سارة النعيمي*
يتوقف نجاح رواد الأعمال على عاملين أساسيين، العامل الأول هو مهارات السوق أي معرفة معدلات الطلب والاستهلاك والجمهور المناسب للمنتج أو الخدمة، إلى جانب غيرها من المعلومات التي قد يعرفها كل من يحضر بعضاً من الدورات التدريبية، أما العامل الثاني فهو خاص جداً، إذ يشكل البصمة الشخصية لكل رائد أعمال والتي يتميز بها عن غيره، وهذا العامل يتمثل في ما يطلق عليه اليوم المهارات الناعمة أي السمات الشخصية والعاطفية والفكرية لرائد الأعمال.
تؤدي هذه السمات أو المهارات الناعمة دوراً حاسماً في كل خطوة من مسيرة الريادة وتترك أثرها في كل موقف يمر به رائد الأعمال، وفي الكثير من المناسبات تشكل عاملاً حاسماً في إنجاح الصفقات والاتفاقيات وفي اكتساب عقل الجمهور ووجدانه أيضاً. هناك الكثير من الأمثلة التي مرت علينا خلال العمل في «شراع» تؤكد أن السمة الشخصية لا تقل أهمية عن العلم بأمور الأسواق والخبرة في الأعمال، بل قد تتفوق عليها بشكل خاص عندما تكون المنافسة بين من يملكون نفس المعلومات والخبرات، لكنهم يختلفون في قدرات التواصل وفي الذكاء العاطفي والقدرة على تقدير الأمور واتخاذ القرارات.
وعلى عكس ما يظنه الكثيرون، يمكن بناء المهارات الناعمة والسمات الشخصية وتنميتها كغيرها من المهارات وهي ليست حكراً على أشخاص معينين. وهذا يعني أن هناك ضرورة بأن يهتم رواد الأعمال ببناء هذه الجوانب في شخصياتهم، إلى جانب أهمية استمرارية العمل على تصميم دورات وبرامج تدريب قادرة على التعامل مع هذا النوع من المهارات وتحويلها إلى علوم وغرسها في عقول رواد الأعمال بطريقة مبدعة.
كما أن الاقتصاد الحديث وما سيليه من أشكال اقتصادية في المستقبل يقوم على أكتاف من يمتلك صفات شخصية متقدمة ومتميزة، يعتمد على هؤلاء الطموحين والواثقين والمبادرين، الذين إذا لم تطرق الفرصة بابهم بنو لها باباً كما قال الكاتب والمفكر ميلتون بيرل، وعلى أولئك الذين إذا واجهوا أزمة أدركوا أن الأزمة الحقيقية هي التعامل مع الظروف الطارئة بمنطق الأمس بلا ابتكار أو إبداع في التفكير كما وصفهم مستشار الإدارة العالمي بيتر دراكر. اقتصاد المستقبل يحتاج إلى مفهوم جديد للتواصل والقيادة وإدارة الفرق والتفكير النقدي والاستشرافي أكثر من حاجته إلى الموارد المادية التقليدية، فليس كل من يمتلك التمويل ويعرف طريق السوق ينجح. النجاح يتطلب الشغف والرؤية والثقة والإدراك غير التقليدي حتى يتحقق ويصبح نهجاً وليس مجرد صدفة قد لا تتحقق مرةً واحدة ولا تتكرر.
إن بناء وتعزيز السمات الشخصية والمهارات الناعمة باتت اليوم أولوية لدى الجهات الحكومية وتلك المتخصصة في ريادة الأعمال، لأن هذا البناء لا يحقق النجاحات الاقتصادية فحسب، بل والاجتماعية أيضاً، فالريادة، كما نؤكد دوماً، ليست توصيفاً لفئة من الأعمال، بل هي منهج للعيش والتفكير وبناء العلاقات وتكوين الأسر وإعداد الأجيال، وهي عامل حيوي في تعزيز القيم الإنسانية والاجتماعية أيضاً، ما يجعل من بناء الريادة بمنزلة عملية بناء شاملة للعالم والإنسان والنظم الاقتصادية والمجتمعات على حد سواء.
المدير التنفيذي لمركز الشارقة لريادة الأعمال (شراع)
في عالم يزداد تعقيداً وتنافسية، لم يعد نجاح التجارب التنموية في المنطقة والعالم رهناً بتوفر رأس المال أو الموارد التقليدية، بل أصبح محركه الأساسي هو القدرة على الابتكار وتحويل الأفكار إلى مشاريع تؤثر في المستقبل. وهذا التحول لا يمكن أن يتحقق إلا بتوجيه طاقات الشباب نحو ريادة الأعمال، وتغيير فهمهم لها من مجرد مسار مهني إلى رؤية شاملة لمستقبل الاقتصاد. خلال الأشهر القليلة الماضية، عملنا في مركز الشارقة لريادة الأعمال (شراع) بالتعاون مع الجامعة الأمريكية في الشارقة على تقرير شامل يعكس بوضوح هذا التوجه وهذه الرؤية، وما جاء لافتاً فيه هو أن 14% من الطلاب الإماراتيين يسعون لبدء مشاريعهم الخاصة فور تخرجهم، و17% من الطلاب المشاركين في الاستطلاع لديهم رغبة عميقة في أن يصبحوا رواد أعمال.
تشير هذه النسب إلى تحول جذري في ذهنية ووعي الجيل الجديد، الذي لم يعد ينتظر الفرص بل يسعى لاستحداثها، ولكن ما يجعل هذه الأرقام أكثر أهمية هو السياق الذي جاءت فيه، فخلال عام 2018، كان 5% فقط من الطلاب يخططون لبدء مشاريعهم الخاصة بعد التخرج، بينما اليوم، وبعد مرور بضع سنوات، تضاعفت هذه النسبة بشكل كبير، ما يعكس حجم التغيير الذي طرأ على تصوّر الشباب لمفهوم النجاح والابتكار والمساهمة في مشاريع وخطط التنمية التي تتبناها دولة الإمارات والمنطقة.
تُعتبر الثقة بالنفس أحد العناصر الأساسية في هذا التحوّل، فقد بيّن التقرير أن معدل الكفاءة الذاتية لريادة الأعمال لدى الطلاب بلغ 71 من 100، وهو رقم يتجاوز المتوسط العالمي ب 16 نقطة، وهذا أمر نفخر به، ويعكس نجاح البيئة الداعمة في الشارقة، التي لا تكتفي بتقديم المعرفة النظرية للشباب، بل تتيح لهم الفرصة لتحويل أفكارهم إلى تجارب حية تمتلك كافة مقومات النجاح.
ومع ذلك، هناك مؤشرات تستدعي التأمل، فعلى الرغم من أن نصف الطلاب المشاركين في التقرير ينتمون إلى عائلات تمتلك أعمالًا تجارية، فإن 6% فقط منهم أبدوا اهتماماً بالانضمام إلى أعمال عائلاتهم، وإذا كان هذا يعكس شيئاً، فإنه يعكس تغيّراً في طموحات وتطلعات الشباب، الذين يفضلون بناء شيء جديد بأنفسهم بدلاً من الاستمرار في مسارات موجودة مسبقاً. من هنا، سنواصل العمل في «شراع» على تمكين الشباب وتزويدهم بالأدوات التي يحتاجون إليها لتحويل أفكارهم إلى أعمال حقيقية، وهدفنا ليس فقط تعليمهم كيفية النجاح، بل منحهم مساحة للتجربة والإبداع والتعلم من التحديات التي قد تواجههم.
ويمكن القول، إن هذا التقرير يمثل دليلاً واضحاً على أن الشارقة تقود حركة ريادية جديدة قائمة على تمكين العقول الشابة، وتشجيعها على الابتكار بعيداً عن المسارات التقليدية المشبعة، وهذا التوجه لا يمثل رؤية لمستقبل إمارة الشارقة وحسب، بل للمنطقة بأكملها، حيث يكون للشباب الدور الأكبر في بناء اقتصادات مرنة ومستدامة.
* المدير التنفيذي لمركز الشارقة لريادة الأعمال (شراع)
سارة النعيمي*
إن الحديث عن مهارات الشباب في يومهم العالمي، ليس بالجديد من حيث الشكل، فالمهارات البشرية الخاصة ظهرت منذ فجر التاريخ، وهي التي طورت الصناعة والزراعة، وإنتاج الأدوات للصيد والبناء وتسهيل الحياة اليومية، لكن مع دخول القرن الحادي والعشرين، شهد العالم تحولات نوعية كبرى في طبيعة الاقتصاد وتنافسية الوظائف وريادة الأعمال والتخطيط لاقتصاد المستقبل.
من أهم هذه التحولات، التحول في عوامل نجاح الأعمال ونموها وتنافسيتها، ووصول الشباب إلى أسواق العمل وقدرتهم على التطور في وظائفهم، فلم تعد تلك العوامل مقتصرةً على الموارد المادية ورؤوس الأموال الضخمة، بل أصبحت، وبشكل أساسي، تعتمد على المهارات البشرية والمواهب والأفكار المبتكرة، والكثير من الأعمال في العالم التي ظهرت من فكرة لتحقق بمهارات أصحابها قيمة سوقية بمليارات الدولارات، وهو ما يعني أن الأمية في هذا الزمن لم تعد تقاس بغياب التعليم الأكاديمي ونقص الشهادات الجامعية فقط، بل أيضاً بنقص المهارات والمعارف المتجددة.
ويؤكد هذا التحليل حقيقتين: الأولى أن الفجوة العالمية بين الشباب وسوق العمل الحديث فجوة مهارات، والثانية، أن مراكز تأهيل الشباب بالمهارات، لم تعد مجرد مكون في المشهد الاقتصادي، بل أصبحت ضرورة تنموية، وشرطاً للتقدم، وعاملاً مركزياً في تعزيز مرونة الاقتصاد، لأنها تعمل بشكل رئيسي على توجيه بوصلة التنمية، بكل ما تعنيه من جهد وبرامج ومشاريع نحو مستقبل الشباب الذي يملك من الشغف ما يجعله يستحق أن يكون له مكان ودور في إرساء قواعد اقتصاد المستقبل.
في سياق التفاعل بين الحقيقتين، يجب أن ينصبّ اهتمام مراكز ومؤسسات تأهيل الشباب وتنمية مهاراتهم، على بناء ثقافة الريادة في التفكير والإدارة والتخطيط للمستقبل، وتعزيز الثقة باقتصادات المنطقة وأسواقها وبالقدرة على تنافسيتها أمام الأسواق العالمية المفتوحة، ومن ثم الدخول في بناء المهارات المعرفية والوظيفية، وتمكين الشباب بأدوات ترفع الاقتصاد وترتقي به نحو مستويات جديدة أكثر تقدماً.
إن الغاية الأساسية من بناء المهارات، أن تستجيب للاحتياجات والتحديات المحلية، وتجيب عن أسئلة التنمية والاستدامة والتقدم في اقتصاداتنا المحلية، لا أن تكون عامة أو منفصلة عن حراك الواقع؛ فلا قيمة للمهارات إن لم تستند إلى الثقافة والوعي، ولا قيمة لها أيضاً إن لم تكن محلية في ثمارها عالمية في طموحها.
نحن في الإمارات، دولة المهارات والطموح، التي حققت نجاحات تاريخية في زمن قليل، بحكمة قيادتها وإصرار شعبها، وصنعت اقتصاداً متنوعاً من حيث الثقافات والمناشئ والتجارب، ونستطيع القول إنها جذبت أهم الفاعلين الاقتصاديين من مختلف أسواق العالم، ليكونوا جزءاً من اقتصادنا المحلي، أما منطقتنا فباتت الأكثر جذباً عالمياً، وتبشر بأن تكون في المراكز الأولى في تأسيس الأعمال واستقطاب المهارات والمواهب من مختلف أنحاء العالم.
إن مسيرة بناء مهارات الشباب هي مسافتنا نحو المستقبل، باقتصاده المزدهر ومجتمعه الفاعل المنتج المتماسك، وبثقافته الرائدة، فكما يقولون دائماً: المستقبل يحدث الآن، والمستقبل يُصنع ولا يأتي من فراغ.
*المديرة التنفيذية لمركز الشارقة لريادة الأعمال «شراع»