صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
إدريس لكريني
​باحث أكاديمي
أحدث مقالات إدريس لكريني
26 مايو 2026
متى نحوّل عثراتنا إلى فرص؟

شكّل المرور بلحظات الأزمات والحروب على امتداد التاريخ البشري، محطات للتأمل والاستفادة من الأخطاء والهفوات، بل تم تحويل هذه المحطات القاسية إلى فرص حقيقية للإبداع والاجتهاد، ولإرساء حلول ناجعة لمعضلات اجتماعية، واقتصادية، وأمنية.

إن الأخطاء، ومختلف الكوارث والحروب والأزمات التي يصعب، أحياناً، تلافي حدوثها، تمثل بتحدياتها فرصة حقيقية لاكتشاف مكامن الضعف والخلل، وتطوير وتحصين الذات، وتقوية المؤسسات، وإبداع الحلول، التكنولوجية والسياسية والمؤسساتية، بشكل غير مسبوق. كما تدفع أيضاً إلى تعبئة الإمكانات المتاحة وإلى مراجعة الحسابات، وإعادة النظر في السياسات والاستراتيجيات، وتجاوز الآليات المتجاوزة.

وتشير المعطيات التاريخ إلى مجموعة من الأحداث المرعبة التي تحولت تحت ضغط الإصرار والعزم على الاستفادة من الأخطاء واستلهام العبر، إلى فرص حقيقية للتطور، وكسب رهانات تحصين المستقبل.

فبعد قرون متتالية من الحروب والصراعات الطاحنة في أوروبا، التي كانت آخرها الحرب العالمية الثانية، والتي خلفت كلفة خطرة بكل المقاييس، تزايدت القناعة في الأوساط الأكاديمية، والسياسية، والاقتصادية، وفي عمق المجتمع، بضرورة تجاوز متاهات الحروب التي تنتهي، والانكباب على إرساء مرتكزات تحصّن دول القارة من الانزلاق نحو حروب جديدة، وأكثر تدميراً مع تطور الأسلحة، من خلال تأسيس المجموعة الأوروبية للفحم والصلب في عام 1951 التي ستتحول إلى الاتحاد الأوروبي لاحقاً، ما أسهم في تشبيك العلاقات والمصالح التي أصبح معها الاتحاد نموذجاً إقليمياً رائداً في التكتل الاقتصادي، ما يُعد عاملاً حاسماً في منع تكرار الحروب.

وقد ربط عدد من الباحثين والفلاسفة في القارة العجوز بين الدكتاتوريات والحروب، وأكدوا أن الديمقراطية هي المدخل الرئيسي لتحقيق السلام، فقد تبيّن أن الفاشية والنازية، بتوجهاتهما الاستبدادية والتوسعية، قادتا العالم نحو حروب طاحنة.

أما اليابان، وبعد خروجها من الحرب العالمية الثانية منهكة ومدمرة، عقب استهدافها بالسلاح النووي، فاستطاعت أن تقوم من الرماد كطائر الفينيق، لتراهن على بناء الإنسان، وتحقيق التنمية، وتملك التكنولوجيا الجديدة بالصورة التي أصبحت معها قطباً اقتصادياً عالمياً وازناً.

ومن جانبها، تمكّنت الصين الشعبية أن تتجاوز تبعات المجاعة التي لحقت بها ما بين عامي 1959 و1961، وما رافقها من أزمات اقتصادية صعبة، بفعل سياساتها البراغماتية، وانفتاحها على الاقتصاد العالمي، لتحقّق منجزات اقتصادية وتنموية مذهلة.

وعلى الرغم من مرور المنطقة العربية بعدد كبير من الأزمات والحروب والصراعات (حروب أهلية، تدخلات أجنبية، مشكلات اقتصادية واجتماعية، حصار دولي -العراق، السودان وليبيا) على امتداد عدة عقود مضت، إلا أن الملاحظ أنها لم تستفد بشكل ملحوظ، من هذه المحطات، فلا هي اعتمدت التخطيط الاستراتيجي لتجاوز أزماتها، الاجتماعية والاقتصادية، ولا تبنّت تنويع مصادر دخلها القومي، ولا هي دبّرت تنوعها المجتمعي بصورة بنّاءة في مواجهة الطائفية والحروب الأهلية، ولا هي اعتمدت إصلاحات سياسية تدعم الممارسات الديمقراطية، ومواجهة الصراعات الدامية على السلطة.

إن عدم استفادة عدد من دول المنطقة من عثراتها، يعود في جزء كبير منه إلى مجموعة من العوامل والأسباب التي يمكن إجمالها في اعتماد المركزية في اتخاذ القرارات بصدد عدد من الأزمات، في سياق الاكتفاء برد الفعل، بعيداً عن المقاربات الاستباقية والشمولية، وعدم الانفتاح على مراكز الأبحاث ومخرجات الجامعات لعقلنة وتعميق هذه القرارات.

ثم هناك أيضاً تفشي الانتماءات الضيقة على حساب ترسيخ قيم المواطنة في عدد من الدول كلبنان، والعراق، واليمن، والسودان، وليبيا..، بما يكرس الصراع والاستقطاب داخل المجتمع، وهشاشة المؤسسات السياسية والدستورية، ويعرّض هذه الدول لصراعات دامية متجدّدة.

كما لا تخفى الآثار السلبية الناجمة عن الاختلالات التي تعتري المنظومة التعليمية في عدد من هذه الأقطار، والتي تعتمد في مجملها على مناهج تقليدية متجاوزة، لا تحرّض على النقد وطرح الأسئلة الحقيقية وإنتاج المعرفة والحلول المبتكرة للمشكلات القائمة، بقدر ما تدفع إلى إعادة تكرار نفس الخطابات والأفكار السائدة.

إن استفادة الدول العربية من زلّاتها وتحويل أزماتها إلى فرص، يتطلب الاستثمار في المكون البشري، من خلال تعزيز منظومتي التعليم والبحث العلمي، وتبنّي الحوكمة المؤسساتية، وتفعيل آليات التعاون البيني وإحداث تكتل اقتصادي قوي، وإحداث سبل، استراتيجية ومستدامة، لتدبير الأزمات.

[email protected]

19 مايو 2026
التقارب الحذر بين الولايات المتحدة والصين

ظلت العلاقات الصينية – الأمريكية تتأرجح بين التعايش الحذر، والصراع الاقتصادي والاستراتيجي الهادئ، وعلى الرغم من مرور هذه العلاقات بمحطات صعبة، على امتداد أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، إلا أن الطرفين حرصا باستمرار على تطويق الكثير من الأزمات (اقتصادية وتجارية وسياسية وأمنية واستراتيجية ورقمية..)، ومنعها من الخروج عن نطاق السيطرة والتحكم.

ففي خضم الهيمنة الأمريكية التي برزت في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة، حاولت الصين أن تواكب التحولات الدولية المتسارعة بشكل هادئ، توازن بين تحقيق مصالحها الاقتصادية، وتلك المرتبطة باستكمال وحدتها الترابية من جهة، ثم الحرص على عدم الاصطدام مع القوى الدولية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة، والانفتاح على المحيط الدولي بصورة تدعم حضورها، حيث انضمت إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001، من جهة أخرى.

فقد سعت إلى تطوير علاقاتها الخارجية مع الدول الكبرى، ومع عدد من دول الجنوب، وانخرطت في مكافحة الإرهاب الدولي، وأسهمت في تعزيز الجهود الرامية إلى حفظ السلم والأمن الدوليين، سواء عبر توظيف عضويتها داخل مجلس الأمن، أو من خلال جهود انفرادية قادتها في هذا الخصوص. من جانب آخر، استطاعت الصين توظيف عناصر القوة الناعمة في ترسيخ تمدّدها وحضورها الدوليين، من خلال إحياء مشروعها الاقتصادي المرتبط بمبادرة الحزام والطريق، وتحريك دبلوماسية المساعدات الإنسانية. وأمام هذه المعطيات لم تعد بكين تخفي طموحاتها المتزايدة بالاستئثار بأدوار وازنة في إطار نظام دولي تعدّدي.

وتشكل الزيارة الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين، ضمن وفد اقتصادي مهم يتكون من رؤساء الشركات الأمريكية الكبرى، محطة مفصلية في سياق العلاقات الأمريكية الصينية، التي ظلت تتأرجح بين التعاون والصراع، منذ نهاية الحرب الباردة.

وتأتي الزيارة في ظل ظرفية إقليمية ودولية يطبعها التوتر، بخاصة مع الانعكاسات التي أحدثتها الحرب الإيرانية على الملاحة البحرية وإمدادات الطاقة، والتجارة الدولية بشكل عام، بفعل الارتباك الحاصل في مضيق هرمز.

تنطوي الزيارة في هذه الظرفية الدقيقة، على قدر كبير من الأهمية الاستراتيجية، وهي تظهر بشكل واضح تعامل الطرفين بمنطق براغماتي وواقعي، في إطار التفاعل مع المتغيرات الدولية، وتوظيفها بشكل إيجابي. خصوصاً على مستوى السعي لإرساء الاستقرار، ولو بشكل غير حذر، ومستدام.

ومع ذلك، يشكل اللقاء مناسبة لتوضيح الخطوط الحمراء التي يرفعها كل منهما تجاه الآخر، فالصين ستحرص من جديد على تنبيه الولايات المتحدة من خطر تجاوز الحدود المسموح بها في ما يتعلق بملف تايوان، فيما ترفض واشنطن أيّ توجهات صينية لعسكرة بحر الصين الجنوبي. إضافة إلى تشبيك المصالح الاقتصادية والتجارية كإطار لتحصين العلاقات الثنائية، ومنعها من التدهور، أو التحول إلى احتكاك مباشر.

وفي هذا الصدد، سعى الجانبان إلى إرساء اتفاقات تكفل تعزيز الأمن الرقمي، وبلورة تنافسية رقمية متوازنة، وضمن حدود معقولة تحول دون تمدّد الفجوة بين الجانبين في هذا الشأن. إضافة إلى تخفيف حدة الرسوم الجمركية المتبادلة، مع الحرص على دفع الصين نحو القيام بوساطات على طريق الحد من الانعكاسات الخطرة للحرب على إيران، بخاصة على مستوى تخفيف حدة التوتر القائم في مضيق هرمز، والسعي لدفع إيران للتخلي عن طموحاتها النووية (العسكرية).

علاوة على وقف التصعيد بخصوص عدد من الملفات، كما هو الشأن بالنسبة للوضع في تايوان وبحر الصين الجنوبي، والحيلولة دون تطورها إلى مواجهات عسكرية غير محسوبة. وكذا التخفيف من حدة الاستقطاب والتنافس على بعض المناطق الجاذبة بإمكاناتها، الاقتصادية، والطاقية، والمعدنية.

إن التقارب الصيني الأمريكي الذي ستعززه هذه الزيارة، لا يعني البتة نهاية حتمية للخلافات القائمة بين الجانبين بصدد عدد من الملفات البينية والقضايا الدولية، لكنها ستتيح لهما تدبير هذه الخلافات بسبل دبلوماسية تعززها المصالح المشتركة، والإقرار الأمريكي بوزن الصين الذي يسمح لها بالاستئثار بأدوار طلائعية على الصعيد الدولي.

ومن جهة أخرى، يبدو أن هذا التقارب سيعمق أكثر، أزمة الثقة القائمة بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية، التي تجد نفسها خارج العديد من المبادرات والترتيبات الدولية التي تقودها الولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب.

[email protected]


12 مايو 2026
الذكاء الاصطناعي ومستقبل العلاقات الدولية

لم تتوقف تأثيرات الذكاء الاصطناعي فقط على مجموعة من المجالات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية والعلمية، بل تجاوزت ذلك لتطال العلاقات الدولية كحقل معرفي، وكتفاعلات اجتماعية.

فقد ألحقت الثورة التي أحدثها هذا الذكاء في مختلف مناحي الحياة الاجتماعية تغيرات جذرية طالت علم العلاقات الدولية الذي ينحو إلى تفسير الظواهر الدولية (حرب، وسلام، وردع، وقوة، وتحالفات..) وبناء نظريات بصددها، ثم التنبؤ بمآلاتها. حيث تسبب في إعادة صياغة مفهوم القوة، وفتح المجال لعدد من دارسي هذا الحقل من العلوم الاجتماعية بتطوير نظرياتهم ومقولاتهم على ضوء هذه المتغيرات المتسارعة.

وهكذا وفر هذا الذكاء تقنيات ومعطيات جديدة، أسهمت بشكل كبير في بلورة مفاهيم حديثة أثرت بصورة واضحة في المقتربات التقليدية للعلاقات الدولية، كما هو الأمر في توسع مفاهيم الأمن والردع والقوة. فالمدرسة الواقعية أصبحت تستحضر فرص الذكاء الاصطناعي كمقوم أساسي ضمن منظورها لقوة الدول، فيما أصبحت المدرسة البنائية تنظر إلى هذا الذكاء لا باعتباره وسيلة تقنية فقط أو محدداً من محددات القوة، بل كعنصر مساهم في إعادة تشكيل الهويات والمناهج والأفكار التي تؤطر العلاقات بين الدول.

ومن جهتها باتت المدرسة الليبرالية تولي اهتماماً كبيراً للتكنولوجيا الحديثة، وتنظر إليها كمقوم أساسي لإرساء التعاون الدولي، وتعزيز الجودة في أداء المؤسسات الدولية، مع دعوتها إلى بلورة ضوابط قانونية وأخلاقية تؤطر استخدام التكنولوجيا بشكل عام.

أما نظرية ما بعد الاستعمارية التي ترى في النظام الدولي القائم، امتداداً لعلاقات الهيمنة التي ظلّت سائدة في فترات الاحتلال الأجنبي، فقد ركزت ضمن مقارباتها على ما يسميه روادها ب«الاستعمار الرقمي» الذي يكرّس للتبعية واتساع الفجوة في هذا المجال.

وارتباطاً بالعلاقات الدولية، كتفاعلات اجتماعية، أسهم الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة بشكل عام في تشبيك العلاقات الدولية أكثر، بعدما أحدث قفزة كبيرة على مستوى التواصل الدبلوماسي، ونقله من الأساليب التقليدية المألوفة إلى أساليب متطورة منحتها شبكات التواصل الاجتماعي زخماً كبيراً.

وقد أضحى امتلاك ناصية هذه التقنيات عاملاً داعماً لمكانة ووزن الدولة في محيطها الخارجي، بل عنصراً فاعلاً ضمن عناصر القوة الناعمة الكفيلة بتحقيق مصالح الدول بسبل أكثر فاعلية واستدامة. كما أن امتلاك بنيات أساسية رقمية أضحى عاملاً مهماً لتعزيز الأمن والنفوذ على المستويين الإقليمي والدولي.

وقد أضحت الشركات الضخمة المتخصصة في التكنولوجيا الحديثة، فاعلاً مؤثراً في العلاقات الدولية، بالنظر إلى تأثيراتها وحجم معاملاتها على الصعيد الدولي.

ومع ذلك، يطرح الذكاء الاصطناعي تحديات كبرى، تفرض تعزيز الأمن الرقمي الذي أضحى جزءاً لا محيد عنه ضمن عناصر الأمن بمفهومه الإنساني الشامل، وأبرز أهمية تطوير قواعد القانون الدولي حتى تواكب التطورات الحاصلة في العمليات العسكرية الجديدة التي أصبحت تستخدم فيها التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي بشكل مكثف (اتخاذ القرارات المستقلة، الطائرات المسيّرة، والحروب الإلكترونية).

وعلى مستوى آخر، يمكن للذكاء الاصطناعي، وانطلاقاً من المحتويات الرقمية المتاحة بشبكات الإنترنت، أن يكرّس الهيمنة الثقافية والقيمية التي تدعم التوجهات الغربية.

حقيقة أن الذكاء الاصطناعي يوفر فرصاً حقيقية فيما يتعلق بالحد من المخاطر والتهديدات العابرة للحدود، والمساهمة في حوكمة تدبير الأزمات والكوارث الطبيعية على المستويات الوطنية والدولية، لكنه في المقابل يطرح مخاوف حقيقية من أن تهيمن الخوارزميات على اتخاذ القرارات الدولية، مما يفقدها حسّها الإنساني. فيما تتزايد هذه المخاوف مع توجه الدول الكبرى نحو إدماج الذكاء الاصطناعي في الأسلحة الذاتية التشغيل، أو اندلاع سباق دولي محموم نحو توظيف هذا الذكاء في المجال العسكري، إضافة إلى تزايد إمكانية استغلاله في عمليات الاحتيال ونشر الإشاعات والأخبار المضللة، وهو سيسهم في تعميق الأزمات الدولية وتهديد سيادة الدول.

وبين دول كبرى (كالولايات المتحدة والصين وروسيا) تتنافس بشأن تطوير التكنولوجيا الحديثة وامتلاك عناصر التحكم في مآلاتها المدنية والعسكرية، يبدو أن الفجوة الرقمية ستزداد عمقاً في عدد من دول العالم التي لم تعِ بعد أهمية وحيوية التحول الرقمي وبالفرص الواعدة التي يختزنها الذكاء الاصطناعي.

3 مايو 2026
الذكاء الاصطناعي وأخلاقيات البحث العلمي

اعتُبر البحث العلمي من أهم الأنشطة الإنسانية التي تقوم على اعتماد مناهج وضوابط محددة بهدف التوصل إلى نتائج دقيقة، تسهم في حل مشكلات وقضايا المجتمعات. وتمثل الجامعات والمؤسسات البحثية فضاءات لتسليح الطلاب والباحثين بالمنهجية العلمية، وبأصول البحث وأخلاقياته، والتي تكفل ركوب غمار الكتابة والبحث بقدر من الموضوعية، والكفاءة، والثقة.

وفي هذا الإطار، تستأثر أخلاقيات البحث العلمي بقدر كبير من الأهمية، وهي تقوم على مجموعة من القيم والمبادئ الإنسانية التي ينبغي على الباحث التحلي بها، بما يعزز مصداقية وموضوعية البحث العلمي ويدعم جودته.

ويُعد احترام ضوابط الأمانة العلمية من ضمن أهم المظاهر المجسّدة لأخلاقيات البحث العلمي، وتحيل إلى الإشارة إلى مصدر المفاهيم، والإحصاءات، والمعطيات المعتمدة، ثم الالتزام بطرح النتائج والخلاصات المتوصل إليها، من دون زيادة أو نقصان.

وتمثل طفرة الذكاء الاصطناعي محطة مفصلية في مسارات البحث العلمي، ففي الوقت الذي توفر فيه إمكانات وفرصاً واعدة لتطوير العلوم وتسريع عمليات البحث، فإنها تضعه أيضاً أمام محك يهدّد مقومات الأمانة العلمية.

فمن جهة أولى، يتيح الذكاء الاصطناعي الاستفادة من التطورات التقنية الكفيلة بتسهيل عمليات البحث، خصوصاً في ما يتعلق بتطوير مناهج البحث، وتسريع عمليات جمع وتصنيف المعلومات والإحصاءات، وتحويلهما إلى رسوم بيانية وخرائط وجداول، إضافة إلى المساعدة في تعزيز البحوث الاستشرافية من خلال تحليل هذه المعطيات، والتنبؤ بمآلات الأوضاع والظواهر المختلفة، علاوة على توفير محركات ذكية للترجمة تتيح وصول الباحثين من مختلف الجنسيات إلى المعلومات، بغضّ الظر عن إتقانهم للغات أخرى.

كما يتيح تدقيق المعلومات وكشف التناقضات الواردة بشأنها، كما يمكن لتوظيفه بشكل دقيق ومحسوب أن يحدّ من الهفوات المنهجية والموضوعية التي يمكن للباحث أن يسقط فيها.

وتشير الكثير من الدراسات إلى أن الذكاء الاصطناعي يسهم من خلال عدد من التطبيقات الإلكترونية في كشف السرقات العلمية، إلا أن النتائج المحصلة في هذا الصدد تظل نسبية، إلى حد ما، ما يجعل باب لجوء البعض إلى ارتكاب هذه السرقات متاحاً.

أما من جهة أخرى، فقد فتح الذكاء الاصطناعي الباب مشرعاً أمام تهديد أخلاقيات البحث العلمي، بخاصة في ما يتعلق بالمسّ بمتطلبات الأمانة العلمية، فقد شجع البعض على اقتراف السرقات والاحتيال العلميين، عبر انتحال الأفكار التي يولدها هذا الذكاء، الاستناد إلى مراجع وهمية، كما أسهم في تسطيح البحث العلمي، وإفراغه من بُعده الإنساني والاجتماعي وما يتصل بهما من نقد وإبداع، بناء على الاعتماد المبالغ فيه على التكنولوجيا الحديثة، كما أن النتائج العلمية المبنية على الذكاء الاصطناعي ومعطياته غالباً ما تتأثر بطبيعة المحتويات الرقمية التي تجسد رؤى محددة تجاه مختلف القضايا، الاجتماعية والاقتصادية والتقنية، بما يفقدها قدراً من الموضوعية التي تمثل الزاوية الأساسية للبحث العلمي.

إن الثقة العمياء بالبينات والمعطيات التي يقدمها الذكاء الاصطناعي تضع الباحث أمام مسؤوليات أخلاقية وقانونية في حال ثبوت عدم صحة هذه المعطيات، كما يحول دون الاطلاع على المضامين العميقة للمراجع التي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم تقارير ملخصة بشأنها، إضافة إلى قتل المهارات الفردية المرتبطة بالنقد والتحليل والتوقّع.

إن توجيه الذكاء الاصطناعي بما يخدم البحث العلمي ويدعم مصداقيته ويحدّ من سبل توظيفه بصور احتيالية، هي مسؤولية جماعية، تتوقف في جزء كبير منها على اتخاذ مجموعة من التدابير الي تتمحور حول توخي الباحث واستحضاره لشروط أخلاقيات البحث العلمي، في علاقة ذلك، باحترام الضوابط العلمية، عبر الحرص على توخي الدقة، والإشارة إلى مصادر المعلومات والمفاهيم المعتمدة، ثم الإشارة، بدقة، إلى كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي في عملية البحث، واحترام الخصوصية، وتوخي الموضوعية في مقاربة مختلف الإشكالات والمواضيع، إضافة إلى الالتزام بالمسؤولية إزاء الأخطاء المحتمل ارتكابها، وعدم إلصاقها بالتكنولوجيا.

لا شك في أن الذكاء الاصطناعي يوفر فرصاً مهمة في مختلف المجالات، ومن ضمنها البحث العلمي، غير أن استعماله بلا رقيب، أو وازع أخلاقي، أو ضوابط قانونية، أو بشكل مبالغ فيه، يمكن أن يلغي عقل الإنسان، ويتحول بذلك من وسيلة إلى بديل، ويفضي إلى كوارث حقيقية.

[email protected]

19 أبريل 2026
الرياضة بين التسامح والكراهية

تقترن الرياضة عادة بالأخلاق والحوار والتواصل بين الشعوب، فقد شكلت المناسبات الرياضية فرصة لإبراvز التنوع الحضاري والثقافي العالميين، والتحسيس بقضايا إنسانية وحقوقية وبيئية عبر العالم.

كما لعبت أدوراً طلائعية على مستوى التقريب بين الأمم وتوفير المناخ الديبلوماسي السليم للحد من الأزمات والصراعات، فقد برزت خلال السنوات الأخيرة مجموعات منظمة ضمن ما يعرف «بالألتراس» تعطي لهذه التظاهرات زخماً وتأثيراً كبيرين.

وفي الوقت الذي أضحت فيه الملاعب خصوصاً تلك الخاصة بكرة القدم تحظى بمتابعات ومشاهدات واسعة عبر العالم في أوساط عدد من الفئات الاجتماعية، بفعل النقل المباشر للمقابلات الذي تقوده مجموعة من القنوات الفضائية الدولية المتخصصة، أضحت الرياضة مقوماً مهماً ضمن مقومات القوة الناعمة التي تسهم في تعزيز السلام العالمي وتذليل الخلافات السياسية، وتعزيز التقارب بين الشعوب، ودعم مشاريع التنمية.

وفي هذا السياق، أصبحت الكثير من الملاعب تعج بالشعارات واللافتات التي لا تخلو من حمولات إنسانية وسياسية وثقافية، كثيراً ما أسهمت في تحويل هذه اللحظات الرياضية إلى قنوات للترافع بشأن عدد من القضايا الإنسانية والاجتماعية والبيئية والسياسية التي لا تحظى باهتمام الإعلام التقليدي..ومع ذلك، لم تخل هذه الفعاليات في كثير من الأحيان من انحرافات ومظاهر من العنف والشغب، جعلها تتحول إلى ما يشبه منصات لتصريف سلوكات مشينة وإلى لحظات لتصريف مواقف عنصرية ومتطرفة، بفعل الشحن الإعلامي الذي تقع فيه مجموعة من وسائل الإعلام التي تتبنى مصطلحات وتعابير عسكرية كالهجوم والمعسكر التدريبي، والانتقام، والإصابة، والخطط الاستراتيجية، والمواجهة المصيرية..، ما يوحي للمتلقي وكأن الأمر يتعلق بمواجهة عسكرية.

ففي كثير من اللقاءات الرياضية، تتعالى بعض الهتافات التي تشكل إهانة للاعبين من جنسيات وأقليات معينة، وهو ما يؤثر بشكل سلبي على نفسية اللاعبين، وعلى مردودهم داخل الميادين، كما لا تخفى التأثيرات النفسية والاجتماعية التي تتمخض عن هذه السلوكات، بالنسبة للجماهير.

إن تصاعد هذه الخطابات ونسفها لملتقيات رياضية وتحويلها إلى فضاءات لتكريس العداء والأحقاد والكراهية، يجد أساسه في التجييش الإعلامي خاصة من خلال شبكات التواصل الاجتماعي الذي يرافق هذه التظاهرات، وضمن عدد من البرامج الإعلامية.

كما أن انتشار هذه السلوكات في عدد من الميادين الرياضية، هو تعبير عن تصاعد العداء ضد الأجانب خاصة داخل أوروبا بفعل الخطابات التي تعتمدها الكثير من الأحزاب والتيارات اليمينية المتطرفة إزاء الأجانب والهجرة بشكل عام، وهو ما يمثل خطراً على القيم النبيلة التي ترسخها الرياضة بشكل عام.

هناك توجهات جدّية وطنياً وإقليمياً ودولياً للحد من هذه الممارسات، التي أصبحت تواجه بعقوبات جنائية، وأحياناً بوقف المقابلات الرياضية، بعدما كان الأمر يقتصر في السابق على الغرامات المالية فقط. ونشير في هذا الصدد إلى أن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، اتخذ تدابير زجرية في مواجهة هذه السلوكات داخل الملاعب، حيث فرض غرامات مالية ضد عدد من الاتحادات الوطنية بسبب ممارسات عنصرية لبعض الجماهير داخل الملاعب، إضافة إلى إيقاف بعض اللاعبين بسبب تورطهم في هذه السلوكات.

إن مواجهة هذه المظاهر المسيئة، يسائل مختلف قنوات التنشئة الاجتماعية من إعلام ومؤسسات تعليمية ومجتمع مدني وأحزاب سياسية، كما يفرض سن تشريعات صارمة لأجل مناهضة هذه الممارسات المقيتة، علاوة على تفعيل الاتفاقيات الدولية ذات الصلة (الاتفاقية الدولية لمناهضة التمييز العنصري التي اعتمدت في عام 1965 ودخلت حيز التنفيذ عام 1969).

كما يمكن للأندية الرياضية بدورها أن تتخذ تدابير صارمة في مواجهة المتورطين في مثل هذه السلوكات، من خلال فرض غرامات على المعنيين بها من لاعبين وفرق، وتنظيم مباريات من دون جمهور، علاوة على إطلاق برامج للتوعية في هذا الشأن. وهو ما سيسمح حتماً بجعل الرياضة وسيلة أساسية لبناء شخصية متوازنة للشباب، كفيلة بمواجهة التطرف والعنف والكراهية، وترسيخ قيم الحوار والتسامح والتواصل والاحترام المتبادل بين الشعوب.

12 أبريل 2026
هل انتهى زمن القانون والمؤسسات الدوليين؟

د. إدريس لكريني

تزايدت الخطابات والمواقف التي أصبحت لا تتوانى في التقليل من أهمية القانون والمؤسسات الدوليين في ظل الخروقات التي ترتكب من قبل عدد من الدول الكبرى.
يحرّم القانون الدولي اللجوء إلى استخدام القوة أو مجرد التهديد باستعمالها في العلاقات الدولية، ويؤكد ضرورة الاستناد إلى الآليات السلمية في معالجة الأزمات وتسوية النزاعات عبر مختلف السبل الدبلوماسية والقضائية، فيما تتيح المادة ال 51 من ميثاق الأمم المتحدة للدول ممارسة حقها في الدفاع الشرعي الفردي والجماعي عن نفسها، في حال تعرضها لهجوم عسكري، ويسمح من جهة أخرى لمجلس الأمن بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة باتخاذ الإجراءات الزجرية اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين. فيما تسعى قواعد القانون الدولي الإنساني إلى الموازنة بين الضرورة العسكرية والحماية الإنسانية.
وارتباطاً بمختلف التهديدات العابرة للحدود من إرهاب وجريمة منظمة، هناك الكثير من الاتفاقيات الدولية التي تضع إطاراً للحد من هذه المخاطر (مكافحة الإرهاب، والجرائم المنظمة العابرة للحدود)، كما لا تخفى أهمية التعاون القضائي الدولي، وبخاصة فيما يتعلق بتسليم المجرمين وتبادل المعلومات المرتبطة بهذا الشأن، بالإضافة إلى مختلف الاتفاقيات التي تدعم الأمن الرقمي.
وقد شكل إحداث المحكمة الجنائية الدولية حدثاً عالمياً مهماً على طريق تعزيز العدالة الجنائية الدولية والحد من الإفلات من العقاب، وبخاصة فيما يتعلق بمتابعة المتورطين في ارتكاب جرائم خطِرة كجرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب وجريمة العدوان.
يبدو أن القانون الدولي يمرّ بمرحلة مفصلية في ظل الواقع العالمي الراهن، بالنظر إلى توالي الخروقات التي تطول بنوده، وبخاصة على مستوى فرض منطق قانون القوة على حساب قوة القانون، وعجز هذا القانون عن مواكبة الكثير من التطورات التي أحدثها بروز مما يسمى ب«الحروب الهجينة»، وتزايد التهديدات غير الدولاتية، أي تلك المخاطر التي تسببها أطراف من غير الدول، كما هو الشأن بالنسبة للجيوش الخاصة أو الجماعات الإرهابية، أو تلك الناجمة عن تلوث البيئة والجرائم الرقمية..
ومع تصاعد حدة الانتهاكات التي أصبحت تلحق بقواعد القانون الدولي خلال العقود الأخيرة، وبخاصة بعد اندلاع الحرب الروسية في أوكرانيا، وتوالي الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة، والحرب على إيران، وقيام هذه الأخيرة باستهداف عدد من دول الجوار، مما تسبب في عدد من الخسائر البشرية، واستهداف عدد من البنى التحتية المدنية، بدأت الكثير من الأسئلة تثار بشأن مستقبل القانون الدولي، وحول مدى قدرت على كسب رهانات السلم والأمن في واقع دولي سمته الصراع والأزمات والحروب، بل هناك من الباحثين والمختصين من ذهب إلى حد اعتبار هذه المحطات هي بمثابة منعطف حقيقي يعكس بداية انهيار القانون الدولي والأمم المتحدة. خصوصاً وأن هذه الأحداث مجتمعة كشفت هوة عميقة بين مقتضيات القانون الدولي ومبادئ وأهداف وقرارات الأمم المتحدة من جهة، وتطبيقاتها الميدانية إقليمياً ودولياً من جهة أخرى.
إن استمرار الكثير من الانتهاكات دون ردّ، يعطي الانطباع وكأن هناك نوعاً من التطبيع مع استخدام القوة في العلاقات الدولية، وتهميش الآليات الدولية لتسوية النزاعات وتدبير الأزمات، ذلك أن الكثير من التدخلات العسكرية أصبحت تتم خارج نطاق تفويض مجلس الأمن بفعل استخدام حق الفيتو أو التهديد باستعماله، وبعيد عن مقتضيات قراراته ذات الصلة، أو تبرر بممارسة حق الدفاع الشرعي ضمن تفسير ضيق لا يخلو من انحرافات للمادة ال 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
تتزايد المخاوف أمام هذا الواقع الدولي المرتبك، الذي يحيل إلى شلل المؤسسات الدولية في مواجهة هذه المخاطر والتحديات، وعدم قدرة القانون الدولي على مواكبة التحولات الدولية المتسارعة بإشكالاتها العسكرية والرقمية والبيئية والإنسانية، وتنامي صور الكيل بمكيالين التي تعكس تطبيقات انتقائية للقانون الدولي، بما يكرس تخوفات جدية لدى دول الجنوب في مقابل استهتار عدد من دول الشمال بعمل المؤسسات الدولية وبمقتضيات القانون الدولي العام.
من الصعب جداً أن نحسم الجدل بالقول ببساطة: إن القانون الدولي أو المؤسسات الدولية قد انهارا أو في طور الانهيار، رغم أزمة الشرعية التي يمران بها، فلا تخفى أهمية القانون الدولي في تنظيم عدد من القطاعات والمجالات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية والتجارية.. في عالم متطور سمته التشابك والاعتماد المتبادل، كما لا يمكن غضّ النظر عن الجهود التي تبذلها المنظمات والهيئات الإقليمية والدولية العاملة في مجالات الأمن والاقتصاد وحقوق الإنسان والتنمية في هذا الصدد، ونستحضر من جانب آخر جهود المحاكم الدولية، كما هو الشأن بالنسبة لمحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية في مجال تطبيق القانون الدولي.
إن العجز عن تطبيق القانون الدولي الإنساني يكرس الإفلات من العقاب، بما يفرض إصلاح الأمم المتحدة و«دمقرطتها»، وكذا تطوير مقتضيات القانون الدولي.
[email protected]