جواهر بنت محمد القاسمي *
وتمضي الشارقة في اتجاه تحقيق رؤيتها لصحة الإنسان، ودعم المبادرات التي تجعلها المدينة الأنموذج، لأفضل الممارسات المحافظة على قيم الحياة والاستدامة. فبعد مشاريع الأمن الغذائي التي سبق أن أشرنا إليها في مقال سابق، يأتي إعلان مشروع تحويل النفايات إلى طاقة، وهو وطني إماراتي، تسهم فيه أكثر من جهة، دعماً للاقتصاد الدائري ومعالجة النفايات غير القابلة لإعادة التدوير، بما يحقق بديلاً صحياً ونظيفاً يرسم بيئة مثالية للحياة.
إن البيئة تعكس حضارة المجتمع وثقافته في التعامل مع معطيات الطبيعة والممارسات البشرية، التي تشمل التعامل مع بقايا الاستهلاكات التي خرجت عن الحاجة بكل أنواعها، ما يجعل التخلص من النفايات ضرورة حتمية للحفاظ على النظافة والنظام والمظهر العام لمرافق المجتمع. ويأتي ذلك إمّا بالتخلص النهائي عبر الوسائل المتاحة لدى الجهات المختصة بأمور البيئة، كما هي الحال سابقاً، أو بإعادة تدوير ما يمكن الاستفادة منه في الاستهلاك، مع ما يشكله من أمن اقتصادي للمجتمع والأسرة والفرد.
ويفتح هذا المشروع المجال لإحداث قفزة نوعية في التعامل مع النفايات «غير القابلة للتدوير»، حيث يعالجها، ليحولها إلى طاقة داعمة للطاقة الكهربائية، عبر عمليات حرقٍ يعالج ناتجها من الغاز، قبل أن تؤثر سلباً في الجو المحيط بنا.
ومع انتهاء أعمال بناء محطة تحويل النفايات إلى طاقة في الشارقة - وهي أول محطة تُعنى بهذا الشأن في الدولة - فإن مرحلة التشغيل التي بدأت بالأمس، ستؤثر بشكل كبير في قطاع الطاقة النظيفة، فهذه المحطة من النتاجات الأولى للشركة. وهو مشروع يكتسب قوته وأثره الواسع من شراكته بين بيئة للطاقة، وشركة أبوظبي لطاقة المستقبل «مصدر»، لندخل بمواطني الإمارات مستقبلاً خالياً من النفايات وقائماً على الطاقة النظيفة، مدعوماً بممارسات بيئية تدعم الاقتصاد الدائري، والصحة العامة، والمظهر الحضاري للمجتمع.
وحين نقرأ أن المحطة، عبر طاقتها التشغيلية القصوى، ستسهم في تحويل ما يصل إلى 30 ألف طن من النفايات، لإنتاج 30 ميغاواط من الطاقة، لتلبية احتياجات 28 ألف منزل من الكهرباء في إمارة الشارقة، فإنني أرى أنه واقع يزيدنا مسؤولية أمام هذا الإنجاز، وقد نحتاج إلى برامج تدريب، وكذلك توعية وتثقيف في أسلوب التعامل مع النفايات، حتى نصل إلى الطاقة التي نريد، لتسهم في تعزيز الاقتصاد الوطني والطاقة النظيفة؛ فهناك الكثير من النسب والإحصاءات التي تواكب هذا المشروع التي تتحدث عن واقع ننتظره مع البدء في تشغيل محطته.
إن هذه الخطط المنسجمة مع برامج الاستدامة في الإمارات، وبرامجها إقليمياً وعالمياً، تعمل على غرس قيمة الاستدامة البيئية التي ستثمر في المستقبل، وتتجلى نتائجها للأجيال القادمة.
نبارك لمجموعة «بيئة» وشركائها هذا النجاح في أداءِ رسالتها المتمثلة في تحقيق مستوى عالٍ من الجودة المجتمعية، في حفظ حياة الإنسان، وتأمين معيشة نموذجية لحاضره ومستقبله، وغرس قيم الاستدامة التي تتضمنها مهام المجموعة ورسالتها.. وهو مجال قلّ أن نرى شبيهه، يجعل الشارقة أول مدينة في الشرق الأوسط تحقق خلوّها من النفايات غير القابلة لإعادة التدوير وتحويلها إلى طاقة.
إن ذلك كله يدخل في دائرة اهتمامنا بالإنسان، بحياةٍ يتمتع فيها بما يمكّنه من استشراف مستقبله ومستقبل أولاده الذين سيقرؤون هذه القيمة اليوم، ويعيشونها في إطار الاستدامة مستقبلاً.. فتتيح لهم مزيداً من الرؤى المبتكرة لمواجهة كل ما يؤثر في قيمة بيئتهم، وليكونوا أول الذين يتصدون للمحافظة عليها، عبر مشاريع مبتكرة كهذا المشروع الذي يفتح باباً أكثر اتساعاً للعلوم والمعرفة في البيئة والطاقة، يبدأ من هنا.. من الشارقة.
* رئيسة المجلس الأعلى لشؤون الأسرة بالشارقة
لا يزال لإكليل الشارقة أثره الطيب في المجتمع، وحديثاً متداولاً بين أفراده وعبر حوارات ورسائل تصلني.
لقد فاجأني بالإكليل صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة في جمع فكري إماراتي وعربي وعالمي خلال افتتاح معرض كتاب الشارقة الدولي السابع والثلاثين، حيث جاء تكريماً من رجل المهمات الصعبة، الذي يطرق باب العالم الإنساني عبر منافذ الفكر والعلم، ويعكس بثقافته وجهده الفكري الصورة الإنسانية لمجتمعنا العربي في المحافل العلمية العالمية، والذي وطّد بها علاقاتٍ قائمة على علوم الإنسان والتاريخ والكون، فأدهشت كل من اطلع من العلماء على هذه الجهود البحثية لما تتضمنه من حقائق ووقائع مهمةٍ يوثقها في كتاباته، تلك الحقائق التي يأبى أن يزيفها بخيال أو بأحداثٍ غيرها حتى وهو يكتب الرواية الأدبية إيماناً منه بأن الحقيقة وحدها التي يجب أن تتكلم لا غير، حتى إن تحول التاريخ وحكاياته إلى عمل أدبي/ مسرح أو رواية.
وكي يصل هذه الحقائق يقطع سبيلاً ليس سهلاً ويتجاوز معوقات ليس من البساطة إزالتها خاصة المعوقات الفكرية التي ترفض الحقيقة أو ترفض أن تذكر، ولكنه رجل تاريخ، يشعر بأنه مسؤول عن كل كلمة وكل حدث وكل قضية طالما أن أطرافها وصلت إلى يده.
وحين تكرمني قامة ثقافية وعلمية بهذا الحجم، فإنه تشريف كبير لي أشكر سموه عليه، وأؤكد أنه تكريم لكل امرأةٍ عملت في فريقنا الذي لا يزال يسعى إلى تحقيق التنمية المثلى للإنسان داخل وخارج البلاد، وما الكلمة التي ذكرها سموه إلا دليلاً على ذلك، حيث أشار بحسه الأدبي وأسلوبه الشعري إلى العمل الإنساني والاجتماعي والثقافي والاقتصادي الذي نعمل من خلاله وضمن فريق متميز على تحقيق رسالتنا التنموية المتضمنة لهذا التنوع.
ثم إن تكريم سموه لي بهذا الإكليل يحمل معنى لابد أن يقرأه كل رجل جيداً، فالمرأة كرامته وعزته وفخره، كلما أعزها وأكرمها ازدادت فخراً برفقتهما في طريق الحياة المشتركة.
وتكريمها وإكرامها يكونان بأبسط المواقف التي تعكس أهميتها في حياته، وتجعلها تشعر أنها فعلاً كائن محوري في أسرته، وعلى المرأة في الجانب الآخر أن تقدّر وجود زوجها وأبنائها في حياتها.
نعم، إن لي قراءة مهمة لهذا التكريم أريد من الجميع أن ينتبه إليها، لعلاقتها بأهم كيان يُبنى به المجتمع المتماسك، فالتكريم رسالة لشقيقنا الرجل الذي يشارك زوجته قيادة أسرته على أُسسٍ من قيم المحبة والتراضي والاحترام، فإكرامها يجعلها تؤدي دورها ومسؤوليتها بما يحقق الحياة المستقرة والآمنة للأسرة، ومواجهة كل ما يمكن أن يعصف بها بفكرٍ وتأنٍ وتأمل، وتصرف يجعلها باقيةً ومؤدية لدورها في حماية المجتمع والارتقاء به، فالانشغال بالمشكلات - يمكن تجاوزها وتقليصها إلى أن تتلاشى- يؤثر على أداء الرجل والمرأة على حد سواء، لأن هناك أفكاراً تعصف بالفرد -زوجاً كان أو زوجة- فتتراجع إمكاناته الذاتية في أداء ما عليه من مسؤوليات حياتية وإنسانية وحتى وظيفية.
عليك -أيها الزوج- أن تكرم هذه السيدة التي تشاركك الحياة، وتشاركك بناء أسرتك والمحافظة على الأبناء والسعي لتوفير ما يحقق لهم الأمان.
وفي المقابل عليك -أيتها الزوجة- أن تكرمي زوجك وتحفظي عهده، وتعيشي انتماءك لأسرة تبنيها معه على الخير.. على الرحمة والمودة والسكينة كما قال الله سبحانه في كتابة العزيز.
إنها رسالتي إلى كل زوج وإلى كل زوجة من منطلق مسؤوليتنا عن هذا المجتمع الذي أردنا أن يكون للأسرة مكانتها في جهودنا لبناء الشخصية المتفردة والفاعلة لكل طفل وشاب.. إننا نعمل ونسعى لتحقيق أفضل العيش لأفراد المجتمع، وعلى الزوج والزوجة أن يسهما في ذلك بتجاوز الإشكالات، والتنازل بعض الشيء من أجل أن تمضي بهما السفينة إلى بر الأمان، وبالتالي تمضي بالمجتمع كله إلى الأمان ذاته.
ما أتمناه هو أن يتفهم الرجل دور زوجته في حياته، فلا حرج من أن يشكر زوجته على الملأ، ويكرمها في محفل وإن كان عائلياً، فهذا يعزز العلاقة بينهما، ويجعل العطاء لدعم أركان الأسرة صادقاً نابعاً من القلب لا مجرد واجب أو عبء لابد من القيام به.
أعود وأقول لصاحب السمو حاكم الشارقة: شكراً على هذا التكريم، وشكراً لأنك حين تكرّمني فإنك تكرّم المرأة في بلادي.
(تنشر بالتزامن مع مجلة مرامي الفصلية)
* رئيس المجلس الأعلى لشؤون الأسرة
إن الصحة التي يتمتع بها الإنسان، هي مصدر سعادته وسعادة أسرته، لذلك كان لا بد أن تتوحد الجهود المحلية والعربية لأجل توفير حياة صحية لهذا الفرد وأسرته.حيث إننا نركز بشكل كبير على توفير حلول سليمة تمكن المريض من التصدي لمرض السرطان بأنواعه، وخصوصاً سرطان الأطفال. فالطفل المصاب بمرض السرطان يسبب ألمًا لعائلته، كونه غير مدرك لخطورة ما يمر به، فيما تدرك العائلة أن هذا الطفل سيتجاوز مرضه في حال لقي دعمًا نفسيًا كبيرًا من عائلته، ومن المسؤولين في المؤسسات الصحية.
ولأن كثيراً من الأمور الصعبة في حياتنا بإمكاننا تجاوزها من دون خسائر إن تم اكتشاف خطورتها مبكراً فإن الاكتشاف المبكر يؤدي إلى تجنب تدهور حالة الطفل الصحية والنفسية، وأيضا ستزيد من نسبة شفائه من هذا المرض، حيث يعتبر الكشف المبكر أحد أهم وسائل علاج الفرد في حياة الفرد المصاب.
ومن منطلق اهتمامنا بضرورة نشر الوعي حول أمراض السرطان وأسبابه وطرق العلاج منه، فإننا ندعو جميع المؤسسات الصحية في دولة الإمارات العربية المتحدة إلى الاهتمام بتوفير سبل الوقاية والعلاج من المرض قبل وصوله لمرحلة متأخرة لا يمكن علاجها.
ولهذا السبب، قمنا بالمشاركة في القمة العالمية لقادة مكافحة السرطان الذي أقيمت في إسطنبول، بهدف تبادل الخبرات المتعلقة بطرق مكافحة أمراض السرطان مع 250 خبيراً من خبراء السرطان في خمسين دولة مختلفة. وكان جلّ تركيزي خلال مشاركتي في هذا المؤتمر، هو التطرّق إلى أهمية توفير الدعم اللازم للأطفال المصابين بالسرطان حول العالم، حيث إن هذه الفئة تستحق منّا أن نمنحهم أملًا بالشفاء والحصول على حياة أفضل بعيدًا عن كل ما يهدد سلامتهم وصحتهم النفسية والجسدية.
ومن الضروري أن تسعى جميع المؤسسات الصحية في الدولة وفي العالم إلى توفير الرعاية الصحية والنفسية للمصابين بالسرطان بشكلٍ مجاني مما يسهل حصولهم على الرعاية اللازمة لشفائهم. ونظرًا لتزايد حالات الإصابة بهذا المرض في الآونة الأخيرة، كان لزاماً على كل الأيادي أن تتعاون على توفير تأمين صحي للمصابين به فنكون بذلك قد سهلنا عملية العلاج للمرضى والاطمئنان لأسرهم التي تعاني معهم وتشاركهم الألم.
إنها دعوة منا للبدء بتنفيذ مشروع التأمين الصحي لأطفال مرضى السرطان في دولة الإمارات، حيث إن هناك حالات تحتاج اهتماماً كبيراً، وعلاجاً مكثفاً من المؤسسات الصحية، نظراً لما لهذا المرض من مخاطر على حياة المريض، فدعونا نجنبه تدهور صحته.. ونجنب أسرته الآلام النفسية التي تحيط بهم بسببه.
إن هدفنا الدائم هو الحفاظ على صحة المرضى، وتقديم أفضل الخدمات الصحية لهم. ويمكننا أن نحقق ذلك من خلال توفير الإمكانيات اللازمة لعلاجهم، إلى جانب ضرورة تمتع المريض بالإرادة القوية التي ستمكنه من المضي في طريق العلاج من المرض، ووجود التشجيع الإيجابي من الأطباء والعائلة على تجاوز المرض بمراحله المختلفة، لأننا بذلك سنحصل على النتيجة المرجوة، والتي ستكون نتيجة إيجابية ومفرحة بإذن الله، لجميع الأطراف.
يتزايد استخدام مواقع التواصل الاجتماعي في واقعنا المعاصر اليوم، وتتعدد موضوعات استخداماتها على مستوى الدول والمجتمعات والأفراد، ما جعلها منبراً لبث رسائل تتعدد أغراضها، ويتنوع المستهدفون منها، خاصة على مستوى الأفراد، صغاراً كانوا أم كباراً.
وإذا كانت إيجابيات التواصل تتحدث عن نفسها، وتختزل في الاطلاع على التطورات الحديثة والمؤلفات المستجدة في شأن المعارف والعلوم الإنسانية، وتوطيد التعارف الإنساني على أسس أخلاقية ومعرفية، فإن الاستخدام الذي يحتاج منا إلى وقفة تفكّر يتبعها اتخاذ قرار مهم بشأنه، هو مسألة المخاطر والأضرار التي أصبحت موجهة وبشكل مباشر إلى الأجيال الصغيرة والشابة، على وجه الخصوص. هذه الوقفة لابد منها كي نتبين سبل تجنبها حفاظاً على أولادنا الذين لا مستقبل لنا من دونهم.
ولذلك أسعدتنا دعوة أختنا سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك إلى تقنين استخدام التواصل الاجتماعي، بعد أن وصلت مضاره إلى حدود قصوى من التأثير السلبي في الأسرة والمجتمع. بل وفي الأمن والسلام الوطني. فقد وضعت سموها يدَها على هذه المسألة التي تؤرّقنا، وأصبح تأثيرها واقعاً نراه عبر كثير من مشاهدنا اليومية، داعيةً إلى وضع هذه المواقع تحت منظار قانوني يحمي مستخدميها من الوقوع ضحايا انجذابهم إلى الرديء منها من دون وعي بخطورة محتواها، وتحذرهم من جعلها وسيلة للتشهير وإلصاق التهم بالغير، واستخدام قواميس من الألفاظ غير المهذبة التي روّجتها هذه المواقع.
وتأكيداً على دعوة سمو الشيخة فاطمة.. فإن هذه المواقع زعزعت الأمان في كثير من الدول، بحيث امتد التأثير السلبي لها من الفرد فالأسرة فالمجتمع، فالوطن كله، إلاّ من رحم الله سبحانه. ما يجعلنا نشد على يد سمو الشيخة فاطمة، ونؤكد دعمنا لدعوتها الكريمة بتقنين استخدام هذه المواقع، والكشف عن مسيئي استخدامها وتقديمهم للعدالة إذا كان التأثير يضر بالمصلحة العامة.
ويكفي أن مستوى الاستخدام الرديء لهذه المواقع قد وصل إلى درجة أنها صارت لدى أصحاب الآفات النفسية وسيلة للتحرش ضد الأطفال. ما يستدعي اتخاذ موقف قوي وثابت في مواجهتها من الأسرة التي عليها أن تراقب بحزم كل ما يصل عبر هذه المواقع إلى الأبناء - أطفالاً كانوا أم مراهقين - وأن يساند المجتمع كله، بأفراده ومؤسساته المعنية، هذه المراقبة عبر وسائل توعية مستمرة لا تتوقف طوال العام. ولا تسمح بالغفلة للحظة عن الأبناء وهم يواجهون هذه الشاشات التي تتفنن في أن تكون مغناطيسَ يتجدد كل يوم، ليظل مستخدموها في حالة انجذاب مستمرة إليها تقطع بهم طريقاً لا نريده لهم.
إن الأسرة بقيادة الأب والأم، عليها أن تسعى إلى إعادة تقاليد التماسك الراقية، وإيجاد فرص للحوار الفعال بين أفرادها، وإلغاء هذا الشكل في التواصل والمتمثل باستخدام رسائل عبر الهواتف النقالة، أو حتى الحديث عبرها، فيقرب المسافات التي تسبب باتساعها بين أفراد الأسرة الواحدة، فضلاً عما كان بين الأهل والأصدقاء.
وأدعو إلى أن نشترك معاً، على مستوى الدولة، في حملة وطنية كبرى توجه رسائل إلى الصغار والكبار. إلى الأفراد والأسَر من أجل حماية أبنائنا من المخاطر المدروسة وراء الصور التي تحمل لهم سعادة زائفة في محاولة منها للقضاء على قيم دينهم ومجتمعهم، وانتمائهم إلى ثقافتهم ووطنهم.
وبهذه المناسبة أبارك لسمو الشيخة فاطمة إنشاء مجلس الأسرة الاجتماعي، وأسأل الله تعالى لهذه الخطوة بقيادة سموها، كل النجاح والتوفيق في أداء رسالتها الاجتماعية نحو تحقيق أسرة إماراتية آمنة ومستقرة، ولبنة قوية في بناء المجتمع.
اجتماع العرب على كلمة واحدة دعماً لحق الدولة الفلسطينية في العضوية الكاملة في هيئة الأمم المتحدة، يبدو كالحلم العربي الذي لا يتحقق مهما جاءت النتائج غير مرضية للعرب . . فهذه تكاد تكون المرة الأولى التي يتفق العرب فيها على مصلحة الشعب الفلسطيني، والدولة الفلسطينية أمام القوى التي ظلت ولا تزال تقود الأمم إلى مصائر يضعون سيناريوهاتها ويجبرون هذه الأمم على اتباعها، موحين لهم بأن خططهم هي المنقذ الوحيد بينما الحقائق تظهر غير ذلك تماماً .
لا شك في أن موقف القيادة الفلسطينية لن يمر على التاريخ من دون أن يحتفظ به في صفحاته، خاصة بعد المواقف التي أخفقت فيها ومعها الدول العربية خلال عقود من الزمان في التوحد على مطلب الحفاظ على كرامة شعب يطالب بالحرية، وينتفض من أجل حقه العادل، فها هي السلطة الفلسطينية اليوم تقف إلى جانب شعبها لإعلاء حقه غير راضخة للضغوط الدولية وخاصة الأمريكية، التي مورست ضد السلطة وهي في الواقع ضد الحق العربي - بقيام الدولة في فلسطين، بل إنها مارست ضغوطها على الدول العربية التي يبدو أنها بدأت تفقد هي وأمريكا بريق علاقاتهما الجيدة على المستويين السياسي والاقتصادي التي كانت في أفضل صورها وهي تحقق المصالح المشتركة لهما ولسنوات طويلة، حتى بدأنا نشهد انقشاع هذه الغمة المهينة لنا بالرفض العربي وبالوحدة في مواجهة ضغوط منع وصول الدولة الفلسطينية إلى مكان مستحق لها وللشعب في هذه المنظمة العالمية، مما استنفر الإدارة الأمريكية للتحرك في ممارسة ضغوط دبلوماسية تصب كلها في مصلحة إسرائيل لتطويق هذا الرفض المتفاقم، خاصة في دول مجلس التعاون الخليجي وبالأخص في المملكة العربية السعودية التي أبدت رفضاً في صيغة تحذير لأمريكا من تأثر العلاقات الثنائية القائمة بينهما على المصالح بشكل سلبي ليست في مصلحة استمرارها .
ولا نستبعد كمواطنين من الإمارات أن تكون هناك محاولات مشابهة تعرض لها الموقف الإماراتي للضغط عليه لتغييره من أجل بقاء إسرائيل بغض النظر عن المطالب العادلة للشعب الفلسطيني، إلا أننا على ثقة بقيادتنا الحكيمة الرشيدة التي لها تاريخ طويل مشهود في الوقوف إلى جانب حق الأشقاء في فلسطين، وفي الدعوات المتكررة لإعادة الحق إلى أصحابه، والرضوخ للمطالب الأمريكية مستحيل وإن جاءت تحت غطاء تأثر العلاقات العربية الأمريكية بسبب هذا الموقف العربي .
إن تناقض المواقف في الولايات المتحدة الأمريكية ليس بغريب عنها، فهي تهدد باستخدام حق النقض الفيتو إذا ما صدر قرار أممي بالموافقة على إعطاء الدولة الفلسطينية شرعيتها، وحقها في العضوية الكاملة بالأمم المتحدة، في الوقت الذي تشيد فيه بحركات التحرر ومطالبات الشعوب العربية بالديمقراطية وحق حرية التعبير، ومحاربة الديكتاتوريات . وهو ما لا يتفق مع واقعية موقفها من القضية الفلسطينية في مشهد الكيل بمكيالين . إن ما نراه من دعم وموافقة دولية على هذا الحق للدولة الفلسطينية ليوسع باب الأمل بأن الشعوب كلها تؤمن بحق بعضها بعضاً في أن تعيش في سلام وأمان .
ولكن الأمل الجديد حقاً بدأ يبزغ في مواقفنا العربية تجاه قضايانا في العالم ولا نريد أن نفقده في لحظة تراجع أو انهزام، لقد اكتفينا والله، وآن لنا أن نثبت على رأي واحد وموقف واحد، فالحق لنا ومعنا، علينا أن نستمر طالما بدأنا، نستمر في دفع عملية الوجود الفلسطيني بشكل رسمي معترف به في هيئة الأمم مهما مرت السنون وتغيرت القيادات الفلسطينية وسارت خطوات تحقيق العدالة والمطالبة بالحق على طرق طويلة وشائكة، ولكن يبقى الأمل بالله سبحانه أولاً ثم بأبنائنا المؤمنين بأحقيتنا في فلسطين والمسجد الأقصى .
قراءتي للصحف أحزنتني، وجعلتني أذرف الدمع . . أي يوم سيمر علينا إذا كان صباحه يحمل لنا عنوان سقوطنا في امتحان الإرادات كما جاء في افتتاحية صحيفة الخليج .
ماذا ننتظر بعد أن سقط العرب في التصويت لمشروع يلزم الكيان الصهيوني توقيع معاهدة حظر الانتشار النووي؟ صحيح أنني لم أكن أنتظر خبراً غير هذا بعد أن تعودنا على أن نتجرع أحزاننا وآلامنا في صمت ونحن نشهد على قهرنا والتنكيل العالمي بأمتنا . . لكن الخبر هذه المرة جاء كالسيف الذي يقطع الأمل ويعزز في نفوسنا اليأس، سنظل نتساءل متى نستيقظ من غفوتنا التي طالت حتى غرَّبتنا عن الهوية، وفقدنا القدرة على اتخاذ قرار يحفظ احترامنا وهيبتنا في العالم تماماً، كما فقدنا القدرة على اتخاذ موقف أو قرار تفخر به الأمة العربية والإسلامية، وشعوبها التي انتظرت وملّت الانتظار حتى مات من مات وعاش من عاش؟ شعوبها التي سلبت حقوقها، وسرقت أرضها، ومحيت آثار بيوتها وحقولها، ولا نملك لها سوى أن نحييها على صبرها وتمسكها بعزتها وحقها .
واليوم، إذ نسمع نحن وهم بفشل عربي ذريع آخر . . ماذا نقول؟ ماذا نقول وهناك صغار لايزالون يدافعون عن الحق العربي وباسم الأمة بالحجر ويموتون في سبيل الحق . . وكبارهم لم يفقهوا بعد معنى الوقوف في وجه الظلم ولو بحجر؟ بل إنهم يمضون إلى أبعد من ذلك، فيعقدون الصفقات معهم لشراء الأسلحة ويدعمون المصارف الغربية بالمليارات حتى لا تنهار مصارفهم ولا يتهاوى اقتصادهم، فنمارس معهم أخلاق الكرم العربي، وهم يمارسون معنا خلق اللؤم والظلم ومؤامرات إسقاطنا في الهاوية .
ولكن أية أسلحة هذه التي نشتريها وأعداؤنا يتمرغون في التدليل الغربي لهم فتتكدس الخزانة الإسرائيلية بأحدثها للحفاظ على قوتها في المنطقة العربية حتى جعلت منها قوة غير مسبوقة لا في الشرق الأوسط وحسب ولكن حتى على مستوى العالم أيضاً .
لقد سمحنا لهم أن يعيثوا في أرضنا فساداً بل استمعنا بإنصات واهتمام لمؤامراتهم ضدنا فصدقنا أن الأخ عدو، والعدو صديق . . هكذا فرقوا بيننا كي يستفردوا بكل واحد على حدة فيسهل تحكمهم فينا وسيطرتهم الظالمة علينا وقد زرعوا بين صفوفنا العداوة والبغضاء، وتسببوا في انهيارات قيم المحبة والوحدة، حتى انبرى بعضنا يتهم أخاه بالخيانة، ودبت الفتنة بيننا وكذلك الخلافات حتى وجَّهنا السلاح إلى بعضنا بعضاً، واستجبنا للفتنة التي زرعت بيننا فتسلطنا على إخوتنا وأحبتنا بالقتال والحرب .
إننا نملك مقومات كثيرة تجمعنا وتقربنا وتقوي شوكتنا، لكننا ألقينا بها وراء ظهورنا ولهثنا وراء مشروعات النماء الأسمنتي للتنافس على دخول موسوعات الثراء السريع .
وظلت مشروعات بناء الإنسان تعاني التقليدية، فلا برامج تحل المشكلات من جذورها، ولا جامعات تخرج أجيالاً متتابعة من العلماء، ولا استقطاب للعقول المهاجرة، ومجتمعات عربية لا تزال تعاني الأمية والجهل والأمراض المستشرية في العقول والأبدان والنفوس، وأساليب تعليم أكل الدهر عليها وشرب .
كل زاوية من وطننا العربي الذي تغنينا به وبحبه وربطنا شعباً واحداً من محيطنا إلى خليجنا يفتقد معنى الوحدة وتطبيقاتها على أرض الواقع . . فكيف لا ننهار ونسقط في اختبار الإرادات أمام العالم كله الذي سينظر إلينا بعين الشفقة أو الشماتة؟
رحمة الله عليك يا جمال عبدالناصر، يا زعيم الأمة . . تذكرتك اليوم وأنا أقرأ سقوطنا في امتحان الإرادات، وتذكرت أنهم لا يزالون يتحدثون عن النكسات ويلقون عليك بأسبابها ويصمونك بالهزيمة ويلقون بفشلهم من بعدك عليك، وربما سيلقون عليك أسباب الضربة القاسية التي تلقوها من العالم بعد أن رفض مطالبهم .
لقد أصبنا بالهشاشة، ولا أظننا سننتظر طويلاً حتى يزف إلينا نبأ التوقيع العربي على الاعتراف بالدولة اليهودية وتقبُّل إسرائيل بيننا شئنا أم أبينا باعتبارها دولة صديقة يجب أن نستقبلها بالأحضان، وقد تلقَّى بعضنا تدريباً عملياً على أخذها بالحضن . . فأي غرابة إذاً في ذلك؟
وها هي إسرائيل محبوبة العالم المعاصر تتلقى الضوء الأخضر لأن تجرب لعبتها التخريبية على لبناننا الجميل، كي يسهل لها دخول العزيزة سوريا . . ونحن ما زلنا في خبر كان!
كما نفتقد جمال، فإننا نفتقد والدنا الشيخ زايد، رحمه الله تعالى، وقراراته الشجاعة التي لفتت أنظار العالم إليه، ونفتقد صوته الحاسم والحنون ومقولته الشهيرة البترول العربي ليس بأغلى من الدم العربي .