صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
علي عبدالله الأحمد
سفير الإمارات في ألمانيا وفرنسا والمندوب الدائم لدى منظمة اليونيسكو سابقاً، يشغل حالياً منصب الوكيل المساعد للسياسات في وزارة الدفاع
أحدث مقالات علي عبدالله الأحمد
21 مايو 2026
«الجاز».. تحول المعاناة إلى موسيقى

في مدينة نيوأورليانز، حيث وُلدت موسيقى «الجاز»، تتكدس المتاجر بقمصان تحمل عبارة: «هنا وُلد الجاز». وخلال زيارة لهذه المدينة، كان اسم لويس أرمسترونج حاضراً في كل زاوية، من الحديقة التي تحمل اسمه إلى المطار الدولي وتمثاله البرونزي الضخم الذي يقف أمامه الزوار لالتقاط الصور.

وأثناء انتظاري في طابور عشاق «الجاز»، دار حديث عفوي مع أمريكي من أصل ياباني. قال إن ارتباطه بـ «الجاز» لم يكن بسبب عرقه، بل لأنه قرأ عن حياة أرمسترونغ وكفاحه، فأحب تجربته قبل موسيقاه. وأضاف: «الموسيقى لغة عالمية، قد تولد في بيئة معينة، لكنها تصبح إرثًا لكل البشر».

ثم التفت خلفي فإذا برجل أمريكي أسود في السبعين من عمره، جاء من مدينة ديترويت برفقة حفيدته الصغيرة لزيارة نيوأورليانز للمرة الأولى. تحدث عن طفولته في الجنوب الأمريكي، وعن زمن كانت فيه العنصرية جزءاً من الحياة اليومية. قال إن مجرد ولادة الإنسان أسود البشرة كانت تعني أنه أدنى منزلة، كأنه مطالب بقبول قدره دون اعتراض.

كان يتحدث بمرارة صادقة، لكنه لم يكن غاضباً. قال إن «الجاز» لم يكن مجرد موسيقى، بل «صرخة العبيد الأولى من أجل الحرية»، والصوت الذي أعلن أن للسود كرامة وإنسانية. وأضاف بفخر: «نحن السود أوجدنا الجاز عندما كنا عبيداً».

في تلك اللحظة أدركت أن الفن العظيم كثيراً ما يولد من رحم المعاناة، وأن الإبداع قد يتحول إلى أداة مقاومة وهوية ووسيلة اندماج في المجتمع، فـ «الجاز» لم يعد موسيقى تخص السود وحدهم، بل أصبح جزءاً من الوجدان الأمريكي والإنساني، يجتمع حوله الناس من كل الأعراق والخلفيات.

غادرت المكان وأنا أشعر أن تمثال أرمسترونغ لا يخلّد مجرد موسيقي عظيم، بل يخلّد رحلة شعب كامل كافح طويلاً حتى ينتقل من الهامش إلى قلب المشهد الأمريكي، وأن الموسيقى كانت إحدى أجمل وسائل هذا الكفاح وأكثرها إنسانية.

14 مايو 2026
الخباز

قبل عدة سنوات عندما كنت مقيماً في ألمانيا، كانت قهوة الصباح في برلين عادةً ما أتناولها في مخبز بروكهايم الصغير، المملوك للسيد هايلمان، ويعمل معه ابنه يورغن البالغ 20 عاماً، والذي أكمل ثلاث سنوات بين الدراسة والعمل في مخبز والده، وعليه أن يجتاز الامتحان النهائي بشقّيه النظري والعملي، حتى يُمنح لقب «خباز مبتدئ».

وفي ذلك الصباح البارد في برلين وصل «البريد الإلكتروني» حاملاً بشرى نجاح يورغن. شاهدت السيد هايلمان يعانق ابنه قبل أن يقول لنا، وصوته يفيض فخراً:

«زبائني الأعزاء، يسعدني أن أعلن لكم أن ابني يورغن أصبح اليوم خبازاً مبتدئاً! وهذا يجعله الجيل السادس من عائلتي في هذه المهنة».

سألت يورغن: «ماذا درست لتصبح خبازاً؟»، مستغرباً من طول المدة، فأجاب يورغن «الخبز مرتبط بكل الحضارات في أوروبا وكذلك بحضارات أخرى، هنا في ألمانيا، وعلى مدى قرون طويلة، كانت التظاهرات تندلع كلما ارتفع سعر الخبز، حتى أن الممالك الألمانية القديمة أصدرت قوانين تحدد نسبة القمح المستخدمة في صناعة الخبز، لضمان الأمن الغذائي للسكان».

كان السيد هايلمان، الأب، يستمع إلى حديثنا باهتمام، ثم قال:«لدينا نحن معشر الخبازين مقولة شائعة: صناعة الخبز قد لا تجعلك ثرياً، لكنها لن تجعلك فقيراً أبداً».

ما زلت أحاول تخيل المشهد نفسه بين أب وابنه من جنسية خليجية، ولكن بدا الأمر صعب التصور، وربما غالبية الآباء في الخليج لن يقتنعوا بأن الطريق المثالي لمستقبل أبنائهم هو الدراسة والتدريب لمدة تتجاوز 3 سنوات من أجل الحصول على لقب «خباز مبتدئ».

7 مايو 2026
حمر عين.. محبة لا تغيب

سيف حمر عين، بو راشد، يعرفه كل أهالي رأس الخيمة، أما محبّوه فلا حدود لهم، حضوره يمتد كنسمةٍ طيّبة لا تعترف بالمسافات، وذكره يسبق اسمه أينما ذكر الكرم والطيب.

لندن كانت مقرّه لعقود، وشقته في شارع بيكر الشهير حفظت تفاصيل أيامه، وكانت ملتقى الزوار.

لم تكن الدعوات تُرسل، فالغداء عنده ليس مرهوناً بدعوة، الدعوة كانت مفتوحة، كقلب حمر عين نفسه، يدخلها القريب والبعيد، ويخرج منها محمّلاً بحكايات لا تُنسى.

عرف الثراء قبل كثير ممن حوله، لكنه لم يعرف التعالي يوماً، من عرفه أحبه لبساطته، ونقاء سريرته، ورقيّ تعامله مع أصدقائه.

لقاء حمر عين، في لندن ودبي، أو في رأس الخيمة، مسقط رأسه، له نكهة خاصة. الأكل الخليجي والهندي عنده لا يُقارن بأيّ مكان آخر، يختار طهاته بعناية، ويصنع من المائدة تجربة متكاملة، لكن لذة مائدته لا يفوقها إلا لذة معشره، وحديثه الذي لا يمل.

رحل سيف حمر عين منذ ثلاثة أعوام، لكنه لم يفارقنا قط، وفي رمضان نشتاق إليه أكثر. سألته مرة عن سرّ لذة السمبوسة الهندية عنده، فقال مبتسماً: «ذهبت إلى بومبي، وبحثت عن أفضل طباخين للسمبوسة، ثم أحضرت أفضل ثلاثة في الهند، واختبرتهم، واخترت أفضل اثنين، وهذه السمبوسة التي تأكلها من صنعهما». كانت إجابته تختصر فلسفته في الحياة: البحث عن الأفضل، وتقديمه بسخاء.

زرته مرتين في لندن، وفي كل مرة كانت شقته عامرة بالأصدقاء والمشاهير، هناك التقيت لأول مرة بالفنان عبدالحسين عبدالرضا، وكان من بين من يأتون إليه، ويعودون إلى جلسته التي لا تُمل، ودعابته التي لا تهدأ، وابتسامته التي لا تفارق محياه.

مساء لندن عند حمر عين كان مختلفاً عن النهار، مساء مفعماً بالحياة، راقياً في تفاصيله، ولأن أجواءه لا تُنسى، فهي تبقى في الذاكرة، لجمالها، وألقها.

رحم الله سيف حمر عين، باقٍ في قلوبنا دوماً، بإذن الله، رجل عاش كريماً، ورحل تاركاً خلفه ذكريات جميلة ومحبة لا تغيب.

23 أبريل 2026
«لا تجونا بعذر.. كافي»

آخر الكلام

نشر موقع معني بالشأن العراقي مقالاً بعنوان «هانت عليك نفسك»، كتبته امرأة اختارت لنفسها اسم «بغداد» بلا اسم أخير.

خيّم الحزن على مقالة «بغداد» وهي تخاطب العراقيين قائلة: «كلنا منهكون من متاعب الحياة، ولكن لا تهن عليك نفسك، فإن هانت حقرها الناس ولبست ثوب الذلة، ولا تمد يدك فحياء وجهك سيختفي، ولا تمت يدك، فبصماتك جميلة للوطن ومحبيك، وهم بحاجة لك».

نظرة الكاتبة «بغداد» للشباب العراقي سوداوية، إذ تقول: «في العراق ترى الشباب شيوخاً من الهموم والإحباط»، وأرض بلا شباب هي أرض بلا تغيير.

وتعتب «بغداد» على الحسينيات، فأولئك المجندات للحديث من قبل مرجعية أو حزب لا يمكنهن الحديث عن الواقع، أي تناقض أكبر من ذلك. وتقول: «ها هي الحسينيات تضج باليافعات، وترى الأخوات المؤمنات يستخدمن كافة فنون رفع المعنويات، ولكن يصطدمن بواقع مرير»، وعندها تموت أحلامهن.

وماذا عن اليافعين في العراق؟ تقول الكاتبة: «الفتيان اليافعون أكثر ضياعاً، ولي ملاحظة أن مستوى كلام الشباب مبكٍ، فهو لا يملك أدنى حد من الكلمات اللائقة في تعابيره! فكيف سيكونون آباءً لأُسر؟!»

وفي نهاية المقال تتضرع «بغداد» إلى الله قائلة:

«نسأل الله التوفيق، ونسأله ألا نرى الذلة ترهق وجوه العراقيين، فيضمحل الإخلاص في نواياهم».

ولعل أكثر ما يمنح كلمات «بغداد» معناها اليوم أنها لم تكن ترثي جيلاً فقط، بل كانت تلمّح إلى أصل الداء: حين يضعف شعور الإنسان بكرامته، يضعف معه شعور الدولة بسيادتها. فالإحباط الذي وصفته في نفوس الشباب هو الوجه الاجتماعي لعجز أكبر يظهر في مؤسسات الدولة وقدرتها على فرض القانون. وما نراه اليوم من استخدام الأراضي العراقية للاعتداء على الجوار ليس حادثاً منفصلاً، بل نتيجة طبيعية لدولة تراجعت هيبتها حتى بات المواطن يشكو من ضياعه، والجوار يشكو من انفلات حدودها.

دول الخليج سلّمت العراق مذكرات احتجاج بعد إطلاق صواريخ ومسيرات من أراضيه باتجاه دول الخليج العربي، مما يؤكد أن العراق فاقد للسيادة على أراضيه. واعتذار الحكومة وحده لا يكفي إن لم يتم محاكمة الإرهابيين.

على العراق الكشف عن أسماء وصور الإرهابيين ومن أمرهم بإطلاق الصواريخ، ثم تقديمهم لمحاكمة علنية، كما حدث في محاكمة صدام حسين وقيادات حزب البعث، حين أثبتت الدولة قدرتها على فرض القانون عندما تملك القرار.

السيادة لا تعرف منطقة رمادية، إما أن يكون العراق قادراً على فرض سيادته على كامل أراضيه، وإما أن يعترف بأنه فاقد لها، وحينها يكون قد أذعن للفصائل الإرهابية التي تأتمر بأمر طهران وتنطلق من أرضه.

بحجم الشجن في صوت ياس خضر نقول:

لا تجونا بعذر.. كافي

لا نعود ولا نسامح

15 يناير 2026
لا تنسوا هذه الصورة

في عام 2018، وفي سفارة الدولة في برلين، عُرض فيلم وثائقي قديم بالأبيض والأسود ضمن فعاليات «عام زايد». كان المشهد بسيطاً في ظاهره، عميقاً في دلالته: رجل إماراتي يسير حافي القدمين فوق رمال الصحراء، يمسك لجام بعيره، وقد وضع نعاله تحت إبطه.
صورة صامتة، لكنها تقول الكثير. اقترب مني أحد الضيوف الألمان، وقد بدا عليه الفضول، وسأل مبتسماً: «لماذا لا يلبس نعاله؟ يبدو كأنه يستمتع بالمشي على الرمال الناعمة». أجبته بهدوء: «ليست رمالاً ناعمة، بل ملتهبة. ولم يكن ذلك من باب المتعة، بل من ضيق العيش. كان يحتفظ بنعاله حتى لا تبلى».
اتسعت حدقتا عينيه، وصمت لثوانٍ كأن الصورة اكتملت فجأة في ذهنه. ثم قال جملة قصيرة، لكنها بقيت عالقة في الذاكرة: «هذه صورة تجسد كفاحكم... حدّثوا أبناءكم عنها كثيراً».
تلك الجملة لم تكن تعليقاً عابراً، بل كانت تذكيراً بمسؤولية لا تسقط بالتقادم، فاليوم، تقع على كل إماراتي في الخمسين من عمره أو أكثر مهمة أخلاقية ووطنية: أن يشرح للأجيال الجديدة كيف كانت البدايات، وكيف شُيّد هذا الوطن خطوة خطوة، وسط شح الموارد وقسوة الظروف.
شباب الإمارات اليوم هم أغلبية المجتمع، وهم أمله ومستقبله وبهجته، لكنهم لم يعيشوا مرحلة ما قبل الاتحاد، ولا التحول الكبير الذي أعقبه. الحاضر الذي يعيشونه، بما يحمله من رفاه واستقرار وفرص، قد يبدو لهم وكأنه وُجد هكذا منذ البداية، بعيداً كل البعد عن صور الآباء والأجداد التي تحكي عن مدارس قليلة، ومستشفيات محدودة، وطرق ترابية، وإمكانات متواضعة، وحياة تعتمد على الصبر والاحتمال.
ولذلك، لا تخلو رسائل صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وأصحاب السمو الحكام من العودة إلى الماضي: إلى البدايات الصعبة، وإلى بساطة العيش، وإلى التحديات التي واجهها الآباء المؤسسون. ليست هذه الإشارات حنيناً إلى زمن مضى، بل بوصلة أخلاقية تذكّرنا بأن قيمة ما نملكه اليوم لا تُفهم إلا إذا عرفنا ثمنه.
حين نحكي لأبنائنا عن الرجل الذي سار حافياً في الصحراء، لا نروي قصة فقر، بل نزرع معنى. معنى أن هذا الوطن لم يُبنَ بالصدفة، بل بالإرادة والصبر والحكمة، وأن واجبنا اليوم هو أن نحفظ الذاكرة حيّة، حتى تبقى نعم الله علينا مصحوبة بالوعي، والإنجاز مرتبطاً بالتواضع، والمستقبل متصالحاً فخوراً بجذوره.

8 يناير 2026
لا تناسبني الوظيفة؟

عندما عدنا إلى الدولة بعد حصولنا على البكالوريوس من الجامعات الأمريكية، كنا نحمل في أذهاننا صورة مثالية عن البداية المهنية. كنا نظن أن الشهادة وحدها كفيلة بفتح الأبواب، وأن اللغة الإنجليزية بلكنتها الأمريكية ستمنحنا تميزاً تلقائياً. لكن الواقع في «اتصالات» كان غير ذلك. تم توزيعنا على أقسام مختلفة بالشركة التي ابتعثتنا، دون مجاملات أو افتراضات مسبقة، وكأن الرسالة الأولى كانت واضحة: العمل هو المعيار والبداية من الدرجة الأولى في السلم.
في التسعينات، كانت اللغة الإنجليزية الجيدة مدعاة للإعجاب، وربما سبباً لفرص أوسع. لكن في «اتصالات»، لم يكن لذلك وزن إضافي. لم تكن هناك «ريشة فوق رأس» خريجي الجامعات الأجنبية، ولا استثناءات.
بدأت عملي في قسم المبيعات، على كاونتر الطلبات، على بُعد أمتار من الباب. لا مكتب، لا كرسي، بل معاملات يومية لمشتركين يقفون بأوراقهم: طلب هاتف منزلي، أدقق على نسخ جوازات، ملكيات بيوت، وآلة نسخ ضخمة خلفي، وختم أزرق لا تكتمل المعاملة إلا بعدما يدوي صوته على الورق.
لم يكن لهذا العمل صلة مباشرة بما درسته أربع سنوات في الإدارة في الولايات المتحدة، ومع ذلك شعرت بالإنجاز. مع كل ختم، كنت أؤدي دوراً واضحاً، ملموساً، يخدم الناس ويُنجز معاملاتهم. كنت «حارس البوابة» بالمعنى البسيط: أُتمّ الإجراءات، أتحقق من الاكتمال، وأُسهم في سير العمل. تلك اللحظة علمتني أن القيمة لا تأتي من مسمى الوظيفة، بل من أثرها.
عندما نزور دول الجوار، نرى شبابها في المتاجر والفنادق والمطاعم، يتعاملون مع الجمهور بثقة واعتزاز. لا يختبئون خلف مكاتب، ولا ينتظرون ألقاباً إدارية. مشهد مفرح، لأنه يعكس ثقافة ترى في العمل خدمة، لا مرتبة اجتماعية. وهنا يبرز السؤال: كيف نعزز هذه الثقافة بين المواطنين في الإمارات؟
ما زالت النظرة الدونية لبعض المهن قائمة لدى البعض، وقد يصل الأمر إلى الخجل من ذكر المسمى الوظيفي. تغيير هذه الثقافة يبدأ بالاعتراف بأن كل عمل—حكومياً كان أو خاصاً—هو خدمة للوطن. لا توجد وظيفة «لا تليق»، بل توجد فرصة للعمل والمشاركة والبناء. الذي لا يليق بالمواطن حقاً هو البطالة، أو انتظار دورٍ متخيل لا يخدمه ولا يخدم بلده.
العمل شرف، أينما كان، وبأي مسمى. ومن يبدأ من كاونتر اليوم، قد يقود مؤسسة غداً، إذا امتلك القناعة والانضباط واحترام قيمة الجهد.