسيا، تتخذ الشراكة مع الصين طابعاً عملياً واضحاً. فهي الشريك التجاري الأول لرابطة «آسيان»، ويعتمد كثير من اقتصادات المنطقة على استمرار النمو الصيني. وتتعزز العلاقات، كما في حالة إندونيسيا، عبر برامج التبادل الثقافي والتعاون الأكاديمي والسياحة. كما يقدم النموذج الصيني في الحد من الفقر والتقدم التكنولوجي مثالاً جذاباً لدول تبحث عن مسارات تنموية بديلة.
لكن هذه الشراكة لا تخلــــو مــــن الشكـــوك. فالغموض الاستراتيجي في بحر الصين الجنوبي ومضيق تايوان يثير تســاؤلات حــــول نوايــــا بكـــين المستقبليــــة. وتصاعد القدرات البحرية، والعمليات الرمادية، والمطالبات الإقليمية الواسعـــة، كلها عوامل غذّت توتـــرات دبلوماسيـــة متزايـــدة.
كذلك تثير قضايا الديون وشروط القروض غير الواضحة والعجوزات التجارية مخاوف حقيقية لدى الدول المعتمدة على التمويل الصيني. أما في مجال التكنولوجيا، فتواجه الصين اتهامات تتعلق بالمراقبة وسرقة البيانات، ما يفتح نقاشاً واسعاً حول السيادة الوطنية والأمن الرقمي.
ورغم المنافع الاقتصادية، تدرك الدول أن الروابط المالية الوثيقة قد تتحول إلى عبء أمني. وهنا يبرز التحدي في جنوب شرق آسيا، كيف يمكن جذب الاستثمار الصيني من دون الوقوع في فخ الاعتماد المفرط عليه؟
في البُعد الأمني، تتجسد صورة «الصين التهديد» بوضوح أكبر. فالتحديث العسكري السريع، والمواقف الحدودية الصارمة، وتطور القدرات السيبرانية، كلها مؤشرات على سعي بكين لإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية.
وقد اشتدت المنافسة العالمية على التجارة والتكنولوجيا والنفوذ المؤسسي، مع اعتبار الولايات المتحدة وحلفائها الصين الخصم الاستراتيجي الأبرز. وفي جنوب شرق آسيا، تزيد النزاعات البحرية والتحركات العسكرية من مخاطر الانزلاق إلــــى صدامــــات غير مقصودة قد تهدد استقرار المنطقة بأكملها. التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة يكمن في التوفيق بين هذه الصور الثلاث. فالدول مطالبة بإيجاد توازن دقيق، التعاون مع الصين في المصالح المشتركة، مع الحفاظ على الاستقلال الوطني والقدرات الدفاعية. فمخاطر الاعتماد على الأسواق والتكنولوجيا والقروض الصينية قائمة، كما أن قضايا تايوان وبحر الصين الجنوبي تشكل بؤراً تهدد الاستقرار العالمي.
أما على مستوى الحوكمة العالمية، فتثار تساؤلات حول تأثير صعود الصين على المعايير الدولية الراسخة. وسيكون لدور بكين داخل مؤسسات مثل الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية أثر حاسم في تحديد ما إذا كانت هذه المؤسسات ستتعزز أم ستتغير قواعدها.
لقد قدّمت الصين نفسها كثلاثة كيانات مُختلفة، شريك لا يمكن الاستغناء عنه، ومصدر قلق دائم، ومنافس للنظام القائم في آن واحد. وعلى صانعي السياسات فهم هذا التعقيد بعيداً عن التبسيط المخل، وذلك للحفاظ على الاستقرار العالمي في القرن الحادي والعشرين.
*دبلوماسي متقاعد من وزارة الخارجية الإندونيسية «أوراسياريفيو»
في الوقت الذي يستعدّ فيه الزعيم الإندونيسي الجديد برابوو سوبيانتو لتولي السلطة الشهر المقبل في البلاد، تزداد التوقعات بأن يتبنّى العسكري الذي تحول إلى سياسي دوراً أكثر حزماً مع نهج جديد كلياً لجاكرتا على الساحة العالمية. ولكي ينجح في مسعاه، لابد أن يحقق مكاسب اقتصادية في الوقت نفسه.
وبينما تشير طموحات برابوو في مجال السياسة الخارجية إلى تحول دراماتيكي محتمل في الدبلوماسية الإندونيسية، فإن أي انحراف استراتيجي لابد أن يكون متوازناً بحكمة مع التحديات الاقتصادية الكثيرة المُلحة التي تواجهها البلاد في الداخل.
وعليه، سيكون إعطاء الأولوية للسياسات والمبادرات الخارجية التي تساعد في معالجة العجز في البنية الأساسية، وخلق فرص العمل، وتخفيف حدة الفقر، وتنمية رأس المال البشري، أمراً بالغ الأهمية، لضمان أن تقدم الدبلوماسية الأكثر نشاطاً فوائد ملموسة للشعب الإندونيسي.
إن طموحات برابوو في السياسة الخارجية، والتي ألمح إليها من خلال غزواته الدبلوماسية كوزير للدفاع، تمثل بالفعل تحولاً كبيراً عن الرئيس المنتهية ولايته جوكو ويدودو، الذي اتخذ عموماً نهجاً حذراً وعملياً يؤكد على الحفاظ على العلاقات الدولية المستقرة.
ومع ذلك، فاز قائد القوات الخاصة السابق بالانتخابات بفضل وعود باستمرار السير على نهج ويدودو، مستخدماً شعبية الرئيس، ومستفيداً كذلك من وسائل التواصل الاجتماعي مثل «تيك توك»، للحصول على دعم قاعدة الناخبين الشباب الضخمة في إندونيسيا عبر خطابات قومية وشعبوية.
ويتوقع كثيرون أن يتولى برابوو دوراً أكثر مباشرة في صياغة موقف إندونيسيا مع مواقفها العالمية. وتُظهِر مبادراته حتى الآن، ولا سيما خطة السلام المقترحة في أوكرانيا والتي تدعو إلى إنشاء منطقة منزوعة السلاح واستفتاء الأمم المتحدة، رغبة في رفع مكانة إندونيسيا العالمية.
وفي الوقت نفسه، تؤكد زياراته البارزة إلى فرنسا وتركيا وروسيا طموحه لبناء علاقات مع القوى العالمية الرئيسية على جميع جوانب الانقسامات الجيوسياسية المتعمقة ووضع إندونيسيا كلاعب بارز، إن لم يكن حاسماً، في الوسط وحتى الوسيط المحتمل.
ويمكن القول، إن هذا النهج الاستباقي يتماشى مع التوقعات المتزايدة للقوى المتوسطة مثل إندونيسيا، رابع أكبر دولة من حيث عدد السكان في العالم، وأكبر اقتصاد في جنوب شرق آسيا، للعب دور أكبر في الحوكمة. فضلاً عن وضعها الجيد الذي يسمح لها بإثبات وجودها كأرض محايدة على الساحة العالمية.
والواقع أن قدرة إندونيسيا على سد الفجوات الجيوسياسية، مع تحول المشهد الدولي نحو نظام أكثر تعدداً للأقطاب، من المرجح أن تعزز نفوذها داخل المنظمات متعددة الأطراف الرئيسية مثل الأمم المتحدة ورابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان).
وفي الوقت نفسه، سوف يحتاج برابوو إلى تحقيق مكاسب اقتصادية من خلال دبلوماسيته العالمية. وينبغي أن يشمل ذلك إنشاء شراكات دولية استراتيجية، واستثمارات مستهدفة في البنية الأساسية والتعليم، والالتزام بالتنويع الصناعي القائم على الاستثمار المباشر الأجنبي.
على سبيل المثال، قد تخدم مشاركاته الدبلوماسية مع دول مثل فرنسا وتركيا أيضاً في جذب الاستثمار المباشر الأجنبي في قطاعات حيوية مثل التصنيع والطاقة المتجددة. ومن ناحية أخرى، قد يؤدي تعزيز العلاقات الثنائية مع روسيا والصين إلى تنشيط التعاون التجاري والبنية الأساسية، وتزويد إندونيسيا بالتكنولوجيا والموارد اللازمة للتحديث الاقتصادي. ومن خلال مواءمة السياسة الخارجية مع الضرورات المحلية اقتصادياً، أصبح برابوو في وضع جيد لتنويع الشراكات الاقتصادية لإندونيسيا، والحد من الاعتماد على أي قوة عالمية واحدة. ومن شأن هذا التنويع أن يساعد في عزل البلاد عن الصدمات الخارجية، وتحسين موقفها التفاوضي على الساحة العالمية.
وبالتالي، يتعين على برابوو أن يضمن أن مشاركاته الدولية لا تتم فقط من أجل قيمتها الدبلوماسية، بل أيضاً من أجل ربطها جوهرياً بتحسين سبل عيش الإندونيسيين العاديين، والسماح لهم بالمشاركة في مكاسب العولمة.
وفي الوقت الذي حظيت فيه مبادرات برابوو في السياسة الخارجية عموماً باستقبال إيجابي من قِبَل الجمهور الإندونيسي، فإن إدارته لابد أن تخفف من حدة الحماس بتوقعات واقعية.
ومن المؤكد أن صعود إندونيسيا إلى دور رئيسي على الساحة العالمية سوف يستغرق بعض الوقت. وبالتالي، ينبغي أن يظل التركيز الفوري لدبلوماسية برابوو على معالجة التحديات المحلية وتحسين الاقتصاد.
ولن تعمل هذه الاستراتيجية المتكاملة على تعزيز القوة والنفوذ العالميين لإندونيسيا فحسب، بل ستحمي أيضاً ازدهارها الاقتصادي على المدى الطويل، وستعمل بالتوازي على بناء مكانة برابوو كرجل دولة عالمي يحظى بالاحترام والتقدير.
*دبلوماسي متقاعد من وزارة الخارجية الإندونيسية «آسيا تايمز»