ثمة مفارقة كبرى في التاريخ الحديث، بين توقعات فلسفية وفكرية رسمت صورة لعالم يسير نحو العقلانية والسلام، مقابل واقع ممتد عاشته البشرية في حروب متكررة وأزمات طاحنة مدمرة، وكان المفكرون والفلاسفة، بالرغم من مشاهد الحروب حولهم في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، يتوقعون أن التقدم العلمي سيقود العالم إلى تقدم أخلاقي، ويصورون العقل كأنه مصباح سيضيء العالم بالقانون، وأن الإنسان في أصله بريء، لكن المجتمع هو الذي يفسده، وأن العودة إلى الحالة الطبيعية تحمل وعداً بالسلام، وأن الحرية الفكرية ستقود إلى عالم أكثر عدلاً، لكن الذي حدث شيء مغاير تماماً: حربان عالميتان لأول مرة في التاريخ في أقل من 25 سنة، يقدر عدد ضحاياهما ما بين 85 و105 ملايين إنسان، بين عسكريين ومدنيين. وقبل هاتين الحربين في القرن العشرين كانت هناك حروب واسعة، دون أن تكون عالمية، لعدم مشاركة قوى كبرى من قارات متعددة، تتقاتل في مناطق مختلفة في وقت متزامن.
فضلاً عن مئات الحروب الصغيرة والمتوسطة كالحروب الأهلية في روسيا والصين، والحرب الكورية والحرب الفيتنامية وحرب بيرو والإكوادور والحرب العراقية الإيرانية، والحرب الروسية الأوكرانية..الخ، ويقدر ضحاياها ما بين 40 إلى 70 مليون إنسان!
وهي أرقام لم تصل إليها أي حروب قديمة، أي أن التقدم العلمي جعل الدمار في القرنين العشرين والحادي والعشرين أوسع وأسرع وأكثر تنظيماً.
وهذا يعني أن التقدم التقني لم يواكبه تقدم أخلاقي، وكأن الإنسان يضاعف أدواته دون أن يضاعف حكمته، وأن كل فترة «سلام» في التاريخ، هي مجرد «هدنة مؤقتة»، يشحذ فيها البشر أسلحتهم، لمعاودة الصراع والقتال، وأن العقلانية التي تحدث عنها الفلاسفة والمفكرون، هي نفسها التي استخدمت لتطوير أدوات الدمار، من المدفعية إلى القنبلة النووية، ويبدو أيضاً أن الحرية التي بشّروا بها لم تأخذ البشرية إلى الاستقرار، إذ انحرف السياسيون بها إلى دروب مسكونة بالقلق واللايقين، وكأن الحرية تحولت إلى عبء، بدلاً من أن تكون قيمة عليا، وتشى بأن الجنرالات يكسبون الفلاسفة دوماً، وأن التقدم لا يضمن القيم.
ومن هنا، عاد الفكر الفلسفي إلى أفكار الإنجليزي توماس هوبز، أحد أبرز فلاسفة القرن السابع عشر، الذي قال إن النزعة العدوانية كامنة في الإنسان، وإن الحضارة ما هي إلا محاولة لترويضها، أي أن كل تقدم تقني أو سياسي يظل هشاً أمام اندفاعات الغريزة في التملك والسيطرة.
منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم، ظل الفكر الحربي يتطور بين مناهج مختلفة، منها المنهج العسكري - الاستراتيجي الذي مثّله المنظر العسكري كارل فون كلاوزفيتز، والمنهج الحضاري - الثقافي الذي طرحه الدكتور صامويل هنتنجتون في نهاية القرن العشرين، وأخيراً المنهج التاريخي - الفلسفي الذي يقدمه المفكر الصيني الكندي جيانج شيويه تشين.
كارل فون كلاوزفيتز شرح في كتابه الشهير «عن الحرب» أن الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى، ولأنه كان جنرالاً بروسياً، اتسم منهجه بالصرامة، وركز فيه على العلاقة بين الدولة والجيش، وعلى أن القوة العسكرية هي في خدمة القرار السياسي، والحرب ليست حدثاً عشوائياً، بل أداة عقلانية في يد الدولة لتحقيق أهدافها.
أما الدكتور صمويل هنتنجتون، أستاذ السياسة الأمريكي، فقد طرح في كتابه «صدام الحضارات»، سنة 1996 بعد انهيار الاتحاد السوفييتي بست سنوات، أن العالم بعد الحرب الباردة لن يُفهم عبر السياسة أو الاقتصاد فقط، بل عبر الهوية الثقافية والدينية، وأن النزاعات الكبرى سوف تنشأ بين حضارات متميزة مثل الغرب، والإسلام، والصين وغيرها، وأن الهوية ستكون أكثر أهمية من السياسة والقوة العسكرية.
أما جيانج شيويه تشين، فهو لم يدوّن أفكاره في كتاب، وإنما يذيعها عبر المنصات الإعلامية الرقمية، ويرى أن الحروب الحالية لا يمكن فهمها إلا بالمقارنة مع أحداث شبيهة في الماضي، وأن القوى العظمى تكرر أخطاء الحضارات القديمة.
بالطبع لكل منهج نقاط قوة ونقاط ضعف، فكلاوزفيتز يتميز بوضوح العلاقة بين السياسة والحرب، لكنه يغفل دور الهوية والثقافة، بينما يبرز هنتنجتون دور الهوية لكنه يُبَسّط العالم إلى حضارات متنازعة، أما جيانج، فيمزج بين التاريخ والفلسفة والجغرافيا السياسية، لكنه يفتقر إلى الأساس الأكاديمي الصارم.
وفي قراءة الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، لا يميل الواقع في تفسير الصراع إلى ترجيح رؤية واحدة على أخرى، بل هو في الغالب خليط معقد من الرؤى الثلاث التي تمثل مناهج مختلفة لفهم ما يحدث، فالصراع لا يمكن اختزاله إلى أداة سياسية، ولا يمكن حصره في صدام حضارات، ولا يمكن تفسيره عبر إعادة إنتاج أنماط تاريخية.
الواقع يعكس تداخل هذه الأبعاد الثلاثة، حيث تتقاطع السياسة مع الهوية الثقافية والتاريخ العميق لتشكل معاً مشهداً معقداً للصراع، وهو يتطلب رؤية شمولية تجمع بين العقلانية السياسية، والوعي بالهوية الثقافية، والاعتبار التاريخي، وهو ما يجعل تفسيره أكثر واقعية من أي رؤية أحادية الجانب.
[email protected]
في الأحداث الجلل تسطع شخصيات بأفكار وآراء تثير الاهتمام والجدل، وهو ما حدث مع البروفيسور جيانج شيويه تشين في الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، حتى إنه نال لقب البروفيسور على صفحات التواصل الاجتماعي، دون أن يحصل على الدرجة العلمية التي تؤهله لهذا اللقب المرموق، لكن تنبؤاته وتوقعاته لمسار الحرب والسياسة العالمية منحته الوصف ولقباً إضافياً «نوستراداموس الصين»، وإن كنت أفضل له لقب «زرقاء اليمامة»، تلك المرأة العربية التي عُرفت بحدة البصر، فهو يتعامل مع الأحداث كما لو أنه يراها وهي تتسربل بالأيام قبل أن تهل واقعاً على العالم، فهو رأى عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض قبل عام من الانتخابات الرئاسية، ورأى الحرب الأمريكية مع إيران في مايو 2024!
ويمكن أن نصف جيانج شيويه تشين البالغ من العمر خمسين سنة بأنه «مواطن» عالمي، ولد في الصين، وتعلم في أمريكا، وأخذ الجنسية الكندية، ثم عاد إلى بكين معلماً للفلسفة والأدب في أكاديمية مونشوت، والمدهش أنه خريج أدب إنجليزي في جامعة ييل المرموقة، أي لم يتعلم السياسة والعلاقات الدولية وتاريخ العالم في معاهد متخصصة، ويبدو أن دراسته الأدب والنقد والمنهج المقارن نمَّت قدراته على التحليل.
وتجمع شخصيته بين المعلم والمفكر، وقد وفرت خلفيته الثقافية المتعددة (الصينية الأمريكية الكندية) مقدرة على مخاطبة جمهور عالمي، وجعلته صوتاً فريداً في تفسير الحرب والسياسة، وسهلت له أن يستقطب ملايين المتابعين سواء على قناته «التاريخ التنبّئي» ذائعة الصيت على «يوتيوب»، أو عبر منصات الإعلام الرقمي التي تستضيفه.
وجيانج يرى أن الحروب الحديثة يمكن فهمها عبر أنماط من الماضي، وأنها ليست سوى تكرار لصراعات قديمة، ويربط في تحليلاته بين التاريخ والفلسفة والجغرافيا السياسية، مقدماً سرديات تتجاوز حدود الخبر لتضع الأحداث في سياقها التاريخي، ويوازن فيها بين البيانات الصلبة من إحصاءات ووقائع، مع تشبيهات تاريخية وصور أدبية، ويؤكد أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لضمان النصر، وأن الحقائق الاقتصادية والاجتماعية تفرض حدوداً على الإمبراطوريات الحديثة كما فرضتها على مثيلتها القديمة، وهو يُشبّه الحرب الأمريكية مع إيران بحملة أثينا على صقلية التي بدأت في سنة 415 قبل الميلاد واستمرت عامين، والتشابه هو عدم اليقين من الهدف الاستراتيجي للحرب، التي تمثل الآن اختباراً لقدرة الإمبراطوريات الحديثة على البقاء في عالم متغير.
[email protected]
نبيل عمر
في عالم اليوم، تبدو الحقيقة متاحة للجميع، ملايين الصور والوثائق والفيديوهات محفوظة في أرشيف مفتوح بلا حدود، لكن المفارقة أن هذا الانفتاح لا يعني بالضرورة أن الشعوب تمتلك ذاكرة مستقلة، لأن الحقيقة في عالم اليوم لا تُبنى بما هو موجود في الأرشيف، بل بما يُعاد عرضه وتكراره حتى يترسخ في الوعي العام، فالذاكرة ليست مجرد تراكم للأدلة، بل هي عملية انتقاء وتأويل وتكرار، ومن يملك الإعلام والتعليم والسياسة، فهو من يحدد الرواية التي تتسلل إلى الذاكرة وتسكن فيها وتصنع الوعي بها.
أحداث 11 سبتمبر 2001 مثال صارخ على هذا التناقض، الأرشيف مملوء بالحكايات والمشاهد والأدلة والشهادات، لكن الذاكرة الأمريكية صيغت وفق السردية الحكومية: «هجوم إرهابي بطائرات مخطوفة نفذه تنظيم القاعدة»، وظل انهيار المبنى الثالث من مركز التجارة العالمي دون أن تضربه أي طائرة لغزاً يثير الشكوك، وفتح الباب أمام روايات بديلة مدونة في كتب أو منشورة على مواقع إلكترونية، لكن تكرار الرواية الرسمية هو الذي شكّل الوعي العام بها لأغلب سكان المعمورة.
في عام 2003، غزت الولايات المتحدة العراق بذريعة امتلاك أسلحة دمار شامل، وكانت معلومات مضللة عمداً، لأن هذه الأسلحة لم يكن لها أي وجود على أرض الواقع، لكن عند إعلان قرار الحرب كانت السردية الرسمية أقوى من حقائق الواقع، وقبلها الشعب الأمريكي وشعوب أخرى حول العالم، لأنها قُدمت إليهم بإلحاح وفي إطار بسيط ومقنع بأن العراق يشكل تهديداً، ومن ثم هيمنت هذه السردية على الذاكرة الجماعية لبعض الوقت.
وتكشف القضية الفلسطينية بوضوح كيف يُعاد تشكيل الذاكرة رغم وفرة المعلومات: آلاف الصور للضحايا، مشاهد الدمار الهائل لقطاع غزة، تقارير حقوقية، شهادات من مخيمات اللاجئين، لكن جانباً من الذاكرة العالمية يُصاغ وفق السردية الإسرائيلية خاصة في الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية: إسرائيل تدافع عن نفسها، لأن الإعلام الغربي يعيد تفسير المعلومات ليبدو الأمر كجزء من صراع متكافئ وأن صور الضحايا وما يتعلق بها هي مجرد دعاية.
المفارقة أن العالم المفتوح يتيح لكل طرف أن ينشر روايته، لكن هذا لا يضمن أن تتحول إلى ذاكرة جماعية، فالأقوى ليس من يملك الأدلة الدامغة، بل من يملك القدرة على جعلها قابلة للتصديق والتكرار.
باختصار، لا يمكن أن تمتلك الشعوب ذاكرة مستقلة، إلا إذا امتلكت أدوات السرد نفسها، وبرعت فيها.
الوقت الحرُّ ليس هو وقت الفراغ، رغم أن اللغة اليومية كثيراً ما تخلط بينهما، وقت الفراغ هو الساعات التي لا يشغلها عمل أو التزام، وقد يتحول إلى فراغ سلبي يُملأ بالتسلية أو الاستهلاك دون معنى، أما الوقت الحرُّ فهو شيء أعمق، هو الزمن الذي يكون فيه الإنسان سيد نفسه، يختار كيف يعيشه بعيداً عن الضرورات المفروضة عليه من الخارج، والحرية هنا ليست في غياب الفعل، بل في أن يكون الفعل أو اللا فعل نابعاً من إرادة الشخص نفسه، هذا التمييز هو المدخل لفهم كيف تعاملت المجتمعات عبر التاريخ مع الزمن، وكيف أصبح الوقت الحرُّ ساحة صراع بين الحرية الفردية والسلطة الاجتماعية.
في روما القديمة كان الفراغ والوقت الحرُّ شيئاً واحداً، امتيازاً للنخبة، تمارس فيه الفلسفة والفنون والسياسة، ولا يتمتع به عامة الشعب المثقل بالعمل، وفي العصور الوسطى ارتبط الوقت الحر بالطقوس الدينية والأعياد، وتنظمه الكنيسة جماعياً، أي لم يكن الزمن ملكاً للفرد، بل كان جزءاً من النظام الروحي والاجتماعي.
مع الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، تغير المشهد جذرياً، أصبح الوقت الحر جزءاً من الصراع العمالي، ثماني ساعات للعمل، ثماني ساعات للراحة، ثماني ساعات للوقت الحرّ، كان ثورة على فكرة إن الإنسان مجرد آلة إنتاج، لكن الدولة والسوق تدخلا سريعاً في تنظيم هذا الوقت: عطلات نهاية الأسبوع، أنشطة جماهيرية في الملاعب ودور السينما والمسارح..الخ.
في العصر الحديث والرقمي وفرت التكنولوجيا وقتاً حرّاً أكثر، لكن الواقع يكشف العكس كما يوضح المؤرخ الأمريكي جاري كروس في كتابه: (الوقت الحر.. تاريخ المثل الأعلى المراوغ)، وفي هذا الكتاب يشرح دكتور كروس العلاقة المعقدة بين العمل والترفيه، ويتتبع الوقت الحر على مدى 250 سنة الأخيرة، ويرى أنه على الرغم من التقدم في التكنولوجيا والإنتاجية، فإن توقعات زيادة وقت الفراغ لم تتحقق في كثير من الأحيان، وبات الناس يعانون ندرة الوقت الحر، فالأنشطة تحولت مثلاً من التنزه وأعمال تأملية إلى ساعات من التصفح على شبكات التواصل الاجتماعي، والمنصات الرقمية تستغل الوقت الحرّ في الإعلانات والبيانات، أي أصبح الفرد في لحظة الفراغ أسيراً لمنطق السوق، حيث يستهلك الزمن أيضاً كما لو أنه سلعة.
ويقول التاريخ لنا إن الوقت الحر ليس مجرد ساعات فارغة، بل هو ساحة صراع بين الحرية الفردية والسلطة الاقتصادية والسياسية.
في هذه الحرب الأمريكية مع إيران يبدو المشهد متناقضاً، استطلاعات الرأي من معاهد متخصصة في الولايات المتحدة تقول إن نصف الأمريكيين يعارضونها، ومع ذلك تستمر الإدارة في قراراتها، كأنها منفصلة عن المزاج الشعبي، هنا يتجلّى مأزق الديمقراطية: الشعب يملك الصوت الانتخابي، لكن المؤسسات تملك قراراً تنفيذياً عكس رغبة الأغلبية.
هذا التناقض ليس جديداً، بل هو جزء من البنية العميقة للديمقراطية الحديثة، التي لا تقوم فقط على حكم الأغلبية، بل على شبكة من المؤسسات التي ترى نفسها مسؤولة عن «المصلحة العليا»، حتى لو تعارضت مع إرادة الناس، والرئيس الأمريكي، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، يمتلك صلاحيات واسعة في السياسة الخارجية، و«الكونغرس» كثيراً ما يترك مساحة رمادية، تسمح له بالتحرك دون إعلان الحرب رسمياً.
هنا يعيد الإعلام صياغة السردية، فيقدم التدخل العسكري باعتباره دفاعاً عن الأمن القومي، بينما تنحصر المعارضة في مجرد أرقام في استطلاعات رأي لا تقدم ولا تؤخر، إلا إذا تحولت إلى ضغط منظم وفعال، وهذا يحتاج إلى وقت طويل وإنفاق كبير، لا يتوفر في اللحظة الآنية.
وقد تناول الفلاسفة السياسيون هذا المأزق منذ قرون، جان جاك روسو كان يرى أن الديمقراطية الحقيقية هي الإرادة العامة، وأن أي انحراف عنها هو استبداد باسم الشعب، ولا معنى لديمقراطية تتخذ قراراتها بمعزل عن الأغلبية، وحذّر توماس جيفرسون من أن المؤسسات إذا لم تُحاسب باستمرار، فإنها تتحول إلى أدوات للنخبة ضد المواطنين، وهو ما يجعل الديمقراطية عرضة للتحول إلى حكم نخبويّ مُقنَّع، أما الكسيس دو توكفيل، وهو مفكر ومؤرخ فرنسي اهتم بالتجربة الديمقراطية الأمريكية بشكل خاص، فقد لاحظ أن الديمقراطية الأمريكية تحمل في داخلها بذور التوتر بين الحرية الشعبية والسلطة المؤسسية، وأن هذا التوتر قد يصنع أزمات مؤقتة كل فترة.
ويقدّم لنا التاريخ أمثلة، كما حدث في حرب فيتنام، إذ كانت المعارضة الشعبية واسعة لسنوات ولم تستطع أن توقف الحرب، إلا بعد أن تراكمت في تظاهرات ضخمة وضغوط سياسية وإعلامية أجبرت الإدارة على التراجع بعد خسائر بشرية ومادية كبيرة، أما في حالة العراق فلم تفلح المعارضة الشعبية؛ لأن المؤسسات أعادت صياغة الحرب باعتبارها دفاعاً عن الأمن القومي، فغلب القرار السياسي المزاج الشعبي.
الديمقراطية في الممارسة هي نظام مزدوج: شرعية شعبية عبر الانتخابات، وسلطة مؤسسية، وعندما تتعارض الاثنتان تميل الكفة غالباً إلى مؤسسات الدولة.
[email protected]