لُغتنا العربيةُ، يُسر لا عُسر، تتميّز بجمالياتٍ لا حدودَ لها ومفرداتٍ عَذْبةٍ تُخاطب العقلَ والوجدانَ، لتُمتعَ القارئ والمستمعَ، تُحرّك الخيالَ لتحلّقَ بهِ في سَماءِ الفكر المفتوحة على فضاءات مُرصّعةٍ بِدُرَرِ الفِكر والمعرفة. وإيماناً من «الخليج» بدور اللغة العربية الرئيس، في بناء ذائقةٍ ثقافيةٍ رفيعةٍ، نَنْشرُ زاوية أسبوعية تضيءُ على بعضِ أسرارِ لغةِ الضّادِ السّاحِرةِ.
من إبداع أحمد شوقي، في اعتزازه بنفسه، وثقته بشخصيته:
هَجَرْتُ أَحِبَّتي طَوْعاً لأنِّي
رَأَيْتُ قُلُوبَهُمْ تَهْوى فِراقِي
نَعَمْ يَشْتاقُهُمْ قَلْبي ولكِنْ
وَضَعْتُ كَرامَتي فَوْقَ اشْتِياقي
وأَرْغَبُ في وِصالِهُمُ ولَكِنْ
طَريقُ الذُّلِّ لا تَهْواهُ ساقي
أبو فراس الحمداني (الطويل)
أَراني وقَوْمي فَرَّقَتْنا مَذاهِبُ
وإِن جَمَعَتْنا في الأُصولِ المَناسِبُ
فأَقْصاهُمُ أَقْصاهُمُ مِنْ مَساءتي
وأَقْرَبُهُم مِمَّا كَرِهْتُ الأقارِبُ
غَريبٌ وأهْلي حَيْثُ ما كانَ ناظِري
وَحيدٌ وحَوْلي مِنْ رِجالي عَصائبُ
نَسِيبُكَ مَنْ ناسَبْتَ بالوُدِّ قَلْبَهُ
وجارُكَ مَنْ صافَيْتَهُ لا المُصاقِبُ
وأَعْظَمُ أَعْدَاءِ الرِّجالِ ثِقاتُها
وأَهْوَنُ مَنْ عادَيْتَهُ مَنْ تُحارِبُ
وشَرِّ عَدُوَّيْكَ الّذي لا تُحارِبُ
وخَيرُ خَلِيلَيْكَ الّذي لا تُناسِبُ
لَقَدْ زِدْتُ بالأيّامِ والنّاسِ خِبْرَةً
وجَرَّبْتُ حَتَّى هَذَّبَتْنِي التَّجارِبُ
وما الذَّنْبُ إِلّا العَجْزُ يَرْكَبُهُ الفَتى
وما ذَنْبُهُ إِنْ حارَبَتْهُ المَطالِبُ
ومَنْ كانَ غَيْرَ السَّيْفِ كافِلُ رِزْقِهِ
فلِلذُّلِّ مِنْهُ لا مَحالَةَ جانِبُ
وما أُنْسُ دارٍ لَيْسَ فِيها مُؤانِسٌ
وما قُرْبُ دارٍ لَيْسَ فِيها مُقارِبُ
غُرَّةُ كُلِّ شَيْءٍ: أوَّلُه. كَبِدُ كُلِّ شَيْءٍ: وَسَطُه. خاتِمَةُ كُلِّ أَمْرٍ: آخِرُه. غَرْبُ كُلِّ شَيْءٍ: حَدُّه. فَرْعُ كُلِّ شَيْءٍ: أعْلاه. السِنْخُ والجِذْرُ من كُلِّ شَيْءٍ: أَصْلُه.تباشِيرُ كلِّ شَيْءٍ: أوَّلُه، ومِنْهُ تباشيرُ الصُّبْحِ. نُقايَةُ كُلِّ شَيْءٍ: ضِدُّ نُفايَتِهِ.
وكُلُّ عِطْرٍ مائِعٍ: مَلاب. وكُلُّ عِطْرٍ يابِسٍ: كِباء. وكُلُّ عِطْرٍ يُدَقُّ: ألَنْجوج. وكُلُّ شَيْءٍ جاوَزَ الحَدَّ: طَغى.
ومن صفاتِ المَحَاسِنِ والمَمادِحِ: الطَيِّبُ النَّفْسِ الضَحُوكُ: فَكِهٌ. السَهْلُ اللَيِّنُ: دَهْثَمٌ. العَبِقُ اللَّبِقُ: صَعْتَرِيٌ. الظَرِيفُ الخَفيفُ الكَيِّسُ: بَزِيعٌ.الكَرِيمُ الطَّرَفَيْنِ الشَرِيفُ الجَانِبَيْنِ: مُعَمٌّ مُخْوَلٌ. الخَفِيفُ في الشَّيءِ لِحِذْقِهِ: أحْوَذِيٌّ وأحْوَزِيٌ، قال الشاعر:
لَقَدْ أَكونُ على الحاجاتِ ذا لَبَثِ
وأَحْوَذِيّاً إِذا انضمَّ الذّعالِيبُ (الذّعالِيبُ: أطْرافُ الثّيابِ)
يكثر استخدام مثل هذه العبارة في كثير من وسائل الإعلام أو الكتابات الأخرى «وقَدْ كانتْ ظُروفُ العَملِ صَعْبةً» أو «ظُروفُ الأُسرةِ كانَتْ مُضطربة... إلخ».. هي خطأ والصّواب «أوضاع العمل» أو «أحوال الأسرة..»، في صحيح اللغة: الظَّرْفُ حُسْنُ العِبارة، وحُسْن الهَيئة، والحِذْقُ بالشَّيء، وقَدْ ظَرُفَ ظَرْفاً ويَجوز في الشعر «ظَرافة»، مصدر الظّريف. وامرأَة ظَريفة من نِسوة ظَرائِفَ وظِرافٍ. والظَّرْفُ: الوِعاء، والجَمْعُ: ظروْفُ. والظَّرف: البَراعةُ وذَكاء القَلْب، يُوصَف به الفِتْيانُ الأَزْوالُ والفَتَياتُ الزَّوْلاتُ، قال الطّرِمّاح: وألقَتْ إليَّ القولَ منهنَّ زَوْلةٌ
تُخَاضِنُ أو ترنُو لقول المُخاضِنِ
والمُخاضَنَةُ: المُغازَلة.
أَتَطلُبُ مِن أَخٍ خُلُقاً جَليلاً
وخَلقُ الناسِ مِن ماءٍ مَهينِ
فسامِح أَن تُكَدَّرَ وُدَّ خِلٍّ
فإِنَّ المَرءَ مِن ماءٍ وَطينِ
البيتان لصفي الدين الحلّيّ، يقول إن التسامح والعفو والتعامل الطيّب مع الأصدقاء والأحبّة، ينشر الخير والهناء والصفاء.
«ديوان العرب» الذي قدّمه الشاعر الإعلامي محمد البريكي أخيراً، خرج عن النمطية والأسئلة المكررة، ما يعني أن هيئة الشارقة للإذاعة والتلفزيون، تسعى إلى التميز والابتكار، ضمن رؤية واضحة لصاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، التي تهتم بالجانب الثقافي والشعري، وإظهاره بالمظهر الذي يليق، بفتح نوافذ ثقافية منتقاة؛ فالشعر في الشارقة يعيش عصراً ذهبيّاً بهذه الرعاية، وكثيراً ما نشاهد برامج تُعنى باللقاءات الشعرية، وقليل منها استطاعت أن تحاور الشاعر وتغوص في أعماق تجربته وتتلمس روحه، بعيداً من الأسئلة النمطية التي اعتادها الشعراء، وأصبحت لا تقدم شيئاً عن الشاعر وحياته. ومن البرامج التي حظيت بالمتابعة والقيمة الأدبية برنامج «أمسية ثقافية» للشاعر الراحل فاروق شوشة، وغيره من البرامج التي أثرت في الواقع الثقافي.
ولأن الشارقة تبحث عن التميز والابتكار، فقد أطل «ديوان العرب» في المرحلة السابقة بوجه مشرق استهدف فئات عدّة من الشعراء، حيث استطاع أن يستثير خيال الشعراء ويبرز ما تنطوي عليهم قصائدهم، في المقابل كان هناك قبول من الشعراء والمتلقين، لجرأة طرح الأسئلة وتنوعها وخروجها عن العادي والمألوف، فضلاً عن قدرة مقدم البرنامج محمد البريكي على توظيف إمكاناته وثقافته في محاورة المبدعين، حيث كان يرسم لكل شاعر خريطة ويحاول بطرحه أن يكشف حالات الغموض التي تحيط بكل شاعر حاوره، ويبتكر طرائق متنوعة في العمل الإعلامي الثقافي، ليحل رموزاً تسهل على المتابع اكتشاف عالم هذا الشاعر أو ذاك؛ فالبرنامج كان متميزاً، حيث تعددت أصوات الشعراء وثقافاتهم وطابعهم في التجريب، ومن ثم التعرف إلى دواخلهم وكيف يوظفون التراث وأنواع الخطاب الشعري والأفكار التي تهيمن عليهم في أثناء الكتابة.
وأوجد صيغة مشتركة بين المتابعين والبرنامج، فمركز الثقل في أي عمل ثقافي مثل هذا، يتمثل في الإعداد الجيد والسيطرة على مجريات الحلقات بحرفية وإتقان، وكل ذلك كان يتطلب أدوات للتأثير في المتابعين، خصوصاً أن حياتنا المعاصرة تتميز بتجليات الإبداع الشعري، وهو ما أوجد رؤية لدى الجيل الحالي في مكونات الخطاب الشعري.
حلقات كانت نموذجاً في التلاحم والشمولية، فاتسعت رقعة الحوار وأفاض الشعراء في تحليل جوانب كثيرة عن تجاربهم الإبداعية.
في 18 ديسمبر 1973، أخذت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «يونيسكو»، في دورتها الثامنة والعشرين، قرارها بأن تكون العربية لغة رسمية سادسة في الجمعية العامة للأمم المتحدة والهيئات الفرعية التابعة لها، ويكون لها الوضع نفسه للغات الرسمية الخمس الأخرى: الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والروسية والصينية.
وذكرت الجمعية في حيثيات القرار، أنها اتخذته إدراكاً منها لما للعربية من دور فعّال في حفظ حضارة الإنسان وثقافته ونشرها، وأنها لغة تسعة عشر عضواً من أعضاء الأمم المتحدة (في ذلك الوقت). ثم فيما بعد، عام 2012، اعتُمد هذا التاريخ (18 ديسمبر)، يوماً عالمياً للغة العربية.
رغم إدراكنا أن الجمعية، مع تثميننا للقرار، تأخرت كثيراً في اتخاذه وإقراره، فإنه قرار جيد وضروري، فمن غير المقبول أن يُضطر مندوب دولة عربية، سكانها بالملايين، وينتشرون في أصقاع الأرض، وينتجون من الآداب والعلوم والفنون إبداعات مهمة وضرورية، إلى التحدّث بالإنجليزية أو الفرنسية، لأنّ العربية لم تكن معتمدة في ذلك الوقت.
لكن المدهش والمستغرب أن نصل إلى العام الرابع والخمسين للإقرار، والعام السادس للاعتماد، والتقصير بحق العربية من أبنائها أنفسهم مستمر ومتفاقم، بخاصّة بين الجيل الجديد من الشباب الذين لا يكاد الواحد منهم يتمكّن من صياغة جملة صحيحة، بمفردات سليمة، ناهيكم عن المعرفة بالقواعد والمترادفات والشواهد من القرآن الكريم والشعر والنثر العربيين، التي ضمّت فرائد ولآلئ وجواهر لغوية ومعنوية عزّ نظيرها في لغات وثقافات أخرى.
لم تتوانَ دولة الإمارات عن دعم اللغة العربية، في مبادرات وفعاليات ولجانٍ، شملت المدن والمناطق كافة، فمبادرة «بالعربي» في دبي، جمعت نخبة من المختصين والمهتمين والقيّمين على العربية وآدابها، وأسهبت في تعزيز الاهتمام بها وإبراز جمالها، وقيمها، وتفرّغت وسائل دبي الإعلامية كافة المرئية والمسموعة والمقروءة للاهتمام بالحدث والتشجيع والتحفيز بوسائل متعدّدة، لجذب العرب إلى لغتهم وهُوّيتهم.
وفي الشارقة هناك مجمع اللغة العربية، الذي يضمّ نخبة من علماء العربية والمهتمّين، وتلفزيون الشارقة الذي يقدّم برامج ثريّة عن العربية، بأسلوب جاذب وممتع، ودائرة الثقافة التي تصدر مجلّتين في تضاعيفهما صفحات غنيّة عن العربية وآدابها الراقية، وإيراد نماذج ممتعة من درر عربيّتنا، وكذلك هيئة الكتاب التي يشهد لها الجميع بالنشاط الفاعل والثري، خدمة للغتنا وتراثنا.
وهناك هيئة الفجيرة الثقافية التي لا ينقطع نشاطها خلال العام، بفعاليات ثقافية وأمسيات شعرية وأدبية، ورأس الخيمة بنشاطاتها المميّزة ثقافة ومسرحاً.
وعلى رأس هذا كلّه في عاصمتنا الحبيبة أبوظبي، مبادرات وفعاليات لا يملك المرء إلا أن يقف احتراماً لها، وتمتلئ نفسه بالفخار ببرنامجي «أمير الشعراء» و«شاعر المليون» اللذين يقدّمان نخبة من أدباء العرب المميّزين والموهوبين فعلاً.
لغتنا هُوّيتنا، وتاريخنا الثرّ، وتراثنا الراقي المبدع، وحاضرنا المبهج، ومستقبل أجيالنا الخلّاق. نهنّئ أنفسنا بيوم عربيّتنا ونتمنّى أن يكون كل يوم للغتنا، وندعو بقوّة وإخلاص جيلنا إلى التمسّك بها، والبحث في جواهرها ودررها وفرائدها.
[email protected]
كثير من التقنيات التي أضافها صانعو الآلات التي نستخدمها في حياتنا إليها، قد يراها بعض الناس، غير ذات أهمية، ولا يفكرون حتى في النظر إليها، ومعرفة سبب وجودها، مثلهم مثل من يشتري دواء، ورغم كتابة جملة مهمة جداً، على الغلاف، تقول: «اقرأ النشرة المرفقة»، فهو لا ينظر إليها، إن لم يرمِها في أقرب سلة مهملات.
صانعو السيارات، أضافوا إلى أساسيات سير المركبة، من محرّك وهيكل، وعجلات..تقنيات داخلها، ضرورية جداً، ولم يضعوها عبثاً، أو لمجرّد الزينة، منها على سبيل المثال «حزام الأمان» هو مكوّن من كلمتين حزام وأمان، وكلتاهما في غاية الأهمية، ف«الحزام»، من معانيها الضبط، و«الأمان»، هو الهدوء والراحة والاطمئنان، فوجوده في السيارة ضروري، لأن تثبيته أثناء القيادة يحمي كثيراً من أضرار الحوادث في الشوارع، فبحسب الإدارة الوطنية للسلامة المرورية على الطرق السريعة في الولايات المتحدة، فإنّ أكثر من 15 ألف شخص ينقذهم كل عام من الموت، من حوادث السير، ارتداؤهم ذلك الحزام.
ورغم ذلك، فإن سائقين كُثراً، يرونه مجرّد قطعة جلدية مزعجة، تضيّق الراحة، وقد تخرّب كيّ القميص، أو ربطة العنق. وإذا فعله بعض السائقين، زاعمين أنهم ينفّذون القواعد المرورية، وارتدوا الحزام، بمجرّد صعودهم إلى السيارة، فإن ذلك يقتصر عليهم فقط، أما باقي الركاب، فكأن أمر الحزام لا يعنيهم، وإذا تعرّضت المركبة لحادث، فسلامتهم وأمانهم، غير مهمّين.
ارتداء الحزام، ليس ترفاً، وليس إزعاجاً، هو ضرورة قصوى، للسائق والركاب جميعاً، فهو يحمي من الاندفاع خارج المركبة عند الاصطدام، ويقي من الموت، بنسبة أربع مرات أكثر من عدم ارتدائه، والسبب أنه يمنع الاصطدام بالزجاج الأمامي للسيارة، ثم الاندفاع خارجها. ويحفظ أجزاء الجسم كافة، وأهمها العمود الفقري والدماغ، فإصابتهما، تسبب مشكلات صحية، لا حصر لها.
ومن المهم جداً، كذلك، أن ترتدي الأم الحامل حزام الأمان، لأنه يحميها هي وجنينها. وكذلك الأطفال الذين يقل طولهم عن 145 سنتيمتراً، من الأفضل أن يجلسوا في الكرسيّ الخاص بهم داخل السيارة، مع وضع حزام الأمان، فذلك يحمي أجسامهم بشكل أكبر. فضلاً عن ضرورة أن يجلسوا في المقعد الخلفي وليس الأمامي.
حملة «حزامك أمانك» التي أطلقتها شرطة الشارقة، هدفها توعويّ بالدرجة الأولى، لأنّ ثمة قانوناً صارماً، يغرّم السائق غير الملتزم ربط الحزام، والركاب كذلك 400 درهم لكل منهم. فضلاً عن أربع نقاط سوداء.
نحن مع كل ما يمكن أن يجعلنا جميعاً نتفيّأ سماء صافية من الأمن والأمان والطمأنينة، سواء كان ذلك بالتوعية الصادقة الطيّبة والمحبة، أو الشدّة والحزم، فكلاهما ضروريّ، ولكل مقام مقال.
نريد لفلذات أكبادنا، أن يتفوّقوا ويكونوا من الأفضل، والأكثر علماً، ليؤمّنوا مستقبلاً يزهون به، ونفخر نحن بهم. فنسعى لتأمين المدرسة الجيدة، والبيئة المريحة، والصحبة الخيّرة، والكثير من الآباء والأمّهات، يلجؤون إلى المدرّس الخاص، ليزيد أبناءنا معرفة، وتفوقاً، ومع تحفظنا على هذا الأمر، لمحاذيره الكثيرة، لأن الطبيعي والصحيح والصحّي، أن يتلقى هؤلاء الأبناء العلم والمعرفة اللازمين في المدرسة من معلّميهم، فلا يكونون مضطرين إلى الدرس الخصوصي، أو الدروس الخصوصية، أقول مع التحفّظ على هذا الأمر، فإنّنا قد نجد لبعض أولياء الأمور عذراً في الاستعانة بمدرّس أو مدرّسة، لأن ابنهم أو ابنتهم قد يكونان ضعيفين، وبحاجة إلى بعض المساعدة، أو أن هناك تعليماً خاصّاً لا توفره المدارس، كما يريد الأهل، كتحفيظ القرآن الكريم، على سبيل المثال، لأن حصص التربية الإسلامية، ذات منهج حددته وزارة التربية والتعليم، وقد لا يكون تحفيظ القرآن مكثّفاً كما يبغي الأهل، هنا يضطرون إلى الاستعانة بمتخصّص، لأداء هذه المهمة النبيلة.
والطبيعي، أن يتحلّى المربّون جميعاً، بأخلاق فاضلة، وقيم سامية، لأنّ وظيفتهم تفرض ذلك، لأنّهم مؤتمنون على تربية النشء الذي سينهض ببناء الوطن، لكن أن يتجرّد أحدهم من هذه الصفات وتلك الأخلاق، بل ومن إنسانيته نفسها، فهذا ما لا يقبله عقل، ولا تستوعبه الفطرة السويّة، فقد ورد خبر أمس، عن حادثة، (وليست الأولى من نوعها) يندى لها جبين الإنسانية، إذ تخلّى «مربّ» عن هذه الصفة، وتحرّش بطفلة لم تتجاوز سنيّها الخمس عشرة، والأنكى والأدهى والأمر، أن هذا المربّي، مهنته تحفيظ القرآن كتاب الله العظيم الذي تحثّنا كل كلمة فيه على الفضيلة والتحلّي بالخلق الرفيع، كيف تأتّى لهذا الشخص أن يرتكب فعلته هذه، وهو منوط به أمران جلَلَان: تحفيظ القرآن، وحفظ الأمانة، ألم يخزه ضميره؟ ألم ينهه وازع إنسانيّ وأخلاقي ودينيّ؟ ألم يفكر، ولو للحظة، أن هذه الطفلة الغضة العود والطرية المعرفة، ستُصاب بعُصاب أو عقدة، تحتاج معهما إلى أطباء ومتخصصين نفسانيين، يقيلون عثرتها، ويأخذون بيديها إلى الحياة السوية؟
مسؤولية الأهل كبيرة في هذا المجال، بالتحقق ممن يدخلون بيوتهم، وينفردون بأبنائهم، لأي غرض كان، وتوعية هؤلاء الأبناء، وتحذيرهم من الغرباء، واللجوء في مثل هذه الحالات التي يحتاجون فيها إلى تقوية أبنائهم، ورفع مستوياتهم التعليمية، إلى المعاهد المعتمدة المتخصصة بتقوية الطلاب ومساندتهم في كل المواد. وإذا لم تكن مادة تحفيظ القرآن موجودة، فثمة مراكز مؤهلة، تضمّ محفّظين أكفاء.
وعلى المدارس، كذلك، مسؤولية، وهي تخصيص دروس لتحفيظ القرآن، بعد انتهاء الدوام المدرسي، وتسجيل من يرغب فيها، مقابل أجر رمزيّ، وسيكون الراغبون كثراً، وتكون الفائدة كبيرة للطرفين.
[email protected]
ينتظم اليوم، نحو مليون ومئتي ألف طالب وطالبة في الإمارات السبع، موزّعين على المدارس الحكومية والخاصة.
هؤلاء الطلبة يشكلون نحو عشرة في المئة من سكان الدولة، لكنهم مع أولياء أمورهم، وذويهم والمنشغلين بشؤونهم، والواضعين الأيدي على القلوب قلقاً، وأملاً، ومشاعر شتّى، يشكلون نحو ثمانين في المئة؛ إذاً دولة الإمارات في معظمها، على موعد اليوم، مع عام دراسيّ جديد حافل.
ولنقف عند «حافل» هذه ونتأمّل فحواها ومضامينها؛ فهل سيكون حافلاً بالجديد المفيد، علماً وتربيةً ووعياً، وثقافةً؟ هل سنترك أبناءنا بين أيادٍ أمينة فعلاً، كما سعت الدولة، منذ نشأتها، على يد المؤسّس المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد، طيّب الله ثراه، لتكون بين الأكثر تقدماً وتميّزاً في العالم، في كل المجالات، وأوّلها التعليم، لأنه منطلق النهضة، وحجر أساسها الأول؟ هل سنكون مطمئنين واثقين بأنهم سيعودون كلَّ يوم من مدارسهم، وعيونهم تشعّ ألقاً، ونفوسهم ملأى بالشغف للعودة في اليوم التالي، لينهلوا من مظانّ المعرفة، وينابيع العلم؟
نحن وأبناؤنا تمتلئ قلوبنا بالفخر، حين نسمع كلّ يوم عن نصر معرفي جديد، أو تميّز علميّ مهم، ناله أحد أبناء الوطن، أو بناته، فهناك المخترعون، والعلماء، والمتفوقون في جامعاتنا والجامعات في شتى دول العالم، من الجنسين، يثبتون يوماً بعد الآخر، تفوّقهم، وجدارتهم.
خريجو مدارس الدولة، بجناحيها العام والخاص، شباب يجعلون الهامات تشمخ زهواً والقامات تتطاول فخراً، والنماذج كثيرة، لا يسع لذكرها مقال، لكنهم يملؤون ساحات الوطن العلمية والعملية والثقافية، وأخبار تفوّقهم تتصدّر أخبار الصحف ومواقع التواصل، ومنصات البحث.
الذي نعوّل عليه في هذا، هو أن تكون مدارسنا هذا العام، امتداداً لنجاحات الأعوام السابقة، بل أن تزيد في العطاء والبذل المعرفيّين، وأن تهيّئ هيئتها التدريسية أولاً، بكل ما يمكن أن يثري علوم الطلاب، ويزيد معارفهم، ويجعل يومهم المدرسيّ متعة ملأى بالفائدة، ثم أن يكونوا لهم أصدقاء ورفاق خير، وأرباب نصحٍ. وأن تكون هيئتها الإدارية، بمنزلة الأسرة المحبة الحانية الحريصة على مصلحتهم. وأن تنظر إداراتها بعين الرأفة والعطف والمنطق الإنساني، لأوضاع أولياء الأمور المادية، فلا تبالغ في الرسوم ولا تسرف في طلبات، قد تكون غير ذات قيمة للطالب، ولا تقدّم له فائدة، بل تراعي أن هذا الأب أو الأم، يبذلان جهوداً جبارة، لتعليم أولادهما، إذ إن متوسّط عدد الأبناء المنتسبين إلى المدارس، في أية أسرة أربعة، فكيف سيكون وضع هذا الأب، وهو يسعى لدفع أقساطهم؟ وهناك آباء، فضَّلوا أن يذهب أبناؤهم إلى بلدانهم، ليكملوا تعليمهم هناك، معانين قسوة البعد، ولواعج الحنين.
فلتكن إدارات المدارس، جزءاً من هذه المسيرة الطافحة بالأمل والتفاؤل، لبناء مستقبل مزهر ينتظره الوطن من أبنائه.
فهل ننتظر من عامنا الدراسيّ الجديد، أن يزيد هاماتنا زهواً، أم تمتلئ نفوسنا بالخيبة؟
[email protected]