صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
جون رابلي
مؤلف وأكاديمي يكتب في موقع «أنهيرد» الإخباري
أحدث مقالات جون رابلي
27 أكتوبر 2024
فخ الدخل المتوسط

جون رابلي*

هناك شد وجذب مثير للاهتمام يدور في الصين حالياً بين الحكومة والأسواق. وسوف يكون لتسوية هذه الأوضاع تأثير كبير في تحديد المسار المستقبلي للاقتصاد العالمي.
بعد عقود من النمو المذهل، تباطأ الاقتصاد الصيني مؤخراً ليدخل «فخ الدخل المتوسط»، النقطة التي تمكن عندها الاقتصاد الصاعد من بناء كل القدرة الصناعية التي يحتاج إليها. وفي خضم الركود، تنخفض الأسعار مع اقتراب البلاد من الانكماش الصريح. وهي في احتياج للتحول إلى نموذج جديد لا يقوم على إضافة المزيد من القدرة، بل على تحسين جودة المنتج لسوق استهلاكية متنامية.
ويتفق الجميع على أن الصين في احتياج إلى برنامج تحفيزي للخروج من هذا الفخ. والخلاف هنا يدور حول ما إذا كان ينبغي أن يكون هذا البرنامج تحفيزاً للطلب أم تحفيزاً من جانب العرض. والرأي السائد في الأسواق، والذي يشترك فيه أغلب خبراء الاقتصاد، هو أن مشكلة الصين تتمثل في عدم كفاية الطلب.
الواقع أن التنمية الاقتصادية في الصين كانت مبنية على استخدام العمالة الرخيصة لإنتاج الصادرات للسوق العالمية، ولكن نموذجها لم يكن ليحافظ على ديمومته لولا استعداد بقية العالم لشراء المنتجات الصينية الرخيصة. وقد ساهم العزوف الصناعي لدى بعض البلدان إلى بدء رفعها الحواجز الجمركية أمام الواردات الصينية، وهو ما يعني ضرورة امتصاص فائض العرض داخلياً.
من حيث المبدأ، هناك مجال واسع لذلك. فمع توجيه ما يقرب من نصف الناتج السنوي للصين نحو المدخرات، يمكن للحكومة أن تهندس إعادة تخصيص الأموال من الاستثمار إلى الاستهلاك وبالتالي تنشيط الاقتصاد. والمشكلة أنها لا تريد ذلك. فقد دفع تصميم شي جين بينغ الحفاظ على الزعامة الاقتصادية للحزب الشيوعي إلى إعطاء الأولوية لتحفيز جانب العرض. والهدف هو إعادة تخصيص الاستثمار بعيداً عن العقارات والبنية الأساسية باتجاه الصناعات الجديدة التي ستهيمن على المستقبل، مثل الطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي.
ولكن التمسك بهذه الاستراتيجية، التي تشكل أهمية لصورة الحزب الحاكم الذاتية، قد يعني التضحية بهدف النمو السنوي البالغ 5%، على الأقل لهذا العام. وهنا تعتقد الأسواق، التي تدرك مدى أهمية هذا الرقم بالنسبة للحكومة، أن هذه الاستراتيجية لن تتحقق في نهاية المطاف وستقدم حافزاً كبيراً للطلب. وهناك اتصالات رسمية متزايدة من بكين تفيد بأن الحكومة تنوي الاقتراض من أجل إنعاش الاقتصاد، والمستثمرون يقفون مكتوفي الأيدي في انتظار التفاصيل. وإلى أن يتلقوا أنباء عن إنفاق مفرط، فمن المرجح أن يبقوا هناك، وسوف تظل سوق الأسهم الصينية في حالة من الركود، بنحو 40% أقل من ذروتها في عام 2008. وبصرف النظر عما إذا كان شي سيتمسك بموقفه أم لا، فإن تأثير هذا القرار المثير للجدل على الاقتصاد العالمي قد يكون هائلاً. ومن شأن تحفيز الطلب أن يزيد الاستهلاك على نطاق واسع في ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وهو ما يعني مساعدة الاقتصادات الغربية على الخروج من ركودها. وعلى النقيض من ذلك، فإن استمرار التحفيز من جانب العرض من شأنه أن يترك هذه الاقتصادات باردة. ومن خلال الاستمرار في إغراق العالم بالسلع الرخيصة، بما في ذلك المركبات الكهربائية والألواح الشمسية، قد تزيد الصين ضغوطها على شركات التصنيع الغربية التي تكافح من أجل المنافسة، والتي تتعرض أرباحها للانكماش بالفعل. ولكن من الممكن أيضاً أن يؤدي ذلك إلى زيادة الاستثمار في البلدان النامية التي لديها اتفاقيات تجارية مع الدول الغربية، ما يُمكن الشركات الصينية من الالتفاف على التعريفات الجمركية. ومن خلال زيادة الدخول في البلدان المتلقية، فإن ذلك قد يعزز الطلب على المنتجات الصينية. ومن الممكن أن يتحول هذا إلى نوع من خطة مارشال للحزب الشيوعي الصيني الذي يجعل البلاد أكثر مركزية في الجزء الأكثر ديناميكية من الاقتصاد العالمي ويضع الأساس لتفوقها في المستقبل.
لا يوجد ما يضمن نجاح هذا الأمر. ولكن لو حدث، فإنه سيشكل تحدياً للاقتصاديين لإعادة النظر في كل ما اعتقدوا أنهم يعرفونه عن فخ الدخل المتوسط. ومع ذلك، يبدو واضحاً أن المسار المستقبلي للاقتصاد العالمي يعتمد إلى حد كبير على نتيجة معركة الإرادات هذه.
من المهم مقارنة الآليات الاقتصادية الأساسية الكامنة وراء الصين والغرب. فالصين أكثر تركيزاً على جانب العرض، وتعمل بطريقة «إصلاح السقف قبل هطول الأمطار»، وهذا يعني أنها تعطي الأولوية للادخار والاستثمار الطويل الأجل. وعلى النقيض من ذلك، فإن الاقتصاد الغربي، وخاصة الولايات المتحدة، مدفوع بالإنفاق الاستهلاكي، مع التركيز بشكل أقل على الادخار، وأكثر توجهاً نحو جانب الطلب.
* مؤلف وأكاديمي يكتب في موقع «أنهيرد» الإخباري