صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
عبدالحميد أحمد
كاتب
أحدث مقالات عبدالحميد أحمد
24 مارس 2025
«السيارة مش عم تمشي»

ربما نتخلى عن السيارات قريباً، فهي مع ارتفاع تكاليفها وزحمة الطرقات تنتفي الحاجة إليها، فأي مشوار لا يزيد على خمسة كيلومترات يحتاج إلى ما لا يقل عن نصف ساعة، وإذا كان المشوار عشرة كيلومترات فالزمن قد يصل إلى ساعة، وإذا كنت على الطريق الذي يسمى بالسريع كالذي يربط بعض الإمارات ببعضها فأنت والسلحفاة صنوان لأن السير واقف والسيارة مش عم تمشي.
والموضوع لا ينتهي عند الزحمة ورسوم الطرق، بل يمتد إلى تأثيرات أخرى، مثلاً إذا وصلت بالسلامة إلى وجهتك في المدينة فالبحث عن موقف قصة أخرى، وإذا صادفك الحظ ووجدت موقفاً فسرعان ما تجد من هو أسرع منك ويحتل الموقف قبلك، فالماشي عندنا هو شعار من سبق لبق، في المواقف، والطرقات كذلك مع السيارات التي تقفز أمامك والأخرى التي تنحرف فجأة دون مراعاة خلو الشارع مما يجعلك فعلياً في ساحة حرب تحيطك الأخطار من كل جانب، كل هذا طبعاً له توابع من ارتفاع الكورتيزول في الدم إلى ارتفاع الضغط والتوتر ونشفان الريق وألم الظهر والساقين والبقية تعرفونها.
والمضحك المبكي هو ما تجده على الطرقات السريعة من سلاحف تتخذ دائماً من المسار السريع الثاني طريقاً لها. هذه السلاحف عادة سيارات صغيرة بيضاء أو رصاصية من الصعب رؤية من يقودها لأنه يغوص في الكرسي، ويقود المحروسة بسرعة منخفضة جداً، وأعتقد والله أعلم أن هذه الفئة من السائقين الذين حصل أغلبهم على رخص القيادة عندنا يعتقدون أن هذا المسار السريع محجوز لهم حتى بات هذا المسار فعلاً ملكاً خاصاً بهم مع ما يتسببون فيه من ربكة في السير ونرفزة السائقين الآخرين الذين لا يملكون سوى ضرب الهرنات من خلف هذه السلاحف والتدييم بلا فائدة إذ السلاحف تأبى الخروج من المسار وإذا خرجت مؤقتاً فلكي تعود إليه ثانية على وجه السرعة. والواضح أن سائقي هذه السيارات التي في بالي وبالكم لا يستخدمون المرآة الأمامية لرؤية ما يجري خلفهم أو أنهم لا يعرفون أن هذه المرآة لها وظيفة مهمة وإلا ما تكبدت مصانع السيارات صناعتها.
والحمد لله أنه مع كل هذه النرفزة وحرق الأعصاب على الطرق فإن الحوادث تراجعت، وذلك ليس لأن السائقين صاروا مهرة بل لأن السيارات صارت أكثر ذكاء من الإنسان نفسه مع وجود قرون الاستشعار فيها والحساسات التي تساعد السائق على حسن القيادة وعلى سلامة الطريق.
ولا ننسى بالطبع سيارات التكسي و«أوبر» التي صارت فعلياً تمتلك الطرقات داخل المدينة ولا تراعي أبسط قواعد السير من الالتزام بالسرعات المقررة، فهذه إما بطيئة تسير على مهل وإما مسرعة خارج المألوف، ثم هناك بالطبع دراجات التوصيل، التي تتقافز في الطرقات وتلتصق بالسيارات من خلف وتراوغ وتناور وهي تسابق الوقت لتوصيل الطلبيات فتفوز ب «الكوميشن». فضلاً عن الوضع داخل الأحياء السكنية التي وصلتها هي أيضاً أمراض الطرق، خاصة الاختناقات عند مداخلها ومخارجها، يا لطيف.
وعلى ذكر وضع الطرق في العالم فإننا في الحقيقة حين نسافر ونستأجر سيارة في أي منها للاستخدام والتنقل لا نشعر بهذا القدر من التوتر وحرق الأعصاب والنرفزة، ذلك لأن الازدحام إن وجد فهو معقول وآداب السياقة وبروتوكول الطرقات على أكمل وجه والناس تقود سياراتها بهدوء وفي أدب مما يجعل قيادة السيارة هناك آمنة علاوة على أنها ممتعة فعلاً.
في الماضي كانت السياقة عندنا متعة أيضاً أيام كانت أعداد السيارات قليلة والطرقات بسيطة، وأي مشوار في المدينة لا يتعدى الدقائق، نقضيه ونحن نستمع إلى مطربنا المفضل طلال أو ميحد أو الدوخي أو عبدالحليم أوفريد وغيرهم، يا لتلك الأيام وتلك السيارات والطرقات، التي ما إن تحسنت مع وجود أربعة مسارات على الأقل في كل طريق وجسور وأنفاق وإشارات مرور حتى ساءت معها السياقة وصارت خطرة ومحطمة للأعصاب على النحو الذي نراه ونعيشه حالياً.
لذلك فقرار التخلي عن السيارة لن يكون طواعية بل كرهاً وجبراً، خاصة إذا عرفت وحسبت فوائد هذا التخلي على الصحة النفسية والجسدية والمالية معاً، فالطرقات لم تعد لنا للأسف، والأهم لنا صحتنا وراحة بالنا.

1 سبتمبر 2024
من القلب العظيم إلى القلب المقدس

مدّ سلطان يد المحبة إلى ميلانو فصافحتها بتقدير واحترام. 
اليد الكريمة التي امتدت أنشأت جسراً للتبادل الإنساني والحضاري بين الثقافة العربية والثقافة الغربية حين افتتح المعهد الثقافي العربي في حضن الجامعة الكاثوليكية «القلب المقدس»، قلعة العلم وحصن المعرفة في مدينة ميلانو العريقة، ليكون أول معهد من نوعه تبادر الشارقة بإنشائه في الخارج.
وكان لحضور صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة في صرح الجامعة ولقائه برئيسها وأساتذتها تحفّه نخبة من طلابها وطالباتها إشراقة العالم الجليل المتواضع لا الحاكم المهيب، فزاد التواضع مهابة على مهابة ووَسَم الحُكم علماً، والعلم حِكمة، فما أحوج كل منهما إلى الآخر، وفي سلطان اجتمعا.
لكن لماذا ميلانو وجامعتها العريقة؟
ميلانو هي ثاني أكبر مدينة في إيطاليا وعاصمتها الاقتصادية، لكن شهرتها الاقتصادية لم تطغَ على سمعتها الثقافية والفنية، فهي تضم أيضاً أبرز المعالم التاريخية والحضارية ابتداءً من قلعة سفورزيسكو وكاتدرائية ميلانو ومسرح لاسكالا الشهير، وصولاً إلى مكتبة أمبروزيانا التاريخية التي تحوي بين جنباتها مخطوطات نادرة، كما أنها عاصمة الموضة والتصميم والمعارض إضافة إلى جامعتها المعروفة بالقلب المقدس الكاثوليكية وهي من أكبر الجامعات الخاصة في أوروبا، وتشتهر بشراكاتها الدولية وتعليم أغلب التخصصات العلمية والاجتماعية.
في هذه الجامعة نبتت بذرة المعهد الثقافي العربي بعد عدة نشاطات ومشروعات ثقافية بين الشارقة والجامعة، لتكون من الآن وصاعداً هي حاضنة التبادل الثقافي بين اللغة والأدب والفن والثقافة العربية وبين نظيرتها الإيطالية، وطلابها البالغ عددهم نحو أربعين ألف طالب من بينهم الطلاب الذين يدرسون اللغة العربية وحضارة العرب والمسلمين ويزيد عددهم على ثمانمئة طالب وطالبة.
لهذا كانت ميلانو وكانت جامعتها الاختيار الأول والأنسب لحضور الثقافة العربية وتفاعلها مع ثقافة الآخر، عبر تشييد هذا الجسر المعرفي للتبادل الحضاري، إذ ليس هناك أفضل من الثقافة في تقريب الشعوب والحضارات المختلفة من بعضها بعضاً، وردم فجوات التعصب والتناحر وسوء الفهم، فعدم الوعي بالآخر هو جرثومة الجهل الذي يقود بالتالي ما لا تحمد عقباه بين الشعوب حين يكون التنابذ بديلًا للتقارب، والاحتقار بديلاً للاحترام، والكراهية بديلاً للتعايش.
من هنا نفهم مبادرة سلطان، مبادرة في الاتجاه الصحيح والزمن الصحيح، فما أحوج عالمنا المضطرب اليوم إلى مثل هذه المبادرات التي تبني الجسور بدلاً من هدمها، وسوف يذكر التاريخ دوماً أولئك الذين زرعوا بذور التقارب والمحبة سعياً إلى مستقبل أكثر أمناً وإشراقاً وسلاماً ومنهم سلطان القلب العظيم.