صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
أحمد العمار
إعلامي اقتصادي
أحدث مقالات أحمد العمار
15 مايو 2026
استثمارٌ يليق بالإمارات وتنتظره سوريا

تقابل دولة الإمارات مؤشرات التعافي، التي ما زال الاقتصاد السوري يظهرها يوماً إثر آخر، منذ قرابة عام ونصف، بانفتاح أوسع نحو قنوات وتدفقات الاستثمار على البلد الشقيق، الذي عاش وعانى طوال 14 عاماً، لاسيما مع تحقيقه فائضاً طفيفاً، لكنه الأول منذ سنوات، في موازنة 2025، ومع تسجيله تباطؤاً معقولاً في التضخم، بالتوازي مع مواصلة استجرار الاستثمارات، وفي مقدمتها الخليجية، فيما بلغ النمو الاقتصادي، العام الفائت 5%، مع توقعات بوصوله إلى أكثر من 10% خلال الأعوام القليلة المقبلة.
عند الحديث عن الاستثمار الإماراتي في سوريا، ثمة أسئلة تقفز- بداهة – إلى الذهن: ماذا عن حجم التبادل التجاري الحالي، وهل الرقم المحقق يرضي طموح البلدين، وما هي سبل الدفع بهذا التبادل إلى آفاق أرحب، ثم أين هي القطاعات الأَولى بالرعاية استثمارياً؟
لعل أهم ما ذكر في هذا الصدد، هو تصريح الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي، وزير التجارة الخارجية، خلال الملتقى السوري الإماراتي الأول الذي عقد في دمشق، يومي 11-12 مايو/ أيار 2026، حيث بيّن أن هذا التبادل وصل إلى 1.4 مليار دولار، خلال العام الفائت (2025)، بنمو 132%، قياساً مع سابقه، أي أكثر من الضعف، ما يعني أن هذا النمو بدأ يخط مساراً صعودياً، إلا أنه مسار هادئ ومتواضع، بالنظر إلى إمكانات وموارد البلدين.. كيف ولماذا؟
يشهد الاقتصاد السوري انتعاشاً ملحوظاً، بعد أن أتت حرب السنوات العجاف على الأخضر واليابس، ما يجعل البلاد متعطشة لاستقطاب استثمارات خارجية، تعيد الإعمار وتنشط الاقتصاد والخدمات، فسوريا اليوم تحتاج الى كل جهد استثماري، مهما صَغُر، بعبارة أدق تحتاج الإبرة كما الطائرة. بالمقابل تبدي الإمارات انفتاحاً كبيراً على التعاون الاقتصادي والتكامل مع شقيقتها سوريا، اعتماداً على فوائض مالية واستثمارية تضخها سبعة صناديق إماراتية سيادية، يتصدرها جهاز أبوظبي للاستثمار (أديا)، الذي يعد بين أكبر الصناديق السيادية حوال العالم، بمحفظة استثمارية تتجاوز 1.12 تريليون دولار (4.11 تريليون درهم)، فضلاً عن استثمارات الرساميل الخاصة.
إماراتياً وسورياً، العمل جارٍ على استكشاف ومباشرة الاستثمار في القطاعات كلها، بيد أن أكثرها أهمية يتركز في: الزراعة، الطاقة، المرافق والبنى التحتية، الصناعات الغذائية، الصحة، النقل، التعليم، التكنولوجيا، والاتصالات، المناطق الحرة وغيرها.
لا شك في أن 2025 كان عاماً مبشراً وحافلاً بالاستثمارات، وعلى منواله سارت الأشهر الأولى من العام الجاري، بحصاد مشاريع وتفاهمات تجاوزات عشرات المليارات من الدولارات، بينها، مشاريع منظورة لشركة «إيجل هيلز» بقيمة 50 مليار دولار، واستثمارات سياحية لمجموعة الحبتور بـ 1.5 مليار دولار، فضلاً عن استثمار موانئ دبي العالمية في ميناء طرطوس بـ 800 مليون دولار، وحصة لموانئ أبوظبي في ميناء اللاذقية بـ 22 مليون دولار، ومشروع لشركة دانة غاز يستهدف تطوير بعض حقول الغاز، إلى جانب مشاريع متوسطة وصغيرة قيد الدراسة أو المباشرة.
يذهب الجانب السوري في العلاقة مع دولة الإمارات إلى أبعد من التدفق المباشر للاستثمارات، وهو ما عبّر عنه وزير الاقتصاد الدكتور نضال الشعار، بأن ما يُمكن بناؤه بين سوريا والإمارات أكبر من مشاريع اقتصادية، «فحين تلتقي الإمارات مع طاقات سورية لا يُصنع مشروع، بل يُبنى مستقبل». لعل هذا الطرح يتوافق مع رغبة سورية طموحة، لبناء اقتصاد حديث تنافسي منفتح على العالم، ومرتكز على تطوير بيئة الاستثمار تنظيمياً وتشريعياً، إلى جانب وجود إطار قانوني واستثماري مرن، يتيح التملك للمستثمر الأجنبي بشكل كامل، دون أن تفرض عليه أية شراكات سورية حكومية أو خاصة.
ثمة مزايا داعمة ومحفزة تقدمها سوريا للجانب الإماراتي، ولكل من يستثمر في البلاد، لعل أبرزها، وفرة وجودة المواد الأولية، للمثال لا للحصر: القطن، المنتجات الزراعية (بشقيها النباتي والحيواني)، النفط، الغاز، الثروات الباطنية (الفوسفات بالدرجة الأولى)، مكامن لإنتاج الطاقات المتجددة الريحية والشمسية، فضلاً عن موقع جغرافي يتوسط ثلاث قارات، ويربط أربعة بحار، وغيرها الكثير من هذه المزايا..
على الضفة الأخرى لهذه المزايا، تأتي مزيّة رأس المال البشري، فالتقديرات تشير إلى أن حجم قوة العمل السورية تتجاوز أربعة ملايين، والسوريون بطبعهم شغوفون بالعمل وتأسيس المشاريع، وهناك ما يشبه العرف التجاري المتوارث عبر الأجيال، ولعل هذا ما يفسر بوضوح، كيف نجح السوريون (المغتربون واللاجئون) في تأسيس المشاريع في جهات المعمورة الأربع.
وبات من المعروف، أن السوريين في دولة الإمارات، والذين يقدر عددهم بنحو 300 ألف، يتصدرون الجنسيات العربية وحتى غير العربية في تأسيس المشاريع والأعمال، إذ توجد في البلاد نحو 40 ألف شركة سورية، وفقاً لما ذكر وزير التجارة الخارجية ثاني الزيودي خلال الملتقى.
وتتركز استثمارات السوريين في دولة الإمارات في قطاعات كثيرة أبرزها، العقار، الضيافة، التجزئة، النقل، الاتصالات، التكنولوجيا، وهم من الجنسيات القليلة التي تخلق فرص عمل تفوق احتياجات الجالية نفسها من هذه الفرص، نتيجة كثرة تأسيس المشاريع، كما أنهم يستحوذون على نحو 40% من سوق المطاعم، التي تقدم الأطعمة العربية، وفقاً لتقديرات أوساط السوق.

*إعلامي اقتصادي

29 يوليو 2025
«موانئ دبي» تمد أشرعتها إلى طرطوس

أحمد العمار*

يمكن وصف دخول «موانئ دبي» (دي بي ورلد) على خط الاستثمار في تطوير وتشغيل ميناء طرطوس (شمال غربي سوريا)، بأنه أكبر من مشروع وأبعد من استثمار، فهو خطوة استراتيجية جسورة ونوعية بين استثمارات ومشاريع الشركة، على كثرتها وتنوعها، لماذا، ولأية دواعٍ وأسباب، وكيف يخدم هذا الاستثمار الضخم البلدين الشقيقين، دولة الإمارات والجمهورية العربية السورية؟
إماراتياً، يضع هذا الاستثمار النوعي المجموعة بقدراتها وشبكتها العالمية المتميزة على شواطئ البحر المتوسط، فميناء طرطوس بوابة بحرية رئيسية، تصل طرق التجارة بين أوروبا وبلاد الشام وشمال إفريقيا، ما يعزز الربط الإقليمي والعالمي، على نحو أوسع وأشمل، استكمالاً لمسارات تجارية موازية، عبر مضيق البوسفور وقناة السويس.
وبالرغم من أن «موانئ دبي» تعمل في أكثر من 75 دولة، وتتعامل موانئها ومحطاتها مع 9.2% من إجمالي حركة الحاويات العالمية، إلا أن الاستثمار في طرطوس، سيكون أول دخول لها إلى البحر المتوسط، وستعمل المجموعة على استكشاف فرص استثمارية، بالتعاون مع شركاء محليين، من شأنها تطوير مناطق حرة ومراكز لوجستية وممرات عبور، ما يدعم التنويع الاقتصادي، ويعزز قطاع النقل البحري، والذي بدوره سيشكل رافعة لقطاعات النقل والشحن والسياحة وغيرها..
سورياً، لا نضيف جديداً، إذا قلنا إن البلاد التي خرجت لتوها من حرب، دامت 14 عاماً، وأجهزت على البنى التحتية والمرافق، هي في أمسّ الحاجة لتطوير ثاني موانئها، خاصة أنها تجد شريكاً استثمارياً بحجم وقدرات «موانئ دبي»، التي تدعم شبكة موانئها العالمية بشراكات فاعلة، تغطي بحار ومحيطات العالم.
وفي موازاة تطوير قطاع النقل البحري في البلاد، تتجه سوريا لدخول مرحلة تعافٍ اقتصادية وتنموية، تستدعي زيادة الإنتاج للكفاية المحلية، ومن ثم الانتقال إلى التصدير، ما يزيد الحاجة لموانئ قادرة على شحن واستقبال الحاويات المختلفة، فضلاً عن إمكانية استقبال سفن بحمولة كبيرة، وهو ما لا يوفره ميناء طرطوس حالياً، ومن الطبيعي أن تقود هذه النقلة التطويرية إلى رفع معدلات التشغيل، وخلق فرص عمل كبيرة رأسياً وأفقياً.
يعتمد هذا المشروع، الذي يستثمر 800 مليون دولار، نموذج «BOT» (البناء والتشغيل والتحويل أو الإعادة)، وهو مملوك بالكامل للمجموعة، وسيعمل على حزمة تحديثات شاملة، تضم تطوير بنية تحتية جديدة ومتطورة، وتوريد معدات حديثة لمناولة البضائع، إضافة إلى دمج أنظمة رقمية متقدمة، وتهدف هذه التحسينات إلى تعزيز الكفاءة التشغيلية في كل من محطات الحاويات والبضائع العامة داخل الميناء.
ستكون عملية إعادة تطوير الميناء شاملة، بحيث يصبح قادراً على التعامل مع أنواع متعددة من الشحنات، بما في ذلك البضائع العامة والحاويات والبضائع السائبة، وحركة البضائع المدحرجة، وصولاً إلى تطوير مناطق حرة ومراكز لوجستية وممرات عبور استراتيجية.
تجدر الإشارة إلى أن الساحل السوري على البحر المتوسط صغير نسبياً، ويمتد بطول 180 كم، وعليه ميناءان رئيسان، اللاذقية وطرطوس، وتأسس الثاني في ستينيات القرن الفائت، حيث صُمم وفق أحدث المعايير آنذاك، ويضم 22 رصيفاً بمساحة إجمالية تقارب ثلاثة ملايين متر مربع، ويعد قاعدة رئيسية للبحرية السورية، ويستقبل ملايين الأطنان من البضائع سنوياً.
وبطبيعة الحال، سيخدم ميناء طرطوس، إلى جانب ميناء اللاذقية، حركة الصادرات والواردات، التي تتخطى خدمة الاقتصاد السوري، إلى خدمة اقتصادات المنطقة وتكاملها، خاصة مع عودة تدفق البضائع وحركة الشحن، عبر سورية، بين الأردن ودول الخليج العربي من جهة، وتركيا ولبنان وأوروبا من جهة أخرى، وهذا بدوره سيزيد الطلب على الاستثمار في المرافق والبنى التحتية، لا سيما تعزيز وتطوير شبكة الطرق البرية، التي تربط دول الإقليم.
ونرى أن هذا المشروع، إلى جانب ما تعمل عليه سوريا من مشاريع تخدم قطاع النقل البحري، هي عامل محفز لدخولها عصر «الاقتصاد الأزرق»، والذي يعني الاستخدام المستدام لموارد البحار خدمة للنمو الاقتصادي، والتوسع في التشغيل وخلق فرص عمل، مع الحفاظ على حماية البيئة البحرية.
إضاءة
كانت السواحل السورية، عبر التاريخ، نشطة ومؤثرة في تجارة العالم القديم (آسيا، أوروبا، إفريقيا)، حتى أن الحوض الشرقي للبحر المتوسط عُرف تاريخياً بالبحر السوري أو البحر الشامي أو شرق البحر المتوسط، حيث لعب دوراً مهماً في التجارة والنقل والحروب، وتمازج الحضارات التي تمر عبر المنطقة العربية أو استقرت فيها.
*إعلامي اقتصادي
[email protected]

10 يوليو 2025
صانعو التكنولوجيا.. صائدو التريليونات..!

أحمد العمار*

في الخبر: دشّنت شركة «إنفيديا»، صانعة التكنولوجيا الأمريكية العملاقة، نادياً جديداً لعمالقة الثروة غير المسبوقين عبر التاريخ، لا بل وأغلقت باب هذا النادي الحصري عليها دون غيرها.. نعم، لقد قفز سهم الشركة، خلال تعاملات الأربعاء 9 يوليو/ تموز 2025 إلى مستوى 164 دولاراً، لتتجاوز قيمتها السوقية حاجز الأربعة تريليونات دولار، ولتكون بذلك الشركة أو الجهة الأولى في تاريخ البشرية، التي تحوز ثروة كهذه..!
في التعليق: كسرت «إنفيديا»، ومعها صناع وعمالقة التكنولوجيا السبعة، كل قيد.. تخطت كل حاجز.. جعلت المستغرب مألوفاً وملموساً. هكذا، بتنا نتساءل: ماذا لو استيقظ، ذات صباح، منظرو الاقتصاد ومفكروه، ما الذي كانوا سيقولونه عن شركة قيمتها السوقية أربعة تريليونات دولار، كيف كان سيرد جون كينز، وكيف سيحلل الموقف ديفيد ريكاردو، وهل سيطلب آدم سميث من الناس متابعة قراءة كتابه الشهير «ثروة الأمم» أم سيقول لهم: كفوا عن ذلك، بل كيف ينظر فيليب كوتلر، الأب الروحي للتسويق الحديث، إلى شركة سوّقت نفسها، بشكل مذهل، لتصل إلى سيادة شركات العالم في ثلاثة عقود فقط؟!
بداية القصة: تأسست «إنفيديا»، التي تتخذ من كاليفورنيا مقراً لها، عام 1993، ونمت على نحو مذهل، لتصبح رائدة تصميم وتطوير ومعالجة الرسومات (GPUs)، وأنظمة الرقائق (SOCs)، وتتحرك بشكل رئيسي في قطاعات الذكاء الاصطناعي والألعاب الإلكترونية والسيارات الذكية وغيرها.. أُدرج سهم الشركة في البورصة، عام 1999، بقيمة 12 دولاراً، ويوصف هذا السهم اليوم بأنه «للشراء لا للبيع».
غابة الأرقام: اربطوا الأحزمة، واستعدوا لجولة في غابة أرقام ومؤشرات، قد تبدو طبيعية للبعض، ومزعجة للبعض الآخر، لكنها بالتأكيد صادمة ومذهلة لأغلبنا. كيف؟ يطلق على «إنفيديا» وست شركات أخرى عاملة في التكنولوجيا- جميعها أمريكية - «العمالقة السبعة»، وهم وفقاً للقيمة السوقية بالتريليون دولار: «إنفيديا» 4، «مايكروسوفت» 3.7، «أبل» 3.12، «أمازون» 2.35، «جوجل» 2.16، «ميتا» 1.8، إضافة ل «تيسلا» 950 ملياراً. 
لماذا نصف تلك الأرقام بالمذهلة؟ نعتقد أن المقارنات التالية تتكفل بالإجابة: إجمالي القيمة السوقية لهؤلاء العمالقة 18.1 تريليون دولار، تشكل 62% من الناتج الإجمالي الأمريكي (GDP)، الأعلى عالمياً والبالغ 29 تريليوناً، وبهذا يقود صانعو التكنولوجيا اقتصاد أمريكا، التي تقود بدورها اقتصادات العالم، علماً بأن ناتج الصين 18.8 تريليون، وجارتها الصفراء (اليابان) 4.2 تريليون دولار.
وماذا عن أقوى خمسة اقتصادات في القارة الشقراء؟ الجواب غير سار للأوروبيين، فقيمة «إنفيديا» تفوق أربعة منها، إذ إن نواتج هذه الاقتصادات بالتريليون هي: ألمانيا 4.7، بريطانيا 3.8، فرنسا 3.2، إيطاليا 2.4، وأخيراً روسيا 2.2 تريليون دولار. فيما تشكل قيمة «إنفيديا» ضعف ناتج القارة السمراء (إفريقيا)، والبالغ تريليوني دولار، علماً بأن عدد سكانها قريب من 1.5 مليار نسمة.
لم يثر اهتمام الاقتصاديين والمحللين وصول «إنفيديا» إلى هذه القمة الجديدة، بالرغم من أهميته، ولكن القفزات الهائلة التي حققتها الشركة في وقت قصير هي ما أثار الاهتمام بالدرجة الأولى، فقيمتها وصلت إلى تريليون دولار، لأول مرة في يونيو/ حزيران 2023، ثم تضاعفت بحدود ثلاث مرات، في أقل من عام، متجاوزة مسار النمو ل «أبل» و«مايكروسوفت»، وهما شركتان تجاوزتا ال 3 تريليونات دولار.
أرقام ومسارات غير مسبوقة تاريخياً، تخطتها وتحركت ضمنها تلك الشركة العملاقة، لك أن تتصور مثلاً، أن قيمتها باتت تفوق القيمة الإجمالية للشركات المدرجة في البورصة البريطانية، أو القيمة الإجمالية لسوقي الأسهم في كندا والمكسيك معاً..؟!
هكذا، باتت هذه الشركة ومعها شقيقاتها العاملات في التكنولوجية، تصميماً وتنفيذاً وتطويراً، الأكثر سطوة في النفوذ والتأثير، حول العالم، ليس في مجالها وحسب، بل وفي احتكارها لثورة البيانات، وتأثيرها في سلوك مليارات المستخدمين، وتشكيل ملامح الاقتصاد العالمي، وإعادة رسم وتشكيل الاتجاهات الاستهلاكية، عبر منتجات وخدمات تغير أنماط الاستهلاك، فكل مواطن عالمي يستنشق معنا في هذه اللحظة هواء المعمورة، ويشرب ماءها، عليه أن يدفع- راغباً أو مكرهاً- لأحد العمالقة السبعة.
إضاءة:
«قيل ذات يوم، إنما سُمّي المال مالاً، لأنه يميل بصاحبه، لكن ثروات اليوم، لم تكتفِ بالميلان، بل أخذتنا إلى اللامألوف واللامتناهي، من حيث ندري ولا ندري..!»
[email protected]

6 يوليو 2025
جلسة تعارف مع «عايدة»..!

أحمد العمار*

تكاد تتفق الجهود التسويقية والإعلانية والترويجية كلها على هدف بيعي واحد، نبسّطه في الآتي: كيف لنا أن ندفع بعميلنا العزيز من بيته.. مكتبه.. غرفة نومه.. إلى متاجرنا، ليتخذ قراره الشرائي، ويطلب منتجاتنا وخدماتنا، لا بل كيف نستديم هذا الطلب لديه؟ وهو ما يعرف، تسويقياً، بالولاء للعلامة التجارية، أي حالة التفضيل المطلقة، والتي تعني شراءً، دونما تردد أو مفاضلة مع منتجات أخرى.
هنا، يستدعي المسوقون وصانعو الرسالة الإعلانية «السيدة عايدة» للمساعدة، والتي تلعب دور المنقذة والموجهة لسلوك المستهلك، ولكن من هي «عايدة» يا تُرى؟!
بالتأكيد، هي ليست اسماً لنجمة سينمائية مشهورة، أو قارئة فنجان أكثر شهرة، كما أنها ليست بنت الجيران، أو زميلة العمل..!
إن اسم هذه الفتاة (الافتراضية)، هو الأقرب في اللغة العربية لتعبير (AIDA)، والذي يتفق عليه مخططو ودارسو التسويق والإعلان. إنه يلخص الأهداف النفسية للرسالة الإعلانية، بجمع الأحرف الأولى من هذه الأهداف.
والبداية من هدف جذب الانتباه أو الصدمة الحسية والإدراكية (Attention)، ثم إثارة الاهتمام أو الصدمة النفسية الوجدانية (Interest)، فاستثارة الرغبة (Desire)، وأخيراً الاستجابة أو الفعل (Action)، والتي تعني نجاح الرسالة في جذب المستهلك أو العميل لطلب السلعة أو الخدمة.
لذا، نجد كيف تتبارى المتاجر ومنافذ البيع لكسب انتباه المتسوقين والمارة في الشارع، وحتى يكون هذا الجذب مفيداً ومجدياً، يجب ألا يزيد على خمس ثوانٍ، وهنا يجري العمل بدقة واحترافية، عبر الشعارات والعبارات والمزايا البيعية والترويجية، فضلاً عن الألوان وتغذية الرؤية البصرية والاتصالية، بما يروي فضول الزبون، ويدفع به إلى الخطوة التالية.. وإذا كانت هذه الأهداف هي الأكثر شيوعاً، فإن هناك من يزيد عليها هدف الإقناع، بالنظر لكون الرسالة، هي وقبل كل شيء، جهداً إقناعياً، عبر تثبيت وتدعيم الأفكار الإعلانية، فترسيخ الفكرة في ذهن المتلقي لا يقل، بحال من الأحوال، عن اقتناعه بها ووصولها إليه، فهي بوابة إثارة الحواس والرغبات، خاصة إذا ما نظرنا إلى الحملة الناجحة على أنها جهد يؤسس لقاعدة متينة، سترتكز عليها حملات ونجاحات مقبلة.
وحسب خبراء النفس والاجتماع، فإن سلوك المستهلك ما هو إلا محصلة لعدد من العوامل الشخصية من حيث كون الفرد مندفعاً.. متريثاً.. شجاعاً.. جباناً.. معتمداً على نفسه أو على غيره، أما العوامل الأخرى، فقد تكون اقتصادية مرتبطة بقوة الفرد الشرائية، أو اجتماعية متعلقة بتأثير الأفراد والجماعات في سلوك هذا الفرد، أو تسويقية ناجمة عن أنشطة الترويج والمبيعات الموجهة من قبل الشركات والمؤسسات.
ولمقاربة فهم تأثير هذه العوامل، دعنا نفترض أن شخصاً اشترى مركبة من أحد معارض السيارات، وصادف وجود خمسة خبراء هناك، وهم مختصون في علوم الاقتصاد والسلوك والاجتماع والأجناس والتسويق، وسيعتمد هؤلاء على طريقة الملاحظة المباشرة، لمعرفة أسباب ودوافع الشراء. لنرَ كيف حلل كل من هؤلاء الموقف..
انصب رأي الاقتصادي على أن المشتري يحظى بدخل عالٍ، أمكنه من تغيير سيارته القديمة وشراء أخرى جديدة، وأن قراره جاء بعد تفحص قوته الشرائية، ونتيجة لسياسة ادخارية أو اقتراضية طويلة أو قصيرة الأجل، فضلاً عن مهارة مندوب المبيعات، الذي منحه خصماً مغرياً على تلك السيارة، وبيّن له المنافع وحجم التوفير وسهولة التقسيط، وضمانات وخدمات ما بعد البيع.. واختلف رأي السلوكي مع الاقتصادي، مبرراً ذلك بشراء سيارة من نوع وطراز محددين، وإلى ميل الفرد لتكوين انطباعات محددة عن نفسه، فقد يرى ذاته بأنه ذكي، أو محل إعجاب الآخرين، أو خفيف الظل.. إلخ، وإذا ما كوّن هذا الشخص انطباعاً ما عن نفسه تجاه الآخرين، فإن من شأن ذلك أن يحدد ويؤثر في قراره الشرائي، الذي هو شخصي- اجتماعي بالدرجة الأولى، كما يراه السلوكيون..
وللاجتماعي رأي مختلف، حيث عدّ أن للأشخاص المحيطين تأثيراً كبيراً في سلوك المستهلك، لذا فإن قرار الشراء، قد يكون حاصل تأثير بعض أو كل من الزوجة.. الأم.. العائلة.. الأصدقاء.. زملاء العمل، البيئة المحيطة، فضلاً عن أن حجم العائلة يلعب دوراً في تحديد شكل السيارة وحجمها، دون أن نحيّد الجوانب المتعلقة بطراز السيارة ونوعها والغرض منها (شبابية، رياضية، جبلية، ..)، كذلك جانب الموضة والاتجاه السائد في تفضيلات الشكل واللون وغيره..
ولخبير الأجناس رأي متقارب مع الاجتماعي، حيث يعتقد أن تنشئة الفرد في بيئة متنعمة أو خشنة.. مبذّرة أو مقتصدة، يؤثر في تصرفاته وتحديد احتياجاته، فالفرد ابن بيئته سلوكياً وتسويقياً أيضاً، وهي تصنع قراراته وتوجهها، دون أن يدري..
وأنهى خبير التسويق هذه المناقشة، مبيناً أن الآراء السابقة جميعاً لا سند واقعياً لها، فلو لم يُقنع مندوب المبيعات هذا الزبون، ويعلن المعرض وجود هذا النوع من السيارات، ويقدم الحسومات والحوافز المشجعة، لما اشترى هذه السيارة، فمحرك الشراء هو تسويقي- إعلاني بالدرجة الأولى.
من وجهة نظرنا: لا نستطيع أن نقلل من شأن أي من تلك الآراء، لأن كلاً من هؤلاء الخبراء، أدلى بدلوه وفقاً لاختصاصه واهتمامه، ما يعني أن قرار الشراء معقد ومركب، ويحتاج فهماً لآلية نشوئه بكل تشعباته وتناقضاته، لاسيما لحظة تغير مسار الزبون ودخوله إلى المتجر، وهذا يدفعنا إلى ما بدأنا به (ضرورة التعرف إلى عايدة)، فهي الأكثر خبرة ودراية منا جميعاً..!
إضاءة:
«تتبدل المواقف بتبدل المواقع، لكن قلما تكون مواقفنا وليدة اللحظة..!».
*إعلامي اقتصادي
[email protected]

29 يونيو 2025
تغليف يحمي ويحفظ ويسوّق

أحمد العمار*

تخطى التطور المذهل لتقنيات واستخدامات التعبئة والتغليف، تلك القاعدة الشهيرة، التي لطالما روّج لها خبراء التسويق والإعلان (العبوة تحمي وتحفظ وتسوّق)، وإذا كان المقصود بالحماية الوقاية من الكسر والتلف، وبالحفظ ضمان سلامة وصول السلعة إلى المستهلك سليمة، ضمن الشروط والمواصفات الفنية والصحية المطلوبة، فإن الدور التسويقي- الترويجي لتلك العبوة، أصبح معقداً ومتشابكاً، على نحو يصعب ضبطه وتتبعه، فماذا عن هذا الدور.. أبعاده.. خصوصياته.. فلسفة الشركات تجاه مستحدثاته؟
بداية، من الأهمية بمكان أن يضع قادة الأعمال نصب أعينهم، أن تكاليف التعبئة والتغليف ليست مجرد نفقات وترف، بل هي استثمار استراتيجي ذو عائد مجدٍ وقابل للقياس، وما يدعم هذا التوجه، تلك التكلفة التي على الشركات تحملها، عبر مخصصات إدارة وأقسام التعبئة والتغليف لديها، لاسيما أن هذه التكلفة باتت تتراوح بين 10- 40% من سعر بيع السلعة عبر منافذ التجزئة، ما يعني أن أموالاً تنفق، ولا بد أن تأتي بعوائد.
ومن الطبيعي أن تكون هذه التكلفة محكومة بمعايير كثيرة أبرزها، حجم المنتج (كبير، صغير، ..)، نوع التغليف (زجاجات، أكياس، ..)، فئة المنتج (فاخرة، استهلاكية، ..)، كمية الطلب (خفض التكاليف بناء على عدد الوحدات المنتجة)، إضافة لغيرها من المعايير، التي قد تتطلب تعبئة وتغليفاً خاصين، مثل بعض طرود الشحن واللوجستيات.
يفرض القطاع الذي تعمل ضمنه الشركة عبوات وأغلفة محددة ومتشابهة، كونها أحد متطلبات واشتراطات هذه الصناعة أو تلك، فمثلاً تراعي عبوات منتجات الأغذية والمشروبات، الجوانب الصحية واستدامة البيئة والجذب البصري، عبر التناغم اللوني وقيادة حركة العين والانسجام مع الهُويّة البصرية للشركة، فيما تراعي عبوات الأجهزة الكهربائية والإلكترونيات، حشد أكبر قدر ممكن من المواصفات الفنية وطرق وأدلة الاستخدام، فضلاً عن صلابة العبوة لحماية الأجهزة من الكسر، أما عبوات العطور والهدايا الثمينة، فتركز على جمالية وجاذبية التصميم، مع مراعاة خطوط وصيحات الموضة والفنون، وهكذا تفرض الصناعة تصاميم تنبع من الخصوصية وطبيعة الاستخدام.
ولعل تعاظم الدور التسويقي الاستراتيجي للتعبئة، خلال العقود الأخيرة، دفع بعض المنتجين لإحداث أقسام تتولى مهام تخطيط سياسة تغليف المنتجات، والوقوف على مستجدات الصناعة، وتنفيذ بحوث ودراسات تستقصي رأي العملاء والمستهلكين، حول عبوات الشركة ودواعي تطويرها.
حقيقة يجب إدراكها: كل تعديل لعبوة أو غلاف منتج ما، لا بد أن يكون متبوعاً بتغيير إدراك العملاء والمستهلكين لها، جذباً أو نفوراً أو تشويشاً، علماً بأنه من الطبيعي ارتفاع الطلب على هذه السلعة أو تلك، جراء تغيير أو تطوير العبوة أو أحد ملامحها، ومن المتبع عادة أن طرح صنف جديد في الأسواق، يُقابل بعبوات جديدة، تنسجم وتتجانس مع الحملات الإعلانية والتسويقية، التي ترافق المنتج أو الصنف الجديد. يظهر هذا الأمر جلياً في طرح منتجات العطور والمشروبات والأغذية.
بصرف النظر عن شكل وهُويّة العبوة، فإنها لا مناص ستحقق الوظائف العامة لها مثل، سهولة الاستخدام، خفة الوزن وسهولة الحمل والنقل، حماية السلعة من العوامل الخارجية المتعلقة بالكسر والتلف والمناخ، تقديم المعلومات والبيانات، التي تُعرّف المستهلك بطبيعة السلعة والمكونات والصلاحية وبلد المنشأ وغيرها، وهي بطيعة الحال تدعم موقف الشركة ووكلائها في السوق، كونها تخلق وتعيد الطلب.
ثمة اشتراط أراه مهماً واستراتيجياً وحاكماً لثقافة التعبئة والتغليف، وهو مراعاة خصائص وثقافة ومعتقدات المجتمعات، التي تستهدف الشركة أسواقها، فمن غير المقبول أو اللائق مثلاً، أن تحتوي العبوة على صور أو رموز أو عبارات، تحمل دلالة مسيئة لثقافة مجتمع حاضن لمنتجات تلك الشركة، ومصدر لاستثماراتها وإيراداتها.. ولعل الجزئية الأخيرة، هي التي تدفع الشركات العالمية، خاصة تلك العابرة للحدود أو الجنسيات (Multinational companies)، والتي تنتج سلعاً تبدأ بالولّاعة، وقد تنتهي بالصناعة الفضائية، مروراً بالسيارات والأجهزة والمعدات المختلفة، وتتعامل مع عدد هائل من الثقافات المحلية حول العالم، إلى إنتاج نسخ مختلفة من حملاتها الإعلانية والتسويقية، فهناك إعلان للسوق الأمريكية، وآخر للآسيوية، وثالث للشرق أوسطية، وهكذا..
عموماً، لا حدود تطويرية تحكم إنتاج وسائل التعبئة والتغليف، فالتطور التقني المتسارع، يتناسب طردياً مع إنتاج عبوات تراعي معايير الأداء والجودة، بالتوازي مع الاحترافية والابتكار ومستجدات الصناعة والتقدم البشري المتلاحق والمتلاطم، فمنذ عقود قليلة مثلاً، لم تكن بيانات الإنترنت والبريد الإلكتروني وال «باركود» ونظام الجودة ال «آيزو» وغيرها موجودة على العبوات، واليوم بتنا نضع ذلك كله، إلى جانب حسابات الشركة على وسائل التواصل، ومراعاة الاشتراطات المتعلقة بالاستدامة والصحة والسلامة وغيرها، ولا نعلم ما الذي تحمله لنا ثورات التقدم والتقانة ورياح الذكاء الاصطناعي من جديد..!
يبقى أن نقول: أدى تعاظم الوعي الاستهلاكي، ودور جمعيات حماية المستهلك، حول العالم، إلى وضع محددات معينة لطبيعة العبوة، بالنظر إلى الدور الذي تؤديه تلك الجمعيات لحماية المستهلكين والفئات غير الراشدة، من الأطفال والقصر وذوي الاحتياجات الخاصة وغيرهم، فضلاً عن الحماية من الاستغلال أو الغش أو التغرير.
* إعلامي اقتصادي

24 يونيو 2025
هل بات بعض التسويق تسويفاً..؟!!

أحمد العمار*

يُشار إلى التسويق بتلك العمليات والجهود، التي تستهدف ترويج وبيع المنتجات أو الخدمات أو الأفكار، فيما يراد بالتسويف، من هذه الزاوية تحديداً، ذاك التأخير أو التأجيل أو المماطلة بتسليم أو تحقيق وعد بيعي أو تعهد ما، قطعته المؤسسة على نفسها، تجاه عملائها وزبائنها والذي من الطبيعي أن يتحول النكوث إلى تضليل ووعود كاذبة.
ما مناسبة هذا الطرح، ولماذا الربط بين التسويق والتسويف وهل تتعمد بعض الجهات التي تمارس التسوق مباشرة أو عبر وكيل اللجوء للتسويف كسباً للوقت، فضلاً عن المال؟!
بداية، لا يستطيع متصفح وسائل التواصل الاجتماعي، كائناً مَن كان، إغماض عينيه عن ذاك الكم الهائل والسيل الجارف من المواد الإعلانية والترويجية، التي تلاحقه مع كل نقرة وتصفح وهي مع ما تحمله من أوهام كثيرة وحقائق قليلة، فإنها لا بد وأن تترك ندوبها على ذاكرته وأن تثير اهتمامه ورغباته، دفعاً للفضول والتجربة، التي قد تأتي بالصدمة.. شراء الوهم وتبخر الوعود و..
للموضوعية والأمانة، فإن الوعود المضللة والكاذبة، لدى الباعة، ليست مستحدَثة أو طارئة، بل قديمة قِدم التعاملات البشرية نفسها، فهذه الوعود في التسويق، هي تصريحات مضللة أو خادعة تصدر عن الشركات أو المسوقين، حول منتج أو خدمة أو فكرة ويمكن أن تتخذ أشكالاً مختلفة، مثل المبالغة في فوائد المنتج، أو الإيهام بأسعار ليست حقيقية، أو استخدام شهادات مزيفة.
ولعل من نافلة القول، أن هذه الممارسات تضر بسمعة العلامة التجارية وتؤدي إلى فقدان ثقة العملاء والزبائن بها وقد تجر عليها عواقب مادية واجتماعية وقانونية أيضاً، فضلاً عن الإضرار بمصالح المشتري وربما المجتمع بالعموم..
تتفاوت دواعي الوعود غير الصادقة تسويقياً، لكنها تتمحور حول أهداف رئيسة أبرزها، زيادة المبيعات وتعظيم الأرباح والاعتقاد بإمكانية تحقيق أهداف قصيرة الأمد ومن ثم الانتقال إلى أهداف أبعد وأوسع وغالباً ما يرتبط هذان الهدفان بضعف العلامة التجارية ورداءة المنتجات وعيوب إنتاجية وتصنيعية وأخرى تتعلق ببلد المنشأ.وتشير التقديرات عالمياً إلى تكبد الشركات، التي تمارس هذا النوع من التسويق، خسائر فادحة تتراوح بين تراجع المبيعات ونقص الإيرادات والإغلاق الكلي أو الجزئي (فروع ومنافذ بيع) للمؤسسة وبالتالي تسريح الموارد البشرية وتزايد معدلات التعطل عن العمل وفوضى القطاع الذي تتحرك فيه تلك المؤسسة، التي حتى وإن بقيت قائمة، إلا أنها لن تستطيع كسب قاعدة متعاملين، جراء تراجع معدلات الرضا عن أدائها، فوفقاً لإحدى الدراسات، تزيد معدلات الاحتفاظ بالعملاء 5%، عند نمو معدل رضا هؤلاء 1%.
من اللافت، أن التضليل التسويقي -إن جاز التعبير- ليس حصرياً بالشركات الصغيرة والمتوسطة، بل قد تلجأ إليه -مع الأسف- أخرى كبيرة ومعروفة ومن الأمثلة على ذلك، ما قامت به إحدى علامات السيارات الألمانية الكبيرة، عام 2015، عندما ثبتت برنامجاً في سياراتها التي تعمل بالديزل، للغش في اختبارات الانبعاثات وتسويق هذه السيارات على أنها صديقة للبيئة. كما واجهت إحدى شركات الطاقة المعروفة عالمياً دعوى قضائية، جراء الترويج لشعار (Slogan) منتجها، الذي يداعب رغبة المستهلك بالحصول على القوة والنشاط، حيث كان يشير إلى أن تناول المشروب يمنح المستهلك أجنحة للطيران، قبل أن تبرر الشركة موقفها، بأن عبارة الشعار كانت مجازية لا حَرفية..
ويبدو التسويق الذي يمارسه أفراد لا ينتمون لشركات كبيرة ومعروفة، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خَطِراً ومنفلتاً من كل عقال، إذ لا مرجعية ولا موثوقية هنا، خذ مثلاً، منتجات التخسيس ومفعولها «السحري» لفقدان الوزن، دون الحاجة للرياضة أو تغيير نمط الحياة، كذلك منتجات التجميل التي تزيل التجاعيد وتعيد الصبا والشباب، تحت لافتة عريضة (وداعا للشيخوخة)، ثم الأكثر إضحاكاً ومرحاً، ذاك الإعلان الذي تتبناه شركة «المارد والقمقم والمصباح»، العاملة في إنتاج وتسويق الشعوذة -اسم الشركة وهمي على سبيل التندر لا أكثر- ولعل أطرف ما جاء في الإعلان (رد الحبيب خلال 24 ساعة مع الضمان) وهنا تدخل الشعوذة على خط الخدمات اللوجستية والتوصيل «ديلفري»؟!!
أما وقد دخلنا عصر الذكاء الاصطناعي، فإن الباب أمسى مفتوحاً على مصراعيه، لجهة استخدام تقنيات التزييف العميق، لإنتاج مقاطع مرئية ومسموعة تحاكي (افتراضياً) أشخاصاً، يستخدمون منتجات وخدمات هذه الشركة أو تلك، ما يوقع المستهلكين في حيرة وذهول اتخاذ القرار الشرائي والذي سيكتشفون لاحقاً بأنه قرار مضلل وغير رشيد..
وليس بعيدة عن ذلك، عمليات التصيد الاحتيالي، وتهديدات الأمن السيبراني، وخداع رسائل البريد الإلكتروني والحملات المضللة بدوافع خلق قرار شرائي، أو ربما التلاعب بالرأي العام، للتأثير عليه سلوكياً وشرائياً.
حقيقة، رفيع وواهٍ جداً، ذلك الخيط الفاصل بين الإقناع والخداع.. بين الحقيقة والتزييف.. بين تقديم المنافع وحصاد العوائد، ويفاقم المشكلة خداع رقمي، تخطى الواقع وقفز فوق الجغرافيا، عابراً للزمان والمكان..!
* إعلامي اقتصادي