مانيشي رايشودوري *
تشهد الشركات الآسيوية في السنوات الأخيرة تحولاً ملحوظاً في استراتيجياتها المالية المتعلقة بكيفية إعادة الفائض النقدي إلى المساهمين. فبعد أن كانت توزيعات الأرباح هي الأداة الأكثر شيوعاً، أصبحت عمليات إعادة شراء الأسهم تأخذ حيزاً متزايداً من اهتمام إدارات الشركات، خصوصاً في أسواق شمال آسيا. وهذا التحول يعكس مزيجاً من العوامل التنظيمية والاقتصادية والسوقية التي شجعت على تبني سياسات أكثر وديّة للمساهمين.
ووفقاً لبيانات «فاكت ست»، أعادت الشركات الآسيوية شراء أسهم بقيمة تقارب 266 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2025، وهو رقم يفوق بنحو 70% إجمالي عمليات إعادة الشراء المنفذة في عام 2024 بأكمله. وتأتي اليابان في صدارة هذه الموجة، حيث بلغت قيمة إعادة الشراء هناك نحو 110 مليارات دولار، تليها هونغ كونغ بحوالي 105 مليارات دولار، في حين استحوذت الصين وكوريا الجنوبية على النسبة المتبقية من هذا النشاط المتنامي.
وعلى عكس التجربة الأمريكية، حيث غالباً ما تُموَّل عمليات إعادة الشراء من خلال الاستدانة، فإن نظيراتها الآسيوية تعتمد بدرجة أكبر على التدفقات النقدية الحرة المتزايدة التي تحققها الشركات. هذا يعني أن الأموال المعادة إلى المساهمين في آسيا تمثل أرباحاً حقيقية متولدة من النشاط التشغيلي، وليست مجرد أموال مقترضة. كما أن الأرقام تشير إلى أن جزءاً بسيطاً فقط من هذه التدفقات يُستخدم في عمليات إعادة الشراء، فقد بلغت النسبة 6% في 2021، وارتفعت إلى نحو 10% في 2022، قبل أن تستقر بين 9 و9.5% خلال 2023 و2024، مقارنة بنسبة تراوحت بين 41% و49% في الولايات المتحدة.
وكان للدعم التنظيمي دور محوري في تعزيز هذا الاتجاه. ففي اليابان، أطلقت بورصة طوكيو عام 2023 مبادرات لتشجيع الشركات على تحسين العائد على حقوق الملكية والتواصل بشكل أكثر فاعلية مع المساهمين. وفي الصين، خففت هيئة تنظيم الأوراق المالية القواعد المتعلقة بإعادة الشراء في ديسمبر 2023، وأتبعتها بسياسات إضافية في مارس 2024 شجعت الشركات على استخدام هذه الأداة لمواجهة تقلبات أسعار الأسهم. أما كوريا الجنوبية، فقد أعلنت في فبراير 2024 عن برنامج «Value Up» الذي يهدف إلى تعزيز قيمة المساهمين عبر سياسات تشمل توزيعات الأرباح وعمليات إعادة الشراء.
وهذا الإطار التنظيمي شجع إدارات الشركات على النظر إلى إعادة شراء الأسهم كوسيلة سريعة لتحسين العائد على حقوق الملكية ودعم أسعار الأسهم في الأسواق التي تعاني تقييمات منخفضة. فالشركات في اليابان وهونغ كونغ وكوريا الجنوبية تتداول عند مضاعفات سعر إلى قيمة دفترية تتراوح بين 1 و1.5، وهو مستوى أدنى من المتوسط الآسيوي البالغ 1.7، ما يجعل إعادة الشراء أداة فعالة لتعزيز الثقة وتقييم الأسهم.
كما لعبت بعض الشركات الكبرى دوراً ريادياً في ترسيخ هذا الاتجاه، مثل شركات الإنترنت الصينية «علي بابا» و«تينسنت»، إلى جانب مصارف وشركات تأمين واستثمار في اليابان وهونغ كونغ. وقد أظهرت بيانات السوق أن الشركات التي نفذت عمليات إعادة شراء بانتظام خلال السنوات الخمس الأخيرة، مثل شركة الاتصالات اليابانية «NTT»، حققت أداءً متفوقاً على أسواقها المحلية، ما يعزز قناعة المستثمرين بأثر هذه الاستراتيجية.
لكن على الرغم من الزخم الحالي، فإن مستقبل هذه الظاهرة لا يزال غير مضمون بالكامل. فاستمرارها سيتوقف بدرجة كبيرة على استدامة الدعم التنظيمي وربما إدخال إصلاحات ضريبية تخفف الأعباء عن الشركات. ومع ذلك، تظل هناك مخاطر محتملة، منها ارتفاع التقييمات السوقية، ما يقلل من جاذبية إعادة الشراء، إضافة إلى قرارات حكومية مفاجئة كتلك التي اتخذتها كوريا الجنوبية مؤخراً برفع ضريبة المعاملات المالية. كما أن التوترات التجارية العالمية، خاصةً الرسوم الجمركية الأمريكية على صادرات آسيا، قد تضغط على أرباح الشركات وتقلل من قدرتها على تمويل عمليات إعادة الشراء.
في المحصلة، تعكس موجة إعادة شراء الأسهم المتصاعدة في آسيا تحولاً ثقافياً واقتصادياً في العلاقة بين الشركات ومساهميها. فهي ليست مجرد وسيلة لإدارة رأس المال، بل مؤشر على نضوج أكبر في سياسات الحوكمة وتبني ممارسات تعزز القيمة طويلة الأجل. ومع ذلك، فإن دوام هذه الموجة سيظل مرتبطاً بالبيئة التنظيمية والاقتصادية العالمية، وما إذا كانت الحكومات ستواصل دعمها للسياسات الموجهة نحو تعزيز قيمة المساهمين.
* محلل أسواق/ (رويترز)
مانيشي رايشودوري*
مع سعي الولايات المتحدة وأوروبا إلى تخفيف علاقاتهما الاقتصادية مع الصين، في السنوات الأخيرة، قللت الصين من اعتمادها على جميع الاقتصادات المتقدمة في صادراتها، بما في ذلك اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، وركزت على توسيع أسواقها إلى مناطق أخرى، وخاصة جنوب شرق آسيا، أو ما يُعرف بمنطقة «الآسيان». لكن هذا قد يُشكل مخاطر اقتصادية كبيرة، في ظل صعوبة المنافسة، التي تواجهها شركات التصنيع في تلك الجغرافية.
وبغض النظر عن مسار أي اتفاقية تجارية بين الاقتصادين الأقوى عالمياً، يبدو أن صادرات بكين إلى أمريكا ستواصل الانخفاض، وكذلك الحال بالنسبة لتلك المتوجهة إلى الاتحاد الأوروبي، الذي يسعى إلى تخفيف المخاطر من الواردات وسلاسل التوريد الصينية، لا سيما فيما يتعلق بالسيارات الكهربائية والبطاريات ومعدات الطاقة الشمسية.
وتشهد صادرات الصين إلى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، انخفاضاً مطرداً بالفعل منذ سنوات، ففي عام 2018، بلغت نسبتها إلى أمريكا نحو 20%، وبحلول عام 2024، انخفضت إلى 14.7%. كما انخفضت نسبة صادرات الصين إلى الاتحاد الأوروبي من 17% إلى 14.4%، خلال الفترة نفسها. في المقابل، ذهبت 16.4% منها إلى دول «الآسيان»، عام 2024، وهذا يفوق الحصص التي تطالب بها أمريكا وأوروبا.
يُذكر أن تركيز الصين على آسيان ازداد، بعد حربها التجارية مع واشنطن، والتي بدأت في 2018 خلال الولاية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث اتضح أن الصادرات المتجهة إلى أمريكا، قد أُعيد توجيهها عبر دول جنوب شرق آسيا. وأبرز مثال على ذلك هو فيتنام، التي تطابقت صادراتها المتزايدة إلى الولايات المتحدة، مع وارداتها المتنامية من الصين في الأشهر القليلة الأولى، بعد ذلك العام.
لكن الصين تواجه صعوبة متزايدة في الحفاظ على مسار إعادة الشحن هذا، حيث فرضت إدارة ترامب في 2 إبريل/ نيسان الماضي تعريفات جمركية متبادلة، ومرتفعة للغاية، على اقتصادات رابطة دول جنوب شرق آسيا، وذلك جزئياً لعرقلة إعادة توجيه الصادرات. وبينما تأخر تطبيق هذه التعريفات منذ ذلك الحين، بدأت بعض حكومات الآسيان باتخاذ إجراءات صارمة ضد انتهاكات مُصدّريها لقواعد «بلد المنشأ»، للدفاع عن سمعتها كشركاء تجاريين مسؤولين.
ورغم أن الصادرات الصينية إلى اقتصادات الرابطة حالياً، هي في الأغلب سلع وسيطة تُعاد معالجتها وتصديرها، فإن هذا الوضع بدأ يتغير، مع وصول المزيد من السلع النهائية إلى الأسواق المحلية في آسيا.
وأصبحت واردات السلع النهائية منخفضة السعر لمنطقة «الآسيان» من الصين، والتي يُباع الكثير منها عبر منصات التجارة الإلكترونية، مصدر قلق للمصنّعين المحليين، وخاصة في إندونيسيا وتايلاند، ففي الأولى، ومع ارتفاع واردات الملابس الصينية في السنوات الأخيرة، سرّح قطاع النسيج في البلاد عماله، بما في ذلك 80 ألف عامل، عام 2024، مع تقديرات بتعرض 280 ألفاً آخرين لخطر التسريح في هذا العام. أما في تايلاند، فقد أغلق أكثر من 100 مصنع أبوابه، بين عامي 2021 و2024، معظمهم شركات صغيرة ومتوسطة الحجم.
ووفقاً لمركز الأبحاث المستقل «كيه-ريسيرش»، كانت هذه المرافق تُصنّع في الأغلب الأثاث والإلكترونيات والملابس والسيارات والصلب، وهي جميعها صناعات واجهت منافسة من السلع الصينية الرخيصة في السنوات الأخيرة.
وبالطبع، تشهد رابطة دول جنوب شرق آسيا ارتفاعاً ملحوظاً في حجم الاستثمار الصيني المباشر فيها، لا سيما في القطاعات الجديدة التي كثر الحديث عنها، كالسيارات الكهربائية، والبطاريات، والطاقة الشمسية، فعلى سبيل المثال، افتتحت شركة صناعة السيارات الصينية «BYD» مصنعاً للسيارات الكهربائية في تايلاند في يوليو/ تموز 2024، وأعلنت شركة «CATL» الصينية لتصنيع البطاريات عن استثمار بقيمة 5.8 مليار دولار في قطاع النيكل الإندونيسي، عام 2023، على الرغم من تقليص هذا الاستثمار مؤخراً إلى النصف.
* المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة
«إيمر كابيتال بارتنرز» (رويترز)