صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
شهاب أحمد الفهيم
سفير الإمارات لدى اليابان، والمفوّض العام لجناح الدولة في «إكسبو 2025 أوساكا - كانساي»
أحدث مقالات شهاب أحمد الفهيم
13 يوليو 2025
من الأرض إلى الأثير.. الإمارات في قلب العالم

شهاب أحمد الفهيم *

منذ خمسة وخمسين عاماً، وفي أوساكا تحديداً، سجّلت إمارة أبوظبي أولى مشاركاتها في معارض «إكسبو» العالمية، حاملة معها طموحاً ناشئاً ورسالة صادقة: «نحن مستعدّون للانفتاحِ على العالم». واليوم، تعود دولة الإمارات إلى اليابان الصديقة، لا كمراقب، بل كشريك فاعل في صياغة المستقبل، ومحرّك لحوارات إنسانية تتجاوز الحدود، ومحفّز لمسارات تقدم جماعي لا يستثني أحداً.
ف«إكسبو 2025 أوساكا – كانساي» ليس مجرد معرض عالمي، بل منصة حية لاختبار جدوى الأفكار، وقدرة التعاون، وصدق النوايا. ومن قلب هذه المنصة يطل جناح دولة الإمارات برؤية تؤمن بأن القيادة تبدأ من القيم، وبأن التقدم لا يكتمل إلا حين يكون مشتركاً، ومتكاملاً، ومبنياً على التواضع واحترام الإنسان.
لقد تحوّلت معارض «إكسبو» إلى ساحات فكرية وإنسانية، تتقاطع فيها التجربة بالخيال، وتلتقي فيها الأمم لا لتعرض ما لديها، بل لتتعلّم من بعضها. وهي روح لطالما شكّلت ملامح تجربة دولة الإمارات، من اتحاد حديث ولد من رحم التحدي، إلى دولة شابة تضع الإنسانَ محوراً لكل ما تنجز، والكرامةَ أساساً لكل ما تسعى إليه.
وشكّل «إكسبو 2020 دبي» لحظة مفصلية في هذه المسيرة، فقد استقبلنا العالم بكل ثقافاته، وأعدنا تعريف مفهوم «المعرض العالمي» ليصبح تجربة ملهمة تنبض بالانفتاح والتقدير المتبادل. ومن دبي إلى أوساكا، نُواصل هذا الحوار العالمي، حاملين إرثاً من الثقة، وطموحاً لا يعرف المدى.
يحمل جناح دولة الإمارات شعار «من الأرض إلى الأثير» – وهو ليس مجرد عنوان، بل تعبير عن التزام وجودي بتمكين الحياة على الأرض من خلال الاستدامة، وفي الفضاء من خلال الاكتشاف. ويقدّم الجناح تجربة إنسانية متكاملة عبر ثلاث محطات رئيسية: «مستكشفو الفضاء»، و«محفّزو الرعاية الصحية»، و«أمناء الاستدامة» – وهي ليست أقساماً تقليدية، بل دعوة لتأمّل قصص حيّة لأفراد وشراكات يجسّدون الحلم الإماراتي في أبهى تجلّياته.
في مجال الفضاء، لم تكن دولة الإمارات أول دولة عربية تصل إلى المريخ فحسب، بل جعلت من هذا الوصول بوابة لتمكين المعرفة. فبيانات «مسبار الأمل» متاحة مجاناً للمجتمع العلمي العالمي، في تجسيد واضح للدبلوماسية العلمية، وإيمان راسخ بأنّ الفضاء ليس امتيازاً، بل مسؤولية مشتركة. ومن خلال عضويتها في اتفاقيات «أرتميس»، ومساهمتها الفاعلة في مشروع «غايتواي»، تسهم دولة الإمارات في صياغة مستقبل فضائي أكثر تعاوناً وإنصافاً.
وفي قطاع الرعاية الصحية، تحوّلت الضرورة إلى دافعٍ للتميز. فمن شراكات علمية مع جامعة كيوتو، إلى تعاون مع منظمة الصحة العالمية، تعمل الإمارات على تطوير منظومة صحية تعلي من قيمة الوقاية، وتستثمر في أبحاث الجينوم، والتشخيص المبكر، والطبّ الشخصي المدعوم بالذكاء الاصطناعي. ومن خلال مؤسسات وطنية رائدة مثل «بيور هيلث»، و«M42»، و«بنك أبوظبي الحيوي»، نعيد رسم العلاقة بين الإنسان والطب، لنصنع تجربة صحية تُصان فيها الحياة، وتُحترم فيها الخصوصية، وتُكرَّس فيها الكرامة.
أما في الاستدامة، فالحكاية تبدأ من النخلة -هذا الرمز المتجذّر في هويتنا- وتمتد إلى تفاصيل التصميم والهندسة. فقد صُمّم الجناح ليكون نموذجاً للاستدامة المعمارية، مبنياً من مواد طبيعية قابلة للفك وإعادة الاستخدام، ومستلهماً من فنون النجارة اليابانية التقليدية. لكنّ الرمز يتجاوز الشكل، فكما شيّد أجدادنا بما توفر لهم من موارد، نحن اليوم نبني برؤية تستشرف احتياجات الكوكب بأسره.
لكنّ ما يميز الجناح بحق ليس مواده ولا هندسته، بل روحه. ففي كل زاوية يرحب سفراؤنا الشباب بالزوار، حاملين رسالة من وطن يؤمن بأن الضيافة فعل انتماء، وأن الحوار هو أصدق أدوات التفاهم. الفنانون، والعلماء، والحرفيون، والمبدعون، يضفون على الجناح روحاً نابضة تُحوّله من مساحة عرض إلى تجربة حسية تتجاوز البصر إلى البصيرة.
ومن هنا، تنبع أهمية مشاركتنا في «إكسبو 2025 أوساكا». فلسنا نقدم صورة جاهزة، بل نعرض مساراً نعيشه: مسار يسخّر الفضاء لخدمة الأرض، ويجعل من الاستدامة ممارسة يومية، ويحوّل العمارة إلى حوار، والتجربة إلى رسالة.
وتجسّد هذه المشاركة أيضاً عمق العلاقة بين دولة الإمارات واليابان، شراكة بدأت قبل الاتحاد، وتطوّرت عبر عقود من الثقة والتبادل، واليوم تتوّج في أوساكا بلحظة ثقافية وإنسانية نعتز بها، ونستشرف من خلالها مستقبلاً نرسمه معاً.
وبصفتي المفوّض العام لجناح الدولة، وسفيرها لدى اليابان، كنت شاهداً على تفاعل الزوّار اليابانيين مع الجناح، وقد كان لافتاً أنّ ما يلامس وجدانهم لم يكن الفخامة أو الحجم، بل المعنى، لم يكن الإبهار، بل الصدق. وفي تلك اللحظات من التواصل الإنساني، تتجلّى القيمة الحقيقية لأيّ «إكسبو».
لقد تجاوزنا الآن مرحلة الافتتاح، وأصبح الجناح نابضاً بالحياة: بالأسئلة، بالحوارات، بالفضول. والمرحلة التالية في رحلتنا تكمن في تحويل هذا التفاعل إلى تعاون، والتعاون إلى إرث مستدام. وقد بدأت الأفكار الجديدة تتبلور بالفعل – من برامج تعليمية وتبادلية، إلى مبادرات في البحث المشترك، والاستدامة، والرعاية الصحية.
نوجّه اليوم دعوة مفتوحة للعالم: انضموا إلينا في صياغة ما بعد إكسبو، فمشاركتنا لا تقتصر على العرض، بل تسعى لبناء روابط إنسانية، وتفعيل التعاون، وإطلاق مشاريع تخدم الحياة – من الأرض إلى الأثير.
ومن هنا، تنبع أهمية قصتنا في معارض إكسبو، ونحن فخورون بأن نرويها من جديد، من قلب أوساكا، إلى العالم.

* سفير الإمارات لدى اليابان، والمفوّض العام لجناح الدولة في «إكسبو 2025 أوساكا - كانساي»