طارق قاقيش *
لم يتوقع أحد أنه بعد عامين على ما سببته الجائحة من إغلاقات أن ينتعش سوق العقارات ليخالف جميع التوقعات، إذ يرى الكثيرون أن الجائحة قد غيرت سوق العقارات للأبد. إذاً، ماذا حدث؟
لو وضعنا دولة الإمارات العربية المتحدة والدول المجاورة الأخرى مثل المملكة العربية السعودية موضع السؤال، يمكننا القول إن الإجابة سهلة وبسيطة، لكن دعونا الآن نبدأ بالصورة الشاملة عن طريق النظر إلى هذا الوضع عالمياً. هناك عوامل واضحة أدت إلى زيادة في أسعار العقارات بعد حالة التعافي في القطاع التي اتخذت شكل حرف «V» في معظم الاقتصادات وبالأخص الولايات المتحدة الأمريكية. وقد أحدثت أسعار الفائدة على العقارات التي تراوحت بين الانخفاض والسلبية في الأساس زيادة هائلة في أسعار الموجودات عالمياً، والعقارات ليست استثناء.
كان المستثمرون فاعلين في الاستحواذ على الأصول في مواقع لها قيمة طويلة الأمد وتستفيد من بيئة انخفاض أسعار الفائدة، فكلما قل معدل الفائدة (معدل الرهن العقاري)، زادت توقعاتنا باستمرار الطلب. بالإضافة إلى ذلك، يبقى هناك طلب على الأصول العقارية في الاقتصادات السريعة والمؤثرة حيث يكون التضخم مصدر قلق. تعتبر العقارات أصولاً تحمي المستثمرين من التضخم، وفي بعض الحالات حماية ضد مخاطر تذبذب العملة، كما توفر تلك الاصول تنوعاً كونها أظهرت صموداً قوياً خلال فترة الركود الاقتصادي.
علاوة على ذلك، فإن اختلال التوازن بين العرض والطلب الذي سببه التعافي الاقتصادي السريع وتحدي سلسلة التوريد الناتج عن كوفيد 19، أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار المواد الخام. كما أنه دفع إلى التأخير في تسليم مشاريع قائمة وسبب نقصاً في العرض. نتيجة لذلك، فإن تكلفة استبدال بناء منزل جديد أصبح أعلى من قبل، ما ساهم في زيادة أسعار الأصول. وهناك عامل أساسي آخر أثر في أسعار الأصول ألا وهو توفر السيولة الضخمة، فالحوافز الحكومية وطباعة الاحتياطي الفيدرالي للنقود والأوراق المالية لم تؤدِ إلى استقرار الأسواق فحسب، بل فاقمت من حجم أسعار الأصول عالمياً عندما وصل التضخم عنان السماء.
على الرغم من أن إرشادات العمل من المنزل قد تركت آثاراً كبيرة على العقار التجاري، فإن دعم الحكومة للمستأجرين والمالكين قد ساهم في تقليل مخاطر عدم السداد وعكس مسار أسعار الأوراق المالية وتحويل وجهتها إلى الأعلى، ما أضفى شعوراً بالراحة على المستثمرين عند ازدياد طلبهم على العقارات، كما أنه خفف من مخاوف البيع.
ما اعتقدناه قد حصل بعد ذلك وهو أن عقلية القطيع سادت في السوق. وببساطة اتبع المستثمرون ما فعله غيرهم أكثر من اعتمادهم على تحليلهم الذاتي. وكمثال أولي على أثر غريزة القطيع الفقاعة الالكترونية التي حدثت أواخر التسعينات وبداية 2000.
وثمة تحول كبير يمكن أن يؤثر في رؤية المجال العقاري على المدى الطويل، لكنه سيحقق القليل من التأثير بأن لدى الأجيال الشابة عقلية مختلفة تجاه الاستثمار في العقارات. الجيل القادم أكثر اهتماماً بالتقنية والذكاء الاصطناعي. مع ذلك، ستكون الأصول المدارة، مثل العقارات التي تستخدم تقنية البلوك تشين بمثابة مستقبل.
بالعودة إلى الإمارات، فالقصة أكثر وضوحاً. كانت الحكومة منشغلة بتجديد كافة التشريعات والإصلاحات القانونية بهدف الارتقاء بمكانة الدولة، والمحافظة على مكانتها المثالية كمركز للأعمال. وقد كان عدد القوانين التي تم تغييرها منذ الجائحة هائلًا وأثرت في كافة القوانين الاجتماعية والاقتصادية ذات الصلة.
تهدف التعديلات إلى تطوير الهيكل التشريعي في مختلف القطاعات، ويشمل الاستثمار والتجارة والصناعة، بالإضافة إلى الشركة التجارية، وتنظيم وحماية الملكية الصناعية، وحقوق النشر، والعلامات التجارية، والتسجيل التجاري، والمعاملات الالكترونية، والخدمات الائتمانية، والإقامة والقوانين ذات الصلة بالمجتمع والأمن الشخصي، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر، القوانين والأنظمة المتعلقة بقوانين العقوبات والغرامات، والأمن السيبراني، وقواعد تنظيم الإنتاج.
القدرة على تحمل التكاليف: منذ بداية الجائحة، عملت العديد من الجهات الحكومية على خفض الرسوم بشكل كبير بغية الارتقاء بمستوى دولة الإمارات والحفاظ على قدرتها التنافسية.
مركز للشركات الناشئة: تأسيس العديد من الصناديق الحكومية لمساعدة الشركات الناشئة من خلال توفير نظام أعلى مستوى من النجاح.
كما أنه أضاف إجراءات أخرى تهدف إلى حماية البيانات الشخصية وقواعد وحقوق فعالة للتأليف والنشر.
إتاحة قدر أكبر من المنافسة: يسمح بالدرجة الأولى بملكية خارجية كاملة للشركات.
حقوق العمل: تعديلات أساسية لنظام العمل الشامل لأكثر من 40 عاماً.
اتفاقية السلام: التوقيع على معاهدة السلام مع إسرائيل.
استحداث أنظمة صناديق الاستثمار العقارية وتجديد الشركات الصغيرة والمتوسطة في السوق المالية.
المواءمة مع الممارسات الدولية: تغيير أيام العطل إلى يوم الأحد بدلاً من الجمعة.
إصدار نظام قانوني مناسب لجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية.
الحفاظ على وضعية الملاذ الآمن: تحسين العلاقات السياسية مع الدول المجاورة.
بنظرة للمستقبل، ستسهم جميع تلك التغييرات التي تشهدها دولة الإمارات العربية المتحدة في تحقيق الإنجاز خلال فترة زمنية قصيرة جداً في ضمان الاستدامة الاقتصادية على المدى الطويل. بالنسبة للمستثمرين، من المهم أيضاً الحفاظ على نظرة طويلة الأجل للأسباب التالية:
أ) دعم النمو السكاني قيد البحث مجدداً
ب) الإبقاء على نسبة العائد جاذبة
ج) إنشاء أفضل بنية تحتية بهدف مواصلة استقطاب الشركات الجديدة
د) تقليل مخاطر العملة إلى الحد الأدنى (تأثير الارتباط بالدولار الأمريكي)
ه) الحفاظ على العلاقات الإقليمية
و) تحديث النظام القانوني وتطويره ليناسب الجميع
ز) استقطاب عدد كبير من الأغنياء إلى الإمارات
* الرئيس التنفيذي، صندوق «سولت» للاستشارات المالية
طارق قاقيش *
بالنظر إلى الطبيعة المتغيرة التي تميّز السوق، نجد أن اعتماد معايير دولية في سوق محلية ليس الخيار الأفضل في جميع الأوقات، وأرى أن قوانين الصناديق العقارية المتداولة لم تكن مناسبة تماماً لطبيعة منطقة الخليج، خاصة دولة الإمارات العربية المتحدة؛ فنشاط سوق العقارات الخليجي مختلف في هيكله عن دول العالم المتقدم الأخرى.
ورغم أن قانون الصناديق العقارية المتداولة يضم عدداً كافياً من الأحكام التي تنظم العملية، إلا أنه لم يأخذ في الاعتبار التحول المستمر في سوق العقارات في المنطقة. ورغم أن الجوانب الرئيسية التي تميز اللوائح السارية على الصناديق العقارية المتداولة الخليجية مشابهة جداً للمعايير الدولية، إلا أن أداء هذه الصناديق ظل دون المستوى المتوقع.
وخلال السنوات القليلة الماضية، توسعت هياكل الصناديق في منطقة الخليج بعد إدخال الإطار التنظيمي، ويوجد اليوم نحو 26 صندوقاً خليجياً، 17 منها في السعودية، و4 في الإمارات، و2 في عمان، و1 في قطر، و1 في الكويت، و1 في البحرين. واقترب إجمالي صافي الأصول من 6 مليارات دولار في 21 سبتمبر/ أيلول 2021.
وبشأن توزيع الأرباح نقف هنا أمام تحد مهم يتمثل في توزيع 80% على الأقل من صافي أرباح الصندوق على مالكي الوحدات كل عام، فرغم أن هذه النسبة أقل من 90% في الدول المتقدمة، إلا أن ذلك لم يأخذ في الاعتبار التقلبات الشديدة لسوق العقارات في المنطقة. فعلى سبيل المثال، أدى الوباء إلى تغيّر نظرة واهتمام المستثمرين بقطاع العقارات، ما خلق تحديات جديدة في تنفيذ استراتيجية التنويع التي اعتمدها مديرو الصناديق. أما تشبّع السوق العقارية، والتراجع الاقتصادي، والزيادة في فقدان الوظائف، فقد ساهمت جميعها في انخفاض أسعار العقارات. ونتيجة لذلك، انخفضت أسعار الأصول، وانخفض الدخل من الإيجارات، بل اختفى في بعض الأحيان، ما تسبب بزيادة التقلبات وارتفاع معامل الترابط بالقطاعات الأخرى ذات الصلة. إلى جانب ذلك، أصبحت الصناديق العقارية المتداولة تحت ضغط التدفق المالي السلبي، وارتفعت أحجام استرداد مالكي الوحدات، وتضاءلت القدرة على تغيير الاستراتيجية. وتبعاً للتدهور الاقتصادي، تضررت قطاعات أخرى ذات صلة، كالتعليم والرعاية الصحية التي تستثمر هذه الصناديق فيها.
باختصار، وللنظر بعمق في أبرز مكوّن للبيانات المالية الخاصة بهذه الصناديق:
1) قيمة الأصول العقارية (انخفاض)
2) الدخل من الإيجارات (انخفاض)
3) خدمة الديون (ارتفاع)
4) الاسترداد من المستثمرين (ارتفاع)
لم يكن مديرو الصناديق متأهبين لذلك، ولم يضعوا احتياطياً نقدياً كافياً لمثل هذا السيناريو.
ونتيجة لذلك، سعت بعض الصناديق إلى انسحابها من الأسواق المالية، بينما حاولت صناديق أخرى تمديد آجال الصكوك المصدرة. فعلى سبيل المثال، «الإمارات ريت»، أكبر صندوق استثمار عقاري متوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية في الإمارات، والذي تعرض لخسائر بقيمة 243 مليون دولار في القيمة الاسمية لأصول الإيجار، عرض استبدال سندات جديدة مضمونة مستحقة في 2024 بسندات الصكوك غير المضمونة المستحقة في 2022.
لكن من المؤسف عندما انخفض سعر الصندوق (صافي قيمة الأصول) انجذب مستثمرو الأفراد إلى العائد المرتفع لتوزيعات الأرباح من دون مراعاة حالة التدفق النقدي السلبي للصناديق.
يرجع السبب الرئيسي الذي جعل الدول المتقدمة تتبع قاعدة توزيع 90% من صافي أرباح الصناديق إلى أن الصندوق غير ملزم بدفع ضريبة الشركات، وهو قانون غير سارٍ في منطقة الخليج. إضافة إلى ذلك، يساهم وجود قطاع عقاري أكثر تطوراً وأقل تقلباً في تمكين مديري الصناديق من توقع التدفق النقدي في المستقبل. ويمكن أن يعزى استقرار سوق العقارات في الدول المتقدمة إلى سبب آخر، وهو أن معظم الدول المتقدمة تطلب من مستأجري المساحات التجارية توقيع عقود إيجار مدتها خمس سنوات على الأقل، ما يوفر تدفقاً نقدياً ثابتاً لأصحاب العقارات، والتي تتمثل في هذه الحالة بالصناديق العقارية المتداولة.
وتبدو التوقعات واعدة بالنسبة إلى الصناديق للاستثمار في أدوات استثمارية بديلة، لكن لا بد للمستثمرين أن يدركوا حجم التقلبات الحادة للعقارات في المنطقة.
وبفضل معدل الفائدة المنخفض، وضعف الدولار الأمريكي، وارتفاع معدلات التضخم، تعافى قطاع العقارات بشكل كبير، ما ساعد هذه الصناديق على التعافي أيضاً. ولكن، نعتقد أنه يجب تعديل القانون بخفض نسبة التوزيع أو منح مدير الصندوق مزيداً من الصلاحيات؛ لأن ذلك سيساعد في إجراء توزيع معقول بناء على التدفق النقدي في المستقبل.
* الرئيس التنفيذي، Salt Fund Placement