صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
د. جاسم المناعي
​المدير العام رئيس مجلس إدارة صندوق النقد العربي
أحدث مقالات د. جاسم المناعي
27 نوفمبر 2025
حول موضوع التصنيف الائتماني للبحرين

د. جاسم المناعي*

تخفيض التصنيف الائتماني للبحرين مؤخراً من قبل وكالة ستاندردز اند بورز استند حسبما يبدو إلى ثلاثة مؤشرات بشكل أساسي.
أولها عجز الموازنة وارتفاع الدين العام وتوقعات باستمرار انخفاض أسعار النفط. في ما يخص الموازنة فإن نسبة العجز تقدر بحوالي 7.6% من الناتج الإجمالي المحلي.
أما بالنسبة للدين العام فانه لا يزال أقل من مثيله في بعض الدول المتقدمة مثل إيطاليا وليس اكثر بكثير من مثله في فرنسا وإن كان يعتبر مرتفعاً نسبياً في حدود 120% من الناتج الإجمالي المحلي للبحرين.
على صعيد أسعار النفط فان التوقعات تشير إلى استمرار ضعف أسواق النفط وبالتالي احتمال نزول أسعار النفط إلى ما دون 60 دولاراً للبرميل.
وفي الواقع فإن استمرار انخفاض أسعار النفط من شأنه أن يزيد من كل من عجز الموازنة وارتفاع الدين العام.
وبذلك تزامنت هذه الأمور الثلاثة مع بعضها لكي تعطي لوكالة التصنيف الائتماني صورة غير إيجابية عن اقتصاد البحرين.
وفي حالة استثنينا هذا الجانب فإن اقتصاد البحرين يتمتع بمزايا لا يمكن التقليل من شأنها.
أولاً البحرين حققت تنويعاً مهماً في اقتصادها حيث إن الاقتصاد أصبح لا يعتمد كثيراً على النفط الذي لا يشكل اليوم أكثر من 16% من الناتج الإجمالي المحلي.
بينما القطاعات غير النفطية تمثل حوالي 84% واهمها الخدمات المصرفية وقطاع الصناعة بينما قطاعات أخرى كالسياحة في تصاعد ملحوظ.
المشكلة تكمن في أن النفط بالرغم من كونه لا يمثل اكثر من 16% من الناتج الإجمالي المحلي إلا انه يمثل في نفس الوقت اكثر من 55% من الإيرادات الحكومية.
لذالك نجد أن هناك تأثيراً مباشراً لانخفاض أسعار النفط على دخل الحكومة وبالتالي زيادة عجز الموازنة ولجوء الحكومة إلى الاقتراض لسد هذا العجز أو على الأقل التقليل منه.
لا ننسى كذلك أن البحرين مع ذلك تحقق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة نسبياً تقدر بحوالي 3% هذا العام ويتوقع أن تتجاوز ذالك العام المقبل.
هذا إضافة إلى أن متوسط دخل الفرد يضع البحرين في مستوى الدول المتقدمة. إذ إن حكم وكالة التصنيف الائتماني على الوضع الاقتصادي للبحرين يرتكز على مؤشرات محدودة ترتبط بشكل أساسي بشهية المستثمرين والمقرضين ولا تمثل بالضرورة الوضع الإجمالي لأداء اقتصاد البحرين.
كذالك فإن أحكام وكالات التصنيف الائتماني تخضع لاعتبارات تقديرية قابلة للخطأ والصواب. وكما عهدنا في عدة مناسبات كيف أن وكالات التصنيف الائتماني تعرضت لعدة انتقادات خاصة على اثر أزمة الرهن العقاري في عام 2008 حين أعطت تقييمات مرتفعة جداً لبعض السندات التي تكشف عنها في ما بعد بانها ذات مخاطر عالية ولم تكن تستحق إعطاءها اكثر من تصنيفات متدنية.
كذلك فإن وكالات التصنيف الائتماني تعاني من ظاهرة الاحتكار وقلة المنافسة حيث إن حوالي 95% من سوق التصنيفات الائتمانية تحتكره ثلاث وكالات فقط.
هذا إضافة إلى أن وكالات التصنيف الائتماني تعاني أيضاً من مشكلة تضارب المصالح حيث تعتمد على الرسوم التي تتقاضاها من زبائنها وبالتالي قد يدفعها مثل هذا الأمر في بعض الحالات إلى مجاملة الزبائن رغبة في استمرار عملهم مع هذه الوكالات.
هل هذا يعني أن تخفيض تصنيف البحرين يمكن أن يكون خطأ أو لا يجب أن نعيره الاهتمام اللازم أو لا ينبغي أن نأخذه على محمل الجد؟ لا ولا يجب أبداً الاستهانة بهذا النوع من التقييمات، ليس فقط الصادر عن وكالات التصنيف الائتماني ولكن أيضاً التقييمات الصادرة عن بعض المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي حيث إن البحرين وإن كانت لا تحتاج إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي إلا أن تقييمات الصندوق ووكالات التصنيف الائتماني هي بمثابة شهادة حسن سير وسلوك تستند إليها الدول لغرض جذب الاستثمارات وللترويج لتسويق سنداتها بأفضل الأسعار واقل التكاليف.
من هذا المنطلق تحرص الدول على الحصول على احسن التصنيفات وافضل التقييمات من خلال تجنب الاختلالات المالية والحرص على أن لا يكون عجز الموازنة أو مستوى الدين العام يخيف المستثمرين والمقرضين.
كما أن مثل هذه الأمور من شأنها كذلك رفع تكاليف الاقتراض للدول المعنية. بالنسبة للبحرين وإن كان خفض التصنيف الائتماني لا يستدعي كثيراً من الارتباك إلا أنه مع ذلك يتطلب اتخاذ إجراءات مهمة وسريعة تعيد للاقتصاد توازنات مالية افضل من خلال العمل على تحسين وضع المعادلة المعروفة التي تقتضي من ناحية ترشيد الإنفاق ومن ناحية أخرى تطوير وتنويع مصادر الدخل. صحيح أن المسألة ليست بالبساطة التي يمكن تخيلها حيث إن هناك محددات للهامش الذي يمكن من خلاله إجراء الترشيد المطلوب إلا أن هذا الأمر ليس بجديد على البحرين حيث إن الاقتصاد والمجتمع قد تطور بشكل كبير وتطورت وفقاً لذلك احتياجاته في الوقت الذي بقيت موارده محدودة ومتواضعة لكن مع ذالك استطاعت البحرين تحقيق معدلات نمو جيدة.
وبناء على هذا السجل نعتقد أن البحرين قادرة على إجراء الإصلاحات اللازمة لضمان استعادة مكانتها الائتمانية المستحقة.
* الرئيس السابق لصندوق النقد العربي

19 أكتوبر 2025
أسباب التخوف من حدوث أزمة مالية

د. جاسم المناعي*

كثرت مؤخراً التحذيرات من إمكانية حدوث أزمة مالية عالمية جديدة. وفى الواقع لا ينبغي أن يكون مثل هذا الأمر مستغرباً تماماً خاصة بالنسبة للدول التي تعمل اقتصاداتها وفقاً للنظم الرأسمالية التي بطبيعتها معرضة لحالات متباينة من الدورات الاقتصادية التي تظهر أحياناً في شكل ازدهار اقتصادي واحيانا آخرى فى شكل كساد كبير . وفي هذا السياق لا يجب أن يغيب عن الذاكرة الأزمات المالية المتكررة التي حدثت خلال العقود والسنوات الماضية بدءاً من الكساد الكبير في عام 1929 مروراً خلال العقود القليلة الماضية بفقاعات الإنترنت وآخرها أزمة الرهن العقاري في عام 2008. وبالطبع فإن التوقعات والتحذيرات الحالية حول إمكانية حدوث أزمة مالية جديدة لا تأتي من فراغ بل تستند إلى مجموعة من المعطيات والمؤشرات التي من الصعب التقليل من شأنها. أول هذه المعطيات والمؤشرات هو الارتفاع القياسي في تقييمات الأسواق المالية، حيث إن الأسواق المالية العالمية وصلت إلى مستويات عالية جداً تنذر بالمخاطر والمحاذير. كما أن مكررات الربحية وصلت لمعدلات غير طبيعية خاصة في قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي حيث وصلت في بعض الحالات إلى أكثر من 55 مرة. وما قد يدعو إلى الاستغراب أن هذا الاتجاه من الارتفاع في الأسواق المالية لا يستند إلى قوة الاقتصاد، بل على على العكس فإن أهم الاقتصادات الغربية بما فيها اقتصاد أمريكا تمر بمرحلة أشبه بالركود وتدني فرص الوظائف والعمل. على صعيد آخر فإن الاقتصادات الغربية تعاني في نفس الوقت اختلالات مالية عميقة ممثلة في ارتفاع كبير في عجز الموازنات وتصاعد غير مسبوق في مستوى المديونية. وسواء تحدثنا عن اقتصاد أمريكا والذي يمثل الثقل الكبير في الاقتصاد العالمي أو تحدثنا عن اقتصادات الدول الأوروبية وخاصة فرنسا وبريطانيا وإيطاليا فإن الأوضاع المالية لجميع هذه الدول ليست على ما يرام ومعرضة وفقاً لذلك لأزمات مالية واقتصادية قد لا تتوقف عند حدود هذه الدول بل قد تنعكس سلباً على معظم دول العالم. وكما نعلم فإن هذه الاختلالات المالية ليست وليدة الأمس ولكنها نتيجة عوامل وأسباب تم التساهل فيها مع عدم الاهتمام أو الالتزام بالانضباط المالي. فمن ناحية وعلى الرغم من عدم تمكن هذه الدول من تحقيق معدلات نمو مرتفعة تؤمن لها دخلاً مرغوباً استمرت مع ذلك في التوسع في الإنفاق سواء بهدف رفع قدراتها العسكرية أو محاولة لتحسين وضع مرافق بنيتها الأساسية. وقد صادف خلال تلك الفترة أن كانت أسعار الفائدة في مستويات متدنية الأمر الذي شجع هذه الدول على مزيد من الاقتراض دون الاهتمام الكافي بتراكم المديونية. والأمر لا يقتصر حسبما يبدو على الدول بل ينسحب أيضاً على الأفراد الذين استسهلوا عمليات الاقتراض. ففي أمريكا على سبيل المثال لم يكن الاقتراض منتشراً كثيراً حتى عام 1900 وذلك لأسباب دينية وأخلاقية، إلا أن ذلك بدأ يتغير بعد ذلك التاريخ مع محاولة شركة جنرال موتور زيادة مبيعاتها من السيارات عن طريق الائتمان والأقساط حيث سرعان ما تلقفت الأسواق المالية هذه الفكرة لتبدأ بدورها في نشر ثقافة التعامل من خلال الهامش إلى درجة أنه أصبح بالإمكان أن تدفع 10% من قيمة الصفقة والباقي في شكل ائتمان أو اقتراض. وهكذا أصبح الاقتراض هو الأمر الشائع وأصبح المجتمع معتاداً عليه ما أدى إلى تزايد مستويات المديونية ليس فقط للأفراد ولكن للدول كذلك. وفي الواقع فإن ظاهرتي الاقتراض والمديونية تمثلان وجهاً آخر لأسباب حدوث الأزمات المالية. وكما نلاحظ حالياً فإن هناك تهافتاً كبيراً على الاستثمار في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بشكل قد يكون مبالغاً فيه، والإقبال الكبير على الاستثمار فى العملات المشفرة التي لا تخضع حتى الآن لتشريعات محكمة ومطمئنة يبعث بالتأكيد على التخوف من أن يؤدي مثل هذا النوع من المغامرة إلى فقاعات خطرة من شأنها أن تنتهي بأزمات مالية كبرى. وفي الواقع حتى الإقبال الكثيف على شراء الذهب والذي وصل سعره إلى 4300 دولار يعتبر مبالغاً فيه إلى حد كبير حتى وإن كان تبريره على أساس كونه ملجأ للتحوط والآمان. يبدو أن الإقبال والذي قد يكون متهوراً إلى حد ما في الاستثمار في كل من الذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة وحتى الذهب يمثل نوعاً من المضاربة أكثر منه استثماراً مدروساً. ولا شك في أن الطمع والجشع من الغرائز المتأصلة التي تصعب مقاومتها كما يعكسها الفيلم السينمائي المشهور وول ستريت للممثل الأمريكي مايكل دوغلاس، حيث يعرض الفيلم كيف أن الرغبة الشديدة في كسب أقصى ما يمكن من المال تحول دون التقييم السليم للمخاطر التي تنتهي في الغالب بأزمات مالية كارثية. 
*الرئيس السابق لصندوق النقد العربي

7 أكتوبر 2025
خطة غزة للسلام.. بارقة أمل قابلة للإحباط

الكل بالطبع يتطلع إلى نهاية للمأساة التي يعيشها أهل غزة منذ سنوات تخللتها شتى أنواع العذاب من قتل وجرح مئات الآلاف من المواطنين العزل، إلى تدمير منازلهم ومرافق البنية الأساسية كالطرق وخدمات الماء والكهرباء، إضافة إلى تدمير مرافق الخدمات الصحية هذا عدا منع المساعدات الإنسانية من الوصول إلى أهل القطاع، الأمر الذي زاد من معاناة السكان من تجويع وحرمان من العلاج والإسعافات الأولية.
ضمن هذه الظروف جاءت خطة الرئيس الأمريكي للسلام في غزة كبارقة أمل لوضع نهاية لهذه المرحلة المريرة التي مر بها وما زال يمر بها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة. وقد استبشر الكثيرون بأن هذه الخطة على الرغم مما قد يشوبها من محاذير وإخفاقات إلا أنها قد تحقق انفراجة مأمولة للأوضاع التي لم تعد تحتمل، خاصة أن هذه الخطة تنص على وقف فوري للحرب بمجرد موافقة الأطراف المعنية عليها، كما أنها تنص على انسحاب الجيش الإسرائيلي من غزة وإن كان ذالك بشكل تدريجي وغير محدد. ووفقاً لما ورد في هذه الخطة فلن يجبر أحد من أهالي غزة على التهجير في الوقت الذي سيكون لهم حرية الخروج والعودة إلى ديارهم متى شاؤوا. هذا إضافة إلى أن قوافل المساعدات سوف تتمكن من الدخول بيسر ومن دون عوائق متى تم الاتفاق على هذه الخطة. في المقابل، فإن حماس مطالبة بالتخلي عن أسلحتها وأن لا يكون لها دور في حكم أو إدارة غزة.
بالنسبة لإدارة الحياة اليومية للقطاع وما يتطلبه من خدمات بما يشمل خدمات الأمن والشرطة، فسيتم ذالك من خلال كوادر فلسطينية مختارة، إضافة إلى عناصر إدارية من بعض الدول العربية، بينما الإشراف العام، فسيتم من خلال لجنة دولية تحت رئاسة الرئيس الأمريكي سوف تدعى «لجنة السلام».
وكما هو معروف، فإن الشيطان يكمن في التفاصيل. هل إسرائيل ستلتزم حقاً بهذه الخطة؟ خاصة أن بعض أعضاء حكومتها يعتبرون الخطة بأنها تشكل تهديداً لأمن إسرائيل. على صعيد آخر من يضمن حماية الفلسطينيين سواء في غزة أو في الضفة من اعتداءات الجيش الإسرائيلي أو المستوطنين المتطرفين، خاصة إذا تم قبول التخلي عن سلاح المقاومة. هناك بالتأكيد إشكالات أخرى قد تظهر خلال تنفيذ هذه الخطة.
لذالك فإن المقترح المطروح هو في ظاهره أمر جيد، لكن كما يقول المثل الأجنبي إنه أكثر من جيد لدرجة يصعب تصديقه. بالنسبة للرئيس الأمريكي، فحسبما يبدو، فإن خطته ليست بالضرورة من منطلق تعاطفه مع الفلسطينيين بقدر ما هي لاعتبارات وحسابات شخصية إضافية، كما تخدم بالتأكيد مصالح إسرائيل، خاصة أن الخطة وضعت من قبل رئيس وزراء إسرائيل، وهي تختلف عن النسخة الأصلية التي تم عرضها على قادة الدول العربية والإسلامية في اجتماعهم مع الرئيس الأمريكي. على الصعيد الشخصي، فإن الرئيس الأمريكي يتطلع للفوز بجائزة نوبل للسلام، وقد صرح في أكثر من مناسبة بأن جهوده هذه إذا لم يتم تقديرها من خلال منحه جائزة نوبل للسلام، فإن ذلك إهانة لأمريكا.
الأمور تسير حسبما يبدو نحو الموافقة على هذه الخطة، إلا أن العناصر المتطرفة داخل الحكومة الإسرائيلية قد تفسد روح هذه الخطة، هذا عدا عن إمكانية عرقلة الإجراءات الخاصة بمراحل التنفيذ.
بالنسبة للفلسطينيين سواء في غزة أو في الضفة، فإنهم على ضوء ما يمرون به من معاناة لا توصف، فإنهم بالطبع يتعلقون بأية بارقة أمل. فهذه الخطة المقترحة مهما تضمنت من محاذير ومخاوف، فإنها مع ذلك تبدو أفضل من الوضع الحالي الذي يسود القطاع. كذالك، فإن تصريح الرئيس الأمريكي بأنه لن يقبل بأن تعمل إسرائيل على ضم الضفة الغربية، حيث يعتبر هذا التصريح في حد ذاته تطوراً إيجابياً مهماً لصالح القضية الفلسطينية، هذا إضافة إلى الزخم الذي حظيت به قضية فلسطين من خلال اعتراف عدد كبير من دول العالم بدولة فلسطين.
كل هذه التطورات تشير إلى تحول كبير ومهم لصالح القضية الفلسطينية، ومن دون شك، فإن الرأي العام العالمي كان له دور مهم في هذا التحول، كما أن الجهود الحثيثة للدول العربية والإسلامية وعلى رأسها الدور البارز الذي أدته المملكة العربية السعودية في حشد التوجه العالمي العام للاعتراف بدولة فلسطين والعمل على دعم مساعي حل الدولتين.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود، فقد لا تتحقق جميع الأمنيات، إلا أن هذه التطورات مع ذالك تمثل مؤشرات تدعو إلى التفاؤل، لكن لا ينبغي لنا مع ذلك الاستكانة والاكتفاء بما تم إنجازه، بل الإصرار على مواصلة العمل لنيل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني التي مع تحققها يمكن للمنطقة أن تعيش في أمن وسلام.

2 سبتمبر 2025
فرنسا على أبواب أزمة جديدة

د. جاسم المناعي*

يبدو أن فرنسا في مأزق سياسي جديد. البلد يعيش بدون موازنة وقريباً قد يعيش بدون حكومة. الأسباب الرئيسية ترجع إلى عدم التفاهم والانسجام بين الأحزاب السياسية الفرنسية، وبينها وبين حزب الرئيس الفرنسي إيمانيول مكرون. كما أن رئيس الوزراء فرنسوا بيرو معرض لحجب الثقة عن وزارته وذلك يوم الثامن من سبتمبر، حيث سيصوت فيه البرلمان الفرنسي حول هذا الموضوع. ووفقاً لمعرفة المؤيدين والمعارضين فإن فرصة أن يفلت رئيس الوزراء من حجب الثقة تبدو ضئيلة بالرغم من محاولته كسب أصوات الاشتراكيين لصالحه. والوضع برمته يضع الرئيس الفرنسي ماكرون في حالة محرجة، لأنه إذا تم حجب الثقة عن رئيس الوزراء الحالي فإن ذلك يمثل ثاني رئيس وزراء في حكومة ماكرون يتم حجب الثقة عنه على التوالي وفي أقل من عام واحد.
الأخطر من ذلك أن ينعكس الأمر بشكل سلبي على الأوضاع الاقتصادية الفرنسية. الأسواق المالية الفرنسية بدأت تستشعر مثل هذا الخطر حيث إن أسهم أهم البنوك الفرنسية أخذت في الهبوط، كما أن التقييم الائتماني لفرنسا من شأنه أن يتراجع وفقاً لذلك وبالتالي ارتفاع تكاليف المديونية العالية الذي تعانيه فرنسا حالياً. إن مختلف المؤشرات المالية الفرنسية لا تبدو على ما يرام. فعجز الموازنة يقدر بحوالي 5.4% من الناتج الإجمالي المحلي كما أن مديونية فرنسا تصل اليوم إلى 3.3 تريليون يورو أي ما يتجاوز حجم الاقتصاد الفرنسي وبما يمثل أكثر من 116% من الناتج الإجمالي المحلي. كذلك فإن العائد على السندات الفرنسية لمدة ثلاثين سنة يصل إلى 4.42% وذلك تعبيراً عن درجة المخاطر التي تواجه المستثمرين الذين يتطلعون إلى الاستثمار في الأصول الفرنسية.
هناك بالطبع محاولات من قبل الرئيس الفرنسي ومن قبل رئيس وزرائه وذلك لتخفيف عجز الموازنة حيث اقترح الرئيس الفرنسي رفع سن التقاعد كما اقترح رئيس الوزراء الاستغناء عن بعض الإجازات السنوية، إلا أن كل هذه المقترحات باءت بالفشل. وعلى ضوء هذا الوضع تسري حالياً في الأوساط الفرنسية بعض المخاوف من أن يؤدي هذا الوضع إلى اللجوء إلى صندوق النقد الدولي لانتشال الاقتصاد الفرنسي من المستوى الذي وصل إليه وفى مثل هذه الحالة تكون فرنسا شبيهة بأوضاع الدول الضعيفة التي تستنجد بصندوق النقد الدولي لإنقاذها مما وصلت إليه أوضاعها الاقتصادية.
المرجح أن فرنسا لن تتوقف عن سداد ديونها لكنها مع ذلك قد لا تتمكن من تحقيق معدلات نمو اقتصادي تتطلع إليها. والمشكلة تبدو سياسية أكثر منها اقتصادية حيث إن غالبية الأحزاب السياسية الفرنسية من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين غير راغبة في التعاون مع الرئيس ماكرون وتتقصد إضعافه، خاصة أنها مجتمعة تمثل أغلبية في البرلمان الفرنسي. المتوقع أن يعيش الرئيس الفرنسي ما تبقى من ولايته على هذه الحال حتى موعد الانتخابات الرئاسية القادمة في عام 2027. الإشكالية هي أن لا أحزاب اليسار ولا اليمين المتطرف قادرة على الوصول إلى السلطة بالرغم من اتساع شعبيتهما خلال السنوات القليلة الماضية.
بالنسبة لأهم أحزاب اليسار وهو حزب فرنسا الأبية، فبالرغم من كونه الأكثر شعبية في الأوساط اليسارية إلا أنه حسبما يبدو يتصف بالشعبوية كما أنه يثير بعض الشكوك لدى الناخب الفرنسي حول توجهاته، خاصة تجاه الاتحاد الأوروبي هذا إضافة إلى تباعده عن بقية الأحزاب اليسارية الأخرى وحتى عن نقابات العمال في بعض القضايا الأيديولوجية. أما بالنسبة لأحزاب اليمين المتطرف فإنها بالتأكيد استطاعت كسب شعبية واسعة خلال السنوات الماضية إلا أن إمكانية وصولها إلى السلطة لا تبدو مع ذلك كبيرة وذلك لعدة أسباب أولها أن الإرث الديغولي والاشتراكي لدى الشعب الفرنسي ما زال مؤثراً، لكن السبب الأهم هو أن زعيمة حزب اليمين المتطرف مارين لوبان قد حكم عليها مؤخراً بالفساد واختلاس المال العام، حيث أصدرت محكمة قضائية فرنسية أحكاماً ضدها منها السجن ودفع غرامة مالية هامة ومنعها من الترشح للانتخابات خلال الخمس سنوات القادمة، أي أنه إذا تم تثبيت هذه الأحكام خلال الاستئناف فإنها في هذه الحالة لن تستطيع الترشح للانتخابات الرئاسية القادمة في عام 2027. وبالتالي فإن هذا الحكم يحد ليس فقط من وصول رئيسة حزب اليمين المتطرف إلى السلطة بل أيضاً يضعف من حظوظ حزبها في الوصول إلى السلطة أيضاً.
على كل حال فإن مجريات الأمور سوف تتحدد بدءاً من يوم 8 من هذا الشهر حين يصوت البرلمان الفرنسي على موضوع طرح الثقة عن الحكومة الفرنسية عندها قد يصبح الوضع صعباً جداً على الرئيس الفرنسي ماكرون.
وكما يبدو فإن الخيارات أمام الرئيس الفرنسي أصبحت تضيق في محاولة تشكيل حكومة جديدة مقبولة من غالبية الأحزاب السياسية الفرنسية الممثلة في البرلمان خاصة أنه لا يؤيد تعين رئيس وزراء من اليسار المتطرف ولا من اليمين المتطرف في الوقت الذي لا يمثل أتباع حزب الرئيس الفرنسي ثقلاً كبيراً يتيح لهم القبول والتأييد من قبل غالبية أعضاء البرلمان. وهذا الوضع يمثل بالتحديد المأزق الذي تمر به الديمقراطية ليس فقط في فرنسا ولكن أيضاً في كثير من الدول الغربية، حيث الأحزاب المتطرفة الشعبوية سواء يسارية كانت أو يمنية استطاعت الحصول من خلال الاقتراع والانتخاب الديمقراطي على نسبة كبيرة من التمثيل البرلماني، إلا أن الناخب في الدول الغربية ما زال مع ذلك متخوفاً من توجهات هذه الأحزاب وما يمكن أن تؤول إليه الأمور في حال وصول هذه الأحزاب إلى السلطة. هذه في الواقع أهم المعضلات التي تواجه الديمقراطيات في الدول الغربية. على كل حال سوف تتضح الصورة أكثر خلال الأيام القليلة القادمة حول مدى حجم الأزمة السياسية التي تواجه فرنسا وإن غداً لناظره قريب.
*الرئيس السابق لصندوق النقد العربي
[email protected]

19 أغسطس 2025
تأثيرات الرسوم الجمركية الأمريكية

د. جاسم المناعي*

لقد تطرقنا في مقالات سابقة الى مدى جدوى الرسوم الجمركية في علاج العجز التجاري، الذي تعانيه أمريكا. والفكرة كانت على أساس أن العجز التجاري ما هو إلا أحد أعراض مشاكل الاقتصاد الأمريكي، وليس بالضرورة المشكلة في حد ذاتها. الآن وقد تم تطبيق سياسة الرسوم الجمركية، فلعلنا نتساءل عن تأثير مثل هذه السياسة في الاقتصاد الأمريكي أولاً، وفي اقتصادات العالم بشكل عام.
بعد كر وفر، أصبحت تأثيرات الرسوم الجمركية في صادرات دول العالم إلى الأسواق الأمريكية الى حد ما معروفة الآن، فيما عدا رسوم صادرات بعض الدول، التي ما زالت خاضعة لمزيد من المفاوضات كالوضع مع الصين، الذي أعطيت فيه الفرصة لمدة 90 يوماً أخرى لمزيد من الأخذ والرد. بالطبع ليست كل الدول راضية عن هذه الرسوم خاصة دول مثل كندا والمكسيك والبرازيل وسويسرا، كما أن رسوماً عالية أيضاً فرضت على الهند، ليس لها علاقة بوضع التجارة بين الهند وأمريكا، لكن لأسباب سياسية تتعلق بشراء الهند للنفط الروسي الخاضع للمقاطعة. بالطبع ما زالت هناك محاولات من قبل بعض الدول لتخفيض هذه الرسوم، خاصة من قبل كندا والمكسيك، وبالطبع الهند أيضاً، إلا أنه بشكل عام ومهما استقرت عليه هذه الرسوم، فلن تكون بالطبع في المستوى السابق نفسه. وبغض النظر عن المستوى الذي سوف تستقر عليه هذه الرسوم في النهاية، فإنها بالتأكيد سوف تحدث تغييراً كبيراً في العلاقات التجارية بين أمريكا وبقية دول العالم.
على صعيد أمريكا، فإن هذه الرسوم سوف تؤثر في قطاعات تجارية واقتصادية عدة. أول الملاحظات في هذا الشأن هو انخفاض مستوى الواردات الى الأسواق الأمريكية، فمع الرسوم الجديدة فإن بضائع بعض المصدرين لم يعد في إمكانها المنافسة في الأسواق الأمريكية. وأدى ذلك الى عدم توافر بعض البضائع والسلع، إضافة الى محدودية الخيارات لدى المستهلك الأمريكي، مقارنة بما كان عيه الحال في السابق. إضافة الى أن البضائع التي ما زالت تصل الى أمريكا، لم تعد أسعارها كما كانت، بل إن المستهلك الأمريكي أخذ يلاحظ بعض الزيادات في الأسعار على إثر تطبيق الرسوم الجديدة. ولا بد من الإشارة الى أن تأثير الرسوم الجمركية الجديدة لم يظهر حتى الآن بشكل كامل، بسبب أن جزءاً مهماً من السلع والبضائع المعروضة، هي من الدفعات التي سبق أن وصلت الى الأسواق الأمريكية، قبل تاريخ تطبيق الرسوم الجديدة. لذلك يعتقد أن الأسعار الجديدة سوف تظهر في فترة لاحقة، مما سينعكس في شكل معدلات تضخم أعلى من المستوى الحالي. كل هذه الأمور سوف تؤثر بالطبع في تقليص حجم الاستهلاك، كما أن ذلك سوف ينعكس على تردد أصحاب الأعمال في زيادة التوظيف، وإرجاء خطط الاستثمار والتوسع الى ظروف أخرى ملائمة أكثر. على صعيد آخر فإن الرسوم الجديدة قد تدفع بعض المصدرين الى التفكير في نقل عملياتهم الإنتاجية الى داخل أمريكا، وهذا في الواقع أحد أهداف الرسوم الجمركية، التي تسعى الى جلب مزيد من الاستثمارات وعمليات الإنتاج الى داخل أمريكا، لخلق مزيد من الأعمال والوظائف لصالح الاقتصاد الأمريكي. وبدون شك أن مثل هذا الهدف قد يكون قابلاً للتحقيق، إلا أن مثل هذه المسألة لن تكون بالسهولة ولا بالبساطة الممكن تصورها، حيث إن محاولة نقل عمليات إنتاج البضائع والسلع الى داخل أمريكا، سوف يظل يحتاج الى استيراد بعض المواد الأولية والمواد الوسيطة من الخارج، والتي ستنعكس الرسوم الجمركية عليها على سعر السلعة النهائية. إضافة الى أن تكلفة الأيدي العاملة في أمريكا هي بالطبع أعلى من غيرها في دول أخرى، الأمر الذي سينتهي في المحصلة بإنتاج بضائع وسلع أمريكية الصنع، لكن بتكاليف مازالت عالية، وسيظل المستهلك الأمريكي يفتقد الى السلع والبضائع التي كانت تصل الى الأسواق الأمريكية بأسعار أفضل. وبالتالي فإن الأسواق الأمريكية لم تعد توفر خيارات عديدة كالسابق، حيث أصبح على المستهلك الأمريكي شراء احتياجاته من البضائع والسلع المنتجة محلياً بغض النظر عن جودة المنتج، وعن مستوى أسعارها. لقد أصبحت الأسواق الأمريكية أشبه بالاحتكار على عكس ما تنادي به النظرية الرأسمالية من أهمية انفتاح الأسواق، وضرورة تشجيع روح وجو المنافسة. وهذا الوضع الجديد لا يبدو أنه يختلف كثيراً عن الوضع الذي ساد، خلال العهد الشيوعي، والذي لم تكن فيه للمستهلك خيارات غير شراء المنتج المحلي، بغض النظر عن جودته أو سعره. أما على صعيد تأثير الرسوم في الاقتصاد العالمي، فتشير بعض التقارير الى احتمال انخفاض معدلات النمو الاقتصادي العالمي، كما أنه من المرجح أن ينخفض مستوى وحجم التجارة العالمية، كما أن بعض الدول خاصة تلك التي طبقت عليها رسوم جمركية عالية، يمكن أن تعمل على تخفيض اعتمادها على الأسواق الامريكية في تصريف صادراتها أي أن التعاملات التجارية لهذه الدول مع أمريكا، يمكن أن تقل بشكل ملحوظ عما كان عليه الوضع في السابق. كما أن بعض هذه الدول قد تتجه الى فرض رسوم جمركية مماثلة على الصادرات الأمريكية. أما بالنسبة لتأثير الرسوم الجمركية في منطقتنا في دول مجلس التعاون، فلا يبدو أن هناك تأثيراً كبيراً، من جراء هذه الرسوم، أولاً نظراً لمحدودية انكشاف تجارة دول المنطقة على الأسواق الأمريكية، إضافة الى أن الرسوم المطبقة على دول المنطقة هي الأقل نسبياً، مقارنة بما هو مطبق على بقية دول العالم. لكن وبدون شك، فإن تأثير الرسوم الأمريكية الجديدة سوف يحدث تغييرات مهمة وكبيرة على طبيعة العلاقات التجارية الدولية، فبدلاً من حرية التجارة، التي اتفقت عليها واستفادت منها دول العالم، على الأقل خلال العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية، من خلال عضوية وقوانين منظمة التجارة العالمية، نجد أننا الآن نتجه الى سياسات تجارية معاكسة قائمة على الحماية ومتناقضة مع مبدأ وفلسفة الاقتصاد الحر، الذي روجت له أمريكا والدول الغربية بشكل عام، على أساس حرية انتقال عناصر الإنتاج وتوطن الصناعات، وفقاً للمزايا النسبية لكل دولة وليس على أساس اعتبارات سياسية أخرى. يبدو أن الوضع الجديد يؤسس لنظام تجاري ليس بالضرورة متفقاً عليه من قبل جميع الدول المعنية، لكنه مفروض بغض النظر ولاعتبارات اكثرها سياسية لا تحظى برضا بقية الدول، ولذلك فإن استدامة مثل هذا الوضع على المدى الطويل، قد تكون محل كثير من الشك.
* الرئيس السابق لصندوق النقد العربي

13 أغسطس 2025
تطورات قد تعجل خفض سعر الفائدة

د. جاسم المناعي*

على مدى الخمسة اجتماعات الماضية، لم يقتنع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، مع ذلك وطوال تلك الفترة، بضرورة تغيير سعر الفائدة بالرغم من المتغيرات - وإن كانت طفيفة - والتي طرأت على مستوى التضخم ومستوى البطالة، وكذلك الضغوط السياسية المستمرة من قبل الرئيس الأمريكي، للإسراع في خفض سعر الفائدة. على صعيد الضغوط السياسية، فقد استطاع البنك المركزي الأمريكي مقاومة الضغوط بالرغم من انشقاق عضوين من مجلس إدارة البنك، خلال الاجتماع الأخيرحول الموافقة على إبقاء سعر الفائدة دون تغيير. قد تكون لهذين العضوين اعتباراتهما في ما يخص الوضع الاقتصادي في أمريكا، إلا أنه وحسبما يبدو هناك اعتبارات سياسية حول مواقفهما من سياسة البنك المركزي، خاصة أن هذين العضوين، هما من الموالين للرئيس الأمريكي، وأحدهما هو أكبر المرشحين لخلافة الرئيس الحالي للبنك المركزي. على كل حال، فإن كل هذه الأمور، قد تكون الآن قد تم تجاوزها بفعل التطورات الأخيرة، التي قد تحسم قريباً الوضع بخصوص سعر الفائدة. أول هذه التطورات، هو تقرير وضع مستوى العمالة في الاقتصاد الأمريكي، حيث أشار التقرير الأخير إلى بوادر ضعف في الاقتصاد، وذلك من خلال مستوى منخفض لخلق الوظائف، الذي أتى أقل من التوقعات. ومثل هذه المؤشرات قد تنذر بأن الاقتصاد يتجه إلى حالة من الركود.
وفي مثل هذه الحالة، فإنه في العادة يعول على خفض سعر الفائدة، لتنشيط الاقتصاد، وتسهيل حركة الاقتراض لتحقيق مستوى أفضل من النمو الاقتصادي. هذا التقرير الخاص بمستوى العمالة صدر بعد الاجتماع الأخير للبنك المركزي الأمريكي، حيث إن موقف البنك قد يكون مختلفاً لو أن التقرير، صدر قبل ذلك الاجتماع. من التطورات الأخرى الهامة، والتي تؤثر بشكل رئيسي في تحديد وضع سعر الفائدة، هو مستوى التضخم، وحسبما يبدو فإن المستوى الحالي للتضخم ليس ببعيد عن المستوى المستهدف، ولذلك فإن أنصار خفض سعر الفائدة، يعتقدون بأنه ليس هناك من المؤشرات ما يدل على مستوى من التضخم المقلق. وقد يتعذر مثل هذا الموقف، إذا أظهرت التقارير القادمة تحسناً في وضع التضخم، أو على الأقل بقاء معدل التضخم على ما هو عليه.
طبعاً البنك المركزي الأمريكي له رؤية مختلفة في هذا الموضوع، حيث من ناحية يعتقد أن المعدل الحالي للتضخم ما زال أعلى من المستوى المستهدف، والأهم من ذلك اعتقاده بأن الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي، سيكون لها تأثير سلبي في مستوى التضخم، وأن تأثير هذه الرسوم، لم يظهر بعد تماماً وإن كان قد بدأ بالفعل في شكل بعض الارتفاعات في أسعار المستهلك، إلا أنه يعتقد بأن الأثر الكبير، سوف يظهر في فترة لاحقة. ومهما اختلفت الآراء حول هذا الموضوع، فإن التطور الآخر، والذي يتعلق بتركيبة مجلس إدارة البنك المركزي الأمريكي، سوف يحسم على الأرجح هذه الأمور. وكما يبدو فإن تركيبة مجلس إدارة البنك المركزي تميل أكثر فأكثر لصالح الرئيس الأمريكي. حالياً هناك عضوان في مجلس إدارة البنك المركزي يدينان بالولاء إلى الرئيس الأمريكي، كما أن الرئيس الأمريكي، أصدر مؤخراً قراراً بتعيين عضو جديد من أتباعه كبديل للعضوة التي استقالت من هذا المنصب منذ فترة وجيزة. وبالتالي تزداد الأصوات الموالية للرئيس الأمريكي في مجلس إدارة البنك المركزي.
إضافة إلى ذلك، وإذا تمكن الرئيس الأمريكي من تعيين رئيس جديد للبنك المركزي، بدلاً من الرئيس الحالي، فإن البنك المركزي يصبح تقريباً في فلك الرئيس الأمريكي، والنتيجة المباشرة في هذه الحالة هي بالتأكيد خفض سعر الفائدة، وقد يتم ذلك بأكبر وأسرع من المعتاد. لكن في هذه الحالة المسألة ستكون أكبر من مجرد خفض سعر الفائدة، حيث إن استقلالية البنك المركزي، تصبح محل تساؤل، كما أن قرارات البنك المركزي تصبح بدون شك مسيسة إلى حد كبير. على كل حال فإن كل هذه الاحتمالات، يمكن أن تكون عرضة للتغيير وفقاً لما سيصدر من تقارير جديدة حول التضخم ومستوى العمالة في الاقتصاد الأمريكي، خلال الأسابيع أو الأيام القليلة القادمة. وفي حال ارتفاع معدل التضخم عن المستوى الحالي فإن مثل هذا الوضع من شأنه أن يعمل في اتجاه مزيد من التأجيل حول خفض سعر الفائدة. كذلك إذا أشارت تقارير جديدة إلى قوة الاقتصاد، من خلال خلق عدد أكبر من الوظائف، فإن ذلك أيضاً من شأنه الاطمئنان أكثر على وضع الاقتصاد، واستبعاد دخول الاقتصاد في حالة من الركود الأمر الذي يضعف الحجة إلى اللجوء لخفض سعر الفائدة. كل هذه الأمور تعبر عن سيناريوهات، قد تحدث وقد لا تحدث، إلا أنه وحسب المعطيات الحالية، ووفقاً لآخر التطورات، فإن الاتجاه حسبما يبدو يذهب إلى خفض سعر الفائدة، وربما عن قريب.
*الرئيس السابق لصندوق النقد العربي