صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
شو هونجكاي
نائب مدير لجنة السياسة الاقتصادية في الصين (تشاينا ديلي)
أحدث مقالات شو هونجكاي
21 أغسطس 2022
لا خوف على الاقتصاد الصيني

شو هونجكاي*

أظهر الاقتصاد الصيني، مرونة كبيرة تجاوز أداؤه من خلالها التوقعات خلال النصف الأول من هذا العام. وعلى الرغم من تفاقم مخاطر التضخم والركود العالمي الذي يضاعف حالة عدم الاستقرار الدولية ويزيد الشكوك، إضافة إلى الضغط الثلاثي المتمثل في انكماش الطلب المحلي، وصدمات العرض، وضعف التوقعات، يسير الاقتصاد الصيني بخطى ثابتة في مسعاه لتحقيق هدف النمو السنوي.

وبفضل جهود الحكومة في تحقيق التوازن بين تدابير الوقاية من الوباء ومكافحته والحفاظ على التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فإن مزيج السياسات لتحقيق الاستقرار في الاقتصاد سيعزز النمو في النصف الثاني من العام.

في النصف الأول من عام 2022، نما الناتج المحلي الإجمالي للصين بنسبة 2.5%، مع معدل نمو في الربع الثاني من العام قدره 0.4% فقط بسبب عودة تفشي فيروس كورونا وعوامل خارجية متعددة. ولكن في مايو ويونيو، ومع بدء ظهور تأثيرات السياسات المختلفة، انتعشت المؤشرات الاقتصادية الرئيسية من جديد. فارتفعت القيمة المضافة للصناعات واسعة النطاق جنباً إلى جنب مع مؤشر مديري المشتريات التصنيعي، وبدأ معدل البطالة في المناطق الحضرية بالانخفاض، مع لعب الاستثمار دوراً محورياً في تحفيز النمو الاقتصادي خلال الأشهر الستة الأولى.

باختصار، لا يزال الاقتصاد الصيني يتمتع بنقاط مضيئة مميزة، نذكر منها على سبيل المثال التضخم المسيطر عليه جيداً في البلاد؛ حيث نفذت بكين سياسات داعمة للعرض واستقرار الأسعار ساعدت إلى حد كبير على تعويض تأثير التضخم العابر للحدود. وارتفع إثر ذلك مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 1.7% على أساس سنوي في النصف الأول من العام، و2.5% في يونيو/حزيران.

في غضون ذلك، انخفض مؤشر أسعار المنتجين من ذروة بلغت 13.5% على أساس شهري في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي إلى 6.1% في يونيو من هذا العام. لكن حقيقة أن أسعار السلع الاستهلاكية الأساسية ظلت مستقرة، وفّرت دعماً قوياً لأسعار المواد الغذائية، وأسهمت بنمو المعروض في السوق، وضمان توافر الحاجات الأساسية. وعلى الرغم من انخفاضه فإن مؤشر أسعار المنتجين من المرجح أن يرتفع مجدداً في النصف الثاني.

بدورها، شهدت التجارة الخارجية نمواً قوياً أيضاً وتحسن هيكلها، وذلك بفضل زيادة الواردات والصادرات من الشركاء التجاريين الرئيسيين للصين، مثل رابطة دول جنوب شرق آسيا، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، واليابان، وجمهورية كوريا، والبلدان المشاركة في مبادرة الحزام والطريق. وفي النصف الأول من العام، استوردت الصين سلعاً بقيمة 8.66 تريليون يوان (1.28 تريليون دولار) بزيادة 4.8% على أساس سنوي. في المقابل شكّلت الصادرات 11.14 تريليون يوان (1.64 تريليون دولار) بزيادة 13.2% عن الفترة ذاتها من العام السابق. ونتيجة لذلك، تجاوز الفائض التجاري 2.48 تريليون يوان (367 مليار دولار).

ومن النقاط المضيئة الأخرى التي أسهمت في استقرار الاقتصاد الصيني أنه بينما تسبب ارتفاع أسعار الفائدة من قبل الفيدرالي الأمريكي في انخفاض حاد في الين الياباني والجنيه الإسترليني واليورو، إلا أن أثر ذلك كان متواضعاً على قوة العملة الصينية، وظل اليوان مستقراً نسبياً مقابل الدولار الأمريكي، وهو ما يعكس مرونة النظام المالي الصيني وأسسه الاقتصادية المتينة.

نذكر أيضاً تسارع عملية التحول الصناعي والتطوير في الصين، كما يتضح من نمو القيمة المضافة في النصف الأول للصناعات عالية التقنية بنسبة 9.6% على أساس سنوي، بزيادة 6.2% عن جميع الصناعات الكبيرة الأخرى. أما بالنسبة للاستثمار في كل من الصناعات والخدمات عالية التقنية، فقد نما كذلك بنسبة 23.8% و12.6% على التوالي. وسهّلت السياسات المواتية تدفق رأس المال والموارد، وضمنت التشغيل السلس لسلاسل اللوجستيات بما في ذلك الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم والعاملين لحسابهم الخاص، مما مهد الطريق نحو اقتصاد منخفض الكربون.

ونظراً لأن الصين تعتمد إلى حد كبير على واردات النفط والغاز الطبيعي وخام الحديد والفحم، فإن إنتاجها المحلي وإمدادها بهذه السلع يعوض جزئياً الضغط التضخمي العالمي الحاصل، وانعكس هذا جلياً في ارتفاع الأسعار من الغذاء والنفط والغاز الطبيعي وخام الحديد والفحم. وبما أن ارتفاع أسعار المواد الخام يؤدي إلى ارتفاع التكاليف الصناعية، فسيكون لذلك تأثير على الصين كدولة صناعية كبيرة، وقد تتحمل الشركات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة الحجم وطأة ارتفاع أسعار المواد الخام هذه.

إلى ذلك، قد تواجه الصين في النصف الثاني لهذا العام رياحاً عكسية بسبب تقلص الطلب الخارجي. كما يمكن أن تؤثر زيادة أسعار الفائدة من جانب الفيدرالي وخفض قيمة اليوان في واردات الدولة، وهي مشكلة تفاقمت بسبب عدم اليقين في التجارة والبيئة الدولية. ومع هذا، فإن اقتصاد الصين يبقى مرناً، لأنه مدعوم بسلسلة صناعية شاملة. وعليه، ستواصل بكين تعزيز الإصلاح والانفتاح، وتحسين بيئة الأعمال التجارية، وزيادة المدخلات في البحث والتطوير.

وبالنظر إلى المستقبل، يواجه الاقتصاد الصيني، العديد من التحديات والمخاطر المحتملة. على المدى القصير، ستؤثر عدة عوامل في الانتعاش الاقتصادي، بما في ذلك الضغط التضخمي المستورد، وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، وانخفاض الإنفاق الاستهلاكي، والتنظيم في سوق العقارات، والاضطراب في الأسواق المالية العالمية.

ومع ذلك، فالمؤشرات الاقتصادية الرئيسية للصين مستقرة؛ بل في الواقع، هي في حالة انتعاش. وإذا كان مسار الشهرين الماضيين يشكل أي دليل، فمن المتوقع أن ينتعش الاقتصاد الصيني بقوة في الربع الثالث، مع نمو الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 5% واستمرار الزخم في الفصل الأخير لعام 2022.

* نائب مدير لجنة السياسة الاقتصادية في الصين (تشاينا ديلي)