د. عائشة عبدالله النعيمي *
قبل أن أعرض لشبكات التواصل الاجتماعي، أود توضيح القصد عندما أكتب عن المصطلحات الآتية:
* الحريات: هي حق الفرد في طرح وممارسة الفعل باستقلالية تامة، لكن عندما تكون الحرية بلا مشروع، بغض النظر عن ماهيته، (ثقافية اجتماعية، اقتصادية.. إلخ) تتحول الحريات الشخصية إلى فوضى تمس حرية الآخرين.
* التغيير: هو حالة الثبات الوحيدة، لكن حين يتعارض التغيير مع المصلحة العامة، يجب أن تكون هناك وقفة للتحليل وتعديل المسار، وهذه مسألة لا علاقة بينها وبين تقويض الحريات.
لا شك في أن الأغلبية تدرك إيجابيات وسلبيات شبكات التواصل الاجتماعي، لكن أهم جزئية أدرَكها بعض مستخدمي منصات التواصل، هي قوتها، فاستخدموا تلك القوة بشكل موجه، للحصول على الدعم. هذا الاستخدام الموجه ووفقاً لبعض الدراسات الإعلامية الحديثة، أنتج على المدى البعيد تقويضاً للشرعية القديمة عند الأفراد، لتحل مكانها شرعية جديدة، تستهدف إحداث نقلة نوعية مغايرة لقناعاتهم السابقة.
حين نبحث في تأثير استخدام شبكات التواصل الاجتماعي في الشباب في الإمارات، في الأغلب تأتي الإجابات عن السؤال «لماذا» مرتبطة بتأثير العامل الخارجي؛ كونه يعد مكمن التغيير، وعلة أي سلوك يتسم بالانفصال عن هوية المجتمع.
ماذا عن البُعد المحلي؟ ألا توجد فيه عوامل قد تؤدي إلى تبني مفاهيم لا تتفق مع ثوابت وقيم المجتمع؟
إذا أردنا أن نفهم الموضوع بمعطياته كافة، علينا ألا نستبعد العوامل الداخلية، ودراسة سياساتها؛ بهدف التقييم والتعديل والإصلاح، وهذه المراجعة الداخلية لا تنفي القناعة بقوة تأثير العامل الخارجي.
المجتمعات كافة تواجه تحديات متباينة، تفرض عليها حالة دائمة من التغيير والإصلاح والمرونة في التفاعل مع المتغيرات الجديدة التي تأتي بها التطورات المتسارعة في الكثير من المجالات. ويفرض التغيير في المجال التقني، وبالتحديد في مجال الإعلام الافتراضي، التحدي الأصعب، نتيجة تنوع استخداماته، وقوة تأثيره، وهي قوة تتفاوت درجاتها وفقاً للفضاء العام الذي يحكم كل مجتمع.
شبكات التواصل الاجتماعي من أهم الأدوات التقنية التي فرضت ذاتها على الحكومات والأفراد، هذا التحدي الأهم، كما أشرت أعلاه، متباين من مجتمع لآخر، وعند تخصيص الطرح عن التحديات الداخلية التي يمكن أن تسهم في مضاعفة نتائجه السلبية على مجتمع الإمارات، يمكننا الإشارة هنا إلى بعض العوامل الأساسية:
- فلسفة التعليم: لدينا على أرض الواقع فلسفة تعليمية غير متجانسة مع متطلبات التكوين المعرفي الاجتماعي للجيل الحالي ومجتمع الإمارات، وبالتحديد في مضمون مناهج العلوم الاجتماعية والإنسانية. إن ما يُدرس في المدارس والجامعات الوطنية في الإمارات، يجب أن يرتكز على منهجية وطنية مرتبطة بالهوية واللغة العربية.
من الأهمية بمكان في المدارس والجامعات الوطنية ألا يترك الأمر لغير الإماراتيين لصنع السياسات، أو اختيار مضمون المناهج وطرق تدريسها، لأن الاستحواذ على ذهنية الطالب من طرف خارجي، مسألة تدعو إلى القلق، ويجب علينا ألا نستغرب إذا جاءت مخرجات التعليم لا تعرف شيئاً عن هويتها أو تنتمي لعروبتها وتعتز بتاريخها.
وعلى مستوى آخر مرتبط بحق التعليم، نطرح هذا السؤال: أين يتجه الشاب حين يواجه بشروط تعجيزية تضعها جامعاتنا الوطنية للقبول بنسب عالية تصل إلى 80% وقد تصل إلى 90% في بعض الكليات مع شروط إضافية أخرى؟
أعداد كبيرة لا تستطيع إكمال تعليمها الجامعي في بلدها على الرغم من وجود مادة في الدستور تكفل هذا الحق.
هؤلاء وغيرهم من السهل استقطابهم من طرف جهات خارجية، لتوظيفهم في برامج تمس الأمن والاستقرار الاجتماعي أو إحداث فوضى التغيير عبر طرق متعددة، ومنها وسائل التواصل الاجتماعي.
- الخلل الديموغرافي: نحن نعيش في مجتمع له تركيبة سكانية استثنائية؛ حيث يشكل الإماراتيون أقلية في وطنهم، وهناك مخاوف من أن تجعل هذه التركيبة مفتاح باب التحكم والإدارة بيد غير الإماراتي الذي له مصالحه وثقافته وقناعاته التي تنعكس بشكل مباشر على الأفراد، نتيجة تفاعلهم واحتكاكهم معه.
هل هي مسألة إيجابية أن يكون ملف التوطين أحد أهم الملفات التي تشغل الإماراتيين؟ كيف يكون سلوك العاطل عن العمل في بلاده؟ كيف تكون نوعية تفاعله على شبكات التواصل الاجتماعي متأثرة أو مؤثرة؟
يمكن هنا لمن يريد أن يفهم تأثير الخلل في التركيبة السكانية بصيغة تفصيلية أن يقرأ مقالاً كتبه المفكر الوطني الدكتور حسين غباش، رحمه الله، أشار فيه إلى تداعيات الخلل على المجتمع الإماراتي، وتنبأ بما هو آت.
الإعلام المحلي: لدينا إعلام يمكن وصفه بالجمود على مستوى الإنتاج، والانتقائية على مستوى الحوار والكتابة، لدينا إعلام دعائي بحاجة إلى سياسات جديدة أكثر مرونة، وأكثر حرية، وأكثر تماساً مع قضايا الأفراد والبلد. إن الفراغ الذي يتركه غياب الإعلام المحلي تملأه منصات التواصل الاجتماعي، ولكن من منظور مختلف.
حقوق المواطنة: شريحة من الشباب في الإمارات يعتقدون بوجود ممارسات تنتقص من حقوقهم الاجتماعية، هذا الاعتقاد يحولهم إلى الشعور بالتباين في وطنهم، وبناء عليه، تجدهم يبحثون تدريجياً عن بدائل قد تفرز لديهم حالة من الرفض لواقعهم، وتجعلهم ينزعون إلى العزلة الاجتماعية والانسلاخ عن الجماعة، وهي المسألة التي يستغلها أصحاب المصالح، لتمرير الأفكار التي تتحول إلى سلوك لدى بعض شبابنا فينتجون على إثرها فعلاً مشوهاً وغريباً عن مجتمعه، ومتناقضاً مع ركائز هويته الأصيلة. الفردية هنا ترمي بنتائجها على الجماعة بالذات حين تعمل منصات التواصل الاجتماعي الأخرى على قضايا حساسة متعلقة بالهوية الوطنية والحريات والحقوق المدنية والتغيير.
* أستاذ مشارك في الإعلام
[email protected]
د. عائشة عبدالله النعيمي
من هو الإماراتي؟ سؤال تم طرحه من طرف أكاديمي إماراتي في إحدى وسائل الإعلام الأجنبية.
بعض الأسئلة تحمل في طياتها إشكالية ذات سمة واقعية ومهمة وتمثل إضافة جذرية للتحليل والفهم والتفسير، وهناك أسئلة غير واضحة المغزى والهدف وبالتالي تكون الإجابة عنها غير واضحة أيضاً. خصوصاً أن هذا السؤال يطرح في الزمان الخطأ.
إن الحديث عن الهوية والتحديات التي تواجهها المجتمعات المحافظة شيء، والحديث عن ما هو الإماراتي شيء مختلف تماماً.
لسنا في ظرف مرحلي يدعونا إلى البحث عن الأصول لأهل الإمارات وفتح الساحة لحوار سيؤدي إلى جدل ليس فقط عقيماً (والردود في تويتر تشي بذلك). بل وحوار تجاوزناه منذ زمن ليس بالقصير.
لن نكون إيجابيين كأفراد نحمل مسؤولية وطنية إذا ذهبنا ولو بشكل غير مباشر إلى تفكيك العلاقات الاجتماعية الوشائجية التي تعايش معها أهل الإمارات بسماحة وقبول اجتماعي تاريخي.
إن مجتمع الإمارات متعدد، وتنتمي إليه أصول قد تكون متباينة بعض الشيء من حيث النشأة، ولكنها متشابكة ومتجانسة ولا يجوز التشكيك في ولائها وانتمائها وحبها لهذه الأرض الطيبة، ومن زاوية أخرى، ما الذي يمكن أن يستفيده المجتمع من خلال جعل شرائحه تتجادل حول أهلية هذا أو ذاك لأن يكون إماراتياً أم لا؟
هذا التصنيف العرقي غير مقبول ويدعو إلى القلق. صحيح ربما لا تكون الدعوة إلى التصنيف ظاهرة بشكل مباشر في صيغة السؤال، ولكنها كامنة في ماورائه، وليس من الشائك على أحد اكتشاف ذلك. إنها في الحقيقة أزمة كبيرة إذا لم يكن كاتب السؤال مُدركاً لهذه المسألة.
إن السؤال عن من هو الإماراتي؟ لم يكن هو جوهر الحوار الذي تم طرحه على شبكات التواصل الاجتماعي.
السؤال: كان حول التحديات التي تواجه الهوية الإماراتية والنسق الاجتماعي الذي يربط بين مواطنيها وسمات وخصوصية هذا النسق، وهذا الموضوع كان مطروحاً للنقاش منذ الثمانينات، وكُتبت فيه الكثير من المقالات والدراسات العلمية وعُقدت الكثير من المؤتمرات والندوات. الحوار قديم واستراتيجي وليس وليد معطيات جديدة أو كما يرى البعض أن المجتمع / بدون تعميم / يفتقد المرونة ويرفض التغيير أو التفاعل مع فكرة الحداثة والحريات الشخصية.
المسؤولية الاجتماعية الوطنية فعل يتطلب منا الارتقاء إلى مستوى التحديات وطرحها بشفافية وموضوعية ومسؤولية، وليس طرح أسئلة يغيب عنها فهم البنية الديمغرافية المركبة للمجتمع الإماراتي.
إن الاستقرار الاجتماعي يعتبر صلب الاستقرار الأمني والسياسي الذي تنعم به الإمارات.
وإضافة إلى البعد المحلي البالغ الحساسية في طرح سؤال يحمل في الإجابة عنه احتمالية تفكيك ركائز مهمة؛ نشأت عليها لحمة الوحدة الأهلية الوطنية فإن السؤال لا يتسق أيضاً مع السياسات المؤسسية الرسمية لحكومة الإمارات والتي تؤكد قيماً إنسانية نبيلة مثل التسامح وقبول الآخر والانفتاح الذي يجب أن يكون مقروناً في الوقت ذاته بالوعي بأهمية الحفاظ على خصوصية البعد الاجتماعي/ الثقافي.
إن التناقض في المواقف إشكالية كبيرة تقع في فخها بعض الأقلام، التي تعتبر نفسها من عناصر قادة الرأي العام في الإمارات، ويبدو أن السؤال حول بعض القضايا المصيرية مثل الهوية وتحدياتها يُزعج بعض المثقفين؛ ما يسقطهم في دائرة التناقض ويدعوهم لطرح أسئلة في غير محلها.