صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
عبدالله محمد الأشرم
الرئيس التنفيذي لمجموعة بريد الإمارات
أحدث مقالات عبدالله محمد الأشرم
26 نوفمبر 2023
التجارة الإلكترونية والوقاية من الاحتيال

عبدالله محمد الأشرم*
يتّسم عصرنا بتحولات رقمية غير مسبوقة أدت إلى تلاشي الحدود الفاصلة بين الاتصالات والتجارة وتبادل المعلومات، عن عالم مملوء بالفرص الفريدة والتحديات المعقّدة. وشهد القطاع الرقمي ظهور جيل جديد من المحتالين والمخادعين الذين يسعون إلى استغلال الأفراد والشركات باستخدام أساليب ومخططات ماكرة. وشهدت دولة الإمارات التي تشتهر بكونها مركزاً عالمياً للابتكار، ارتفاعاً مقلقاً في الأنشطة الاحتيالية، لا سيما الحالات التي ينتحل فيها المجرمون السيبرانيون صفة جهات مرموقة مثل بريد الإمارات.

ولا يعد تصاعد عمليات الاحتيال هذه مجرّد مسألة مصادفة؛ بل يمثل تحدياً متعدد الأوجه متجذراً بعمق في نسيج العصر الرقمي. ويُجسّد هذا الواقع حقيقة لا يُمكن إنكارها وهي أن أنماط حياتنا التي تعتمد بشكل متزايد على التكنولوجيا الرقمية أفسحت المجال، عن غير قصد، لهؤلاء المحتالين. ويتيح العالم الرقمي لهؤلاء المحتالين إمكانية إخفاء هويتهم، ما يُمكّنهم من تنفيذ مخططاتهم خلف عباءة السرية. ويواكب المحتالون التقدم غير المسبوق للتكنولوجيا، فتغدو أساليبهم أكثر تعقيداً، ما يُصعّب على الأفراد اليقظين التمييز بين أشكال التواصل الحقيقية والاحتيالية.

ومع ذلك، هناك جانب آخر لهذه الرواية يؤكد التحدي الذي نواجهه أمام نمط الحياة السريع الذي يفرضه واقعنا المعاصر. فمثلاً تُعرّضنا القرارات السريعة التي غالباً ما تكون مدفوعة بمتطلّبات نمط حياتنا اليومي، دون قصد للمخاطر التي يستغلها هؤلاء المحتالون. قد يُغشي القلق من احتمالية تفويت استلام شحنات مهمة بصيرتنا ويؤثّر في حُكمنا، ما يدفعنا إلى النقر على روابط مشبوهة دون أن نتوقف لحظة للتأكد من مصداقية الرسائل التي نتلقاها. ولذلك، يُعد التصيّد الاحتيالي أحد أكثر أساليب الخداع الرقمي دهاء، وهو أسلوب يستخدمه المجرمون السيبرانيون لانتحال صفة مؤسسات أو أفراد شرعيين لسرقة بيانات حساسة، مثل بيانات تسجيل الدخول أو المعلومات المالية.

وأبلغ سكان دولة الإمارات عن نوع شائع آخر من عمليات الاحتيال يتضمن رسائل نصية ورسائل بريد إلكتروني خادعة يدّعي مرسلوها زوراً أنها صادرة من إحدى شركاتنا «بريد الإمارات». وتطلب هذه الرسائل عناوين الشحن وتُطالب بالدفع لإكمال عمليات التوصيل. وغالباً ما يتم استهداف بريد الإمارات، الذي يعد جهة رئيسية فاعلة في مجال الخدمات اللوجستية في دولة الإمارات، بشبكة واسعة، ويدير أعداداً كبيرة من الشحنات شهرياً ويخدم ملايين المتعاملين سنوياً. إضافة إلى ذلك، يتمتّع بريد الإمارات بحضور قوي في قطاع التجارة الإلكترونية، كما يُشرف على أسطول كبير من مسؤولي التوصيل والمركبات، ما يؤكد أهميته ونطاق وصوله الواسع في دولة الإمارات. وعليه، تعد المجموعة هدفاً جذاباً للمحتالين الذين يسعون إلى استغلال سمعتها الطيبة.

وفي محاولة لمواجهة التحديات التي فرضها التحوّل الرقمي، اتخذت دولة الإمارات تدابير جوهرية لتعزيز وضع الأمن السيبراني في البلاد في سياق الاقتصاد الرقمي القائم على الذكاء الاصطناعي والاعتماد الكبير على تطبيقات العمل عن بعد. وتشمل هذه التدابير إنشاء مجلس الأمن السيبراني لحكومة دولة الإمارات والهيئة الاتحادية للهوية والجنسية والجمارك وأمن المنافذ، والهيئة الوطنية للأمن الإلكتروني، إلى جانب تطبيق قوانين ولوائح صارمة للأمن السيبراني، والتي تشمل قانون حماية البيانات الشخصية. وإضافة إلى ذلك، تعمل الدولة على بناء قاعدة راسخة من القوى العاملة الماهرة في مجال الأمن السيبراني من خلال برامج التعليم وإصدار الشهادات، والمشاركة بنشاط في المنتديات الدولية للأمن السيبراني لمواكبة أفضل الممارسات العالمية.

وفي الوقت ذاته، تلتزم مجموعة بريد الإمارات بمكافحة الاحتيال من خلال تنفيذ إجراءات أمنية قوية والعمل بشكل وثيق مع السلطات المعنية لتحديد المسؤولين عن هذه الأنشطة الاحتيالية وتقديمهم للعدالة. وإضافة إلى ذلك، تم توقيع عدد من الشراكات الدولية لملاحقة هؤلاء المجرمين، خاصة عندما ينشطون خارج حدود دولة الإمارات. ونؤكد في مجموعة بريد الإمارات أهمية أخذ الحيطة والحذر عند تلقي رسائل احتيالية تدعي أنها تمثل مجموعة بريد الإمارات أو أي من الشركات الفرعية التابعة لها. من الضروري إدراك أن المجموعة تمضي في التحويل تدريجياً من استخدام الرسائل القصيرة (SMS)، إلى استخدام حسابها الموثق على «واتس آب» للتواصل مع المتعاملين. أما بالنسبة للمدفوعات ولضمان إجراء معاملات آمنة، نوفّر بوابة دفع موثوقة ومتاحة حصرياً عبر مواقعنا الإلكترونية وتطبيقاتنا الرسمية. ويتجلى التزامنا بالأمن من خلال أنظمة الأمان المتقدمة، والمبادرات المستمرة لتثقيف الجمهور وتشجيع ممارسات الدفع الآمنة، واستجابتنا السريعة لاستفسارات المتعاملين فيما يتعلق بمصداقية الاتصالات.

ويمكن أن تكون عواقب الوقوع ضحية لعمليات الاحتيال هذه مدمرة للغاية. وإضافة إلى الخسائر المالية، قد يتعرض الأفراد لسرقة الهوية، ما يؤدي إلى سلسلة من التعقيدات القانونية والشخصية. وعلى صعيد الشركات، يُمكن لهجوم التصيد الاحتيالي الناجح أن يعطل عملياتها، ويشوه سمعتها، ويعرض بيانات المتعاملين الحساسة للخطر، ما قد يؤدي إلى عواقب قانونية وفقدان الثقة.

وعلاوة على ذلك، فإن التفاعل المعقد بين الأنظمة المالية العالمية وسهولة إجراء المعاملات عبر الحدود قد زود المحتالين بقوة إضافية، ما سمح لهم بالعمل خارج نطاق الولاية القضائية لدولة الإمارات. ويؤكد هذا الواقع الواضح أهمية التعاون القوي، ليس فقط بين شركات البريد وشركات التوصيل مثل بريد الإمارات، لكن أيضاً على صعيد وطني ودولي أوسع، لتوحيد الجهود في مواجهة هذه الأنشطة الضارة ومكافحتها.

ولمكافحة هذا المد العارم من الاحتيال الرقمي، يتوجّب علينا تسخير أقوى أدواتنا ألا وهي المعرفة والوعي. ويجب علينا الاستفادة من هذه الأصول لتثقيف السكان وتعزيز دفاعاتنا الجماعية ضد عمليات الاحتيال هذه. ومن خلال تشكيل صفٍ موحد تتضافر فيه جهود الأفراد والشركات والسلطات التنظيمية، يمكننا تعزيز تدابيرنا الأمنية، وبالتالي خلق بيئة رقمية أكثر أمناً. ويمكننا التعاون لإحباط المحاولات الجريئة للمحتالين، لحماية وضمان جودة حياة جميع المقيمين في دولة الإمارات والحفاظ على سمعة الدولة مركزاً آمناً وموثوقاً للأعمال والاتصالات.

وتؤكّد مجموعة بريد الإمارات التزامها الراسخ بضمان سلامة جميع عملائها والحفاظ على ثقتهم على امتداد خدماتها. وتدأب الشركة على مكافحة عمليات الاحتيال الماكرة عبر الإنترنت، وتثقيف الجمهور حول ضرورة أخذ الحيطة والحذر، وأهمية الإبلاغ الفوري عن أي أنشطة مشبوهة. ويأتي ذلك في إطار مجهود جماعي لحماية مجتمعنا من هذه المخططات، وهي مسؤولية نأخذها على محمل الجد. ومن الضروري لنا جميعاً أن نتعاون لحماية العالم الرقمي والحفاظ على سلامة دولة الإمارات.

*الرئيس التنفيذي لمجموعة بريد الإمارات

11 يوليو 2023
التغيرات في بيئة الاستدامة والخدمات اللوجستية

عبدالله محمد الأشرم *

تمثِّل استضافة دولة الإمارات النسخة ال 28 من مؤتمر اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ «COP28» هذا العام فرصةً مهمةً لإبراز التزام الدولة بمبادئ الحماية البيئية والنمو المستدام للأعمال، حيث سيجمع هذا المؤتمر الدولي البارز القادة من جميع أنحاء العالم، بمن فيهم 80 ألف مندوب رسمي و140 رئيس دولة وأكثر من 5 آلاف إعلامي، للبحث في قضية التغير المناخي وأهمية حشد الجهود لبناء مستقبل مستدام. كما يساهم هذا الحدث في ترسيخ مكانة دولة الإمارات كمركزٍ للنمو الاقتصادي المستدام، والتأكيد على ضرورة اتباع الممارسات الصديقة للبيئة في جميع القطاعات، بما في ذلك التصنيع والسياحة والخدمات اللوجستية.

يعتبر قطاع الخدمات اللوجستية أحد القطاعات الحيوية في الاقتصاد العالمي، حيث يساعد في تسهيل حركة البضائع وضمان توفّر المنتجات ودعم مختلف القطاعات. إلَّا أنه في الوقت ذاته يعد أحد المسببين لانبعاثات الغازات الدفيئة، في ظل استخدامه للوقود الأحفوري في عمليات النقل والتخزين الأمر الذي يؤثّر بدوره سلباً على البيئة. في هذا الصدد، يمكننا المساهمة في التخفيف من الأثر البيئي من خلال تعزيز تبني الممارسات البيئية المستدامة كأولوية أساسية، ويشمل ذلك استخدام المنشآت والمخازن التي تعمل وفق أعلى معايير الاستدامة وكفاءة الطاقة المستخدمة، بالإضافة إلى المركبات التي تستخدم الوقود البديل وطرق النقل المثلى، إلى جانب تطبيق حلول التغليف المستدامة. يلعب شركاء الأعمال دوراً مهماً في هذا المجال، حيث يجب التأكد من التزامهم بمعايير الاستدامة للمساهمة في تطوير مجمع أعمال صديق للبيئة.

بالإضافة إلى ذلك، تحرص الشركات اليوم على النظر في الأثر البيئي الناجم عن عملياتها، في ظلِّ المخاوف البيئية والحاجة إلى تحقيق الاستدامة، والتي من شأنها رسم ملامح جديدة لقطاع اللوجستيات، ويستدعي ذلك الاستثمار في التكنولوجيا وتطبيق استراتيجية التحوّل الرقمي المتكاملة للحد من البصمة البيئية من خلال تحقيق التنقل النظيف وخفض التكاليف وتعزيز سلاسة العمليات. ومن المؤكد أن الشركات التي تتقاعس عن اعتماد الممارسات الصديقة للبيئة والتكيف مع التوجهات الجديدة ستتعرَّض لمخاطر طويلة الأمد ستعرقل استمراريتها وتنمية أعمالها مستقبلاً.

وتقدّم التقنيات الرقمية الحديثة حلولاً مختلفة لخفض الأثر البيئي الناجم عن أعمال قطاع الخدمات اللوجستية، ويتوجَّب على قادة الأعمال تحديد التقنيات التي تتماشى مع نموذج الأعمال الخاص بالشركة وتطوير استراتيجيات الرقمنة المرنة، بالإضافة إلى دمج المركبات الكهربائية في أعمالها، والتي تحد من انبعاثات غازات الدفيئة والاعتماد على الوقود الأحفوري. علاوة على ذلك، فإن تبني مصادر الطاقة المتجددة من خلال تسخير الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح أو غيرها من بدائل الطاقة المستدامة المستخدمة في تشغيل العمليات، يقلل من البصمة الكربونية.

نحن في مجموعة بريد الإمارات ندرك، التأثير المستمر الذي تطرحه عملياتنا اليوم على البيئة والمجتمع ورفاهية الأجيال القادمة، والذي دفعنا إلى إدراج الاستدامة كأولوية في استراتيجية أعمالنا. وها نحن اليوم نتنافس مع اللاعبين والشركاء العالميين الآخرين ونبحث في تطبيق أفضل الممارسات في عملياتنا اليومية، حيث انضممنا مؤخراً بشكلٍ رسمي إلى «التعهد المناخي» وهو مجتمع متعدد القطاعات من الشركات التي تعمل معاً لمعالجة التغير المناخي بهدف تحقيق صافي انبعاثات صفرية بحلول عام 2040، بما يتماشى مع المبادرة الاستراتيجية للحياد المناخي 2050 لدولة الإمارات. وننظر بثقةٍ حيال الدور المحوري الذي سيؤديه مؤتمر الأطراف هذا العام، بوصفه منصة تعاونية دولية عالية المستوى، في دفع عجلة الاستدامة في قطاع الخدمات اللوجستية داخل دولة الإمارات وخارجها.

وانطلاقاً من مسؤوليتنا كقادة أعمال، يتعين علينا العمل على التصدي للتحديات الراهنة، وتأمين مستقبل أفضل للأجيال القادمة.

وتحرص مجموعة بريد الإمارات على مواصلة السير بعزمٍ وإصرار في مسيرة الاستدامة ومضاعفة جهودنا لمواجهة كافة التحديات التي تعترض طريقنا بهدف تحقيق الرؤى والمستهدفات البيئية. ومن المؤكد أن مؤتمر الأطراف 28، وغيره من المنتديات المناخية العالمية، سيساهم في إرساء الدعائم لبناء مستقبل مستدام من خلال بناء أطر للتعاون بين القادة العالميين، وتعزيز التوظيف الأمثل للموارد، ودعم تبني الحلول الرقمية. كما أننا على ثقةٍ بأن التعاون والعمل المشترك هو أساس تحقيق الاستدامة في جميع المجالات وبناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة.

* الرئيس التنفيذي لمجموعة بريد الإمارات