الخليج ،صحيفة يومية تصدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر بمدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أنشئت عام 1970 على يد الشقيقين المرحومين تريم عمران تريم وعبدالله عمران تريم | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
عبدالحسين شعبان
أكاديمي ومفكر وكاتب عراقي
أحدث مقالات عبدالحسين شعبان
8 مايو 2024
غزة وبوصلة بعض المثقفين الغربيين

عبد الحسين شعبان

صيحة «العار.. العار» التي رددها ياسر عرفات لحظة سماعه بمجازر صبرا وشاتيلا، تجد صداها حين يقف فيلسوف بوزن يورغن هابرماس متضامناً مع المرتكبين، ويُصدر بياناً بذلك ليعلّمنا «مبادئ التضامن» مع عدد من زملائه، أحدهم يُدعى فيلسوف التسامح راينر فورست، والثاني أحد أعمدة فلاسفة القانون كلاوس غونتر، والثالثة عالمة السياسة تدعى نيكول ديتهوف، وغيرهم.

البيان يذهب بعيداً لتبرير «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها» ضدّ الفلسطينيين الأبرياء العزّل، في ممارسة حوّلت كل ما في جعبتها من سردية الهولوكوست اليهودي لتقوم بتطبيقه فعلياً على الفلسطينيين، وتطالبهم فوق كل ذلك بالاستسلام دون قيد أو شرط، عارضة عليهم خياراً وحيداً هو الموت.

لا يكتفي البيان بذلك، بل يلقي المسؤولية الكاملة على حركة المقاومة، لأنها قامت بعملية طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 ضدّ الاحتلال الإسرائيلي، مع أن القوانين الدولية بما فيها المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة تجيز للشعوب استخدام جميع الوسائل من أجل التحرر الوطني والدفاع عن النفس، علماً بأن إسرائيل، التي تأسست بموجب القرار 181 لعام 1947، القاضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين، تجاوزت قرارات الأمم المتحدة لتحتل كامل فلسطين، بما فيها الجزء الشرقي من القدس وتضمّها إليها باعتبارها عاصمة موحدة وأبدية لها، خلافاً لقرارات مجلس الأمن الدولي، وخصوصاً القرار رقم 478 الصادر في 20 آب/ أغسطس 1980، والقاضي ببطلان قرار الكنيست وعدم شرعية احتلال الأراضي وضمّها بالقوّة، كما دعا الدول إلى سحب بعثاتها الديبلوماسية من القدس.

لقد تجنّب بيان «مبادئ التضامن» أي إشارة يُفهَم منها إدانة إسرائيل، معتبراً تاريخ 7 أكتوبر هو الفاصل في مساءلة ما حصل، دون التوقف عند الاحتلال والاستيطان والإجلاء والقمع والحصار والقضم التدريجي للأراضي الفلسطينية، فضلاً عن رفضها حل الدولتين، وتشريعها «قانون الدولة القومية لليهود في إسرائيل»، الصادر في 19 تموز/ يوليو 2018، والذي هو تعبير صارخ عن النهج الاستعلائي الذي قامت عليه إسرائيل ضدّ سكان البلد الأصليين. وينفي البيان، باستخفاف لا يليق بعلماء وفلاسفة، تهمة «الإبادة الجماعية»، التي تقوم بها السلطات الإسرائيلية في غزة، تلك التي أكدتها محكمة العدل الدولية في قرارها الصادر في 26 كانون الثاني/ يناير 2024، خصوصاً برفضها تقديم المساعدة العاجلة للفلسطينيين، الذين يُقطع عنهم الماء والغذاء والدواء وأبسط مستلزمات الحياة، ناهيك عن سقوط ما يزيد على 33 ألف ضحية وأكثر من 100 ألف جريح، واضطرار نحو مليون و300 ألف إلى مغادرة ديارهم باتجاه رفح، التي تقوم الدعاية الإسرائيلية على التهديد باقتحامها في نوع من الحرب النفسية، يكون ضحاياها بالدرجة الأساسية الأطفال والنساء والشيوخ. لقد ظل فيلسوف مثل هابرماس وعدد من زملائه، يثقلون رؤوسنا بالحديث عن قيم الحريّة وحقوق الإنسان والديمقراطية، الأمر الذي أصابنا في موقفهم الأخير من حرب الإبادة الجماعية في الصميم، خصوصاً أننا نتشارك معهم في ذات القيم الإنسانية التي نؤمن بها.

قد يكون موقف بعض المثقفين الغربيين صادماً للمعايير الأخلاقية والإنسانية، لكنه ليس مفاجئاً، فقد سبق لجان بول سارتر أن اتخذ الموقف ذاته مع صديقته سيمون دي بوفوار، وذلك عشية وخلال عدوان حزيران/ يونيو 1967.

وكان سارتر قد قرر الخروج عن مواقف الصمت والحياد التي اتخذها، مبدياً رغبته في الاطلاع على المزيد من المعلومات بعد تأسيس منظمة التحرر الفلسطينية في عام 1965، وبدأها بزيارة مصر وغزة وإسرائيل، وكان ينوي إصدار عدد خاص من مجلة «الأزمنة الحديثة»، التي كان يدير تحريرها صديقه كلود لانزمان، وقد استُقبل في القاهرة، التي وصلها بطائرة خاصة، من قبل مثقفين مصريين كبار، مثل لطفي الخولي وأنيس منصور وحسين فوزي ولويس عوض وتوفيق الحكيم، ثم زار غزة في مطلع آذار/ مارس عام 1967 واطّلع على مخيمات اللاجئين في جباليا ودير البلح وخان يونس، وهي المناطق التي تعرّضت اليوم لحرب إبادة.

ورغم من مشاهدته حجم الفقر والبؤس الذي يعانيه اللاجئون، فإنه لم يكترث بذلك، بل حاول توجيه أسئلة إلى بعض الأهالي حول مستقبل إسرائيل واليهود، وهو ما كان منشغلاً به، وأظهرت سيمون دي بوفوار لاحقاً امتعاضها من تلك الزيارة، وألقت اللوم على الفلسطينيين في تردّي أوضاعهم، ودار بعدها حوار بهذا الخصوص بين الرئيس جمال عبد الناصر وسارتر، ودوّنه محمد حسنين هيكل في كتابه «الانفجار».

وبدلًا من إعجابه بقدرة الفلسطينيين على الصمود أبدى إعجابه بالمستوطنات الزراعية «الكيبوتسات» التي اعتبرها تجربة «اشتراكية» واعدة، مبدياً تعاطفه مع بعض الناجين من المجزرة النازية، متناسياً ضحايا الاحتلال الإسرائيلي.

أعادنا بيان هابرماس إلى موقف سارتر وبعض المثقفين الغربيين المنحازين بشكل أعمى إلى إسرائيل، وهي مواقف علينا أن نتفحصها بعمق ودقة دون أن نكفر بقيم التنوير والحداثة والحقوق الإنسانية، ودون أن ننسى أن العديد من المثقفين الغربيين في أمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية وأوروبا، اتخذوا مواقف مؤيدة للحق الفلسطيني، وأصدر نحو 200 مثقف رفيعي المستوى بياناً بعنوان «فلسفة من أجل فلسطين»، انتقدوا فيه إسرائيل وتراثها الاستعماري الاحتلالي، بينهم المفكر السلوفيني سلافوي جيجك، والفيلسوفتان الأمريكيتان نانسي فريزر وجوديث بتلر، وما مواقف الجامعات الأمريكية والأوروبية اليوم إلّا خير دليل على اتساع حركة التضامن مع فلسطين واقتفاء المثقف بوصلة الحرية والحق والعدل.

[email protected]

1 مايو 2024
غزة.. والحرب الأكاديمية

عبد الحسين شعبان

مرّت قبل أيام الذكرى اﻟ76 لتأسيس أول اتحاد طلابي عراقي، والذي انبثق في ساحة السباع ببغداد في 14 إبريل 1948، يوم التهب الشارع الطلابي والوطني مردداً قصيدة الشاعر الكبير الجواهري «أخي جعفر»، والتي يقول في مطلعها:

أَتعلَمُ أمْ أنتَ لا تَعلمُ... بأنَّ جِراحَ الضَّحايا فمُ

وحينها كانت الحركة الطلابية العراقية والعربية تمثّل رأس حربة أحياناً في المواجهة وفي إشعال فتيل التظاهرات والاحتجاجات، في إطار الحركة الوطنية، لا سيّما دورها المتميّز في نصرة الشعب العربي الفلسطيني وقضيته العادلة على مدى التاريخ المعاصر، وخصوصاً ما حصل بعد العدوان الثلاثي الإنكلو - فرنسي الإسرائيلي على مصر في عام 1956 وعدوان 5 يونيو 1967 على الأمة العربية من جانب إسرائيل.

وإذا كانت الحركة الطلابية العالمية شهدت مواجهات مفتوحة رفضاً للنظامين الرأسمالي الاستغلالي والاشتراكي البيروقراطي في عام 1968، وخصوصاً ما سمي «ربيع باريس وربيع براغ»، فإنها امتدّت إلى عدد من البلدان الغربية والعديد من دول أمريكا اللاتينية، علماً بأن الحركة الاحتجاجية كانت تمور في عدد من البلدان العربية، حيث شهد العراق في أواخر عام 1967 ومطلع عام 1968 إضرابات طلابية عارمة تحت عناوين مهنية ومطالب وطنية وقومية عامة، كما شهدت مصر حراكاً طلابياً واسعاً في شباط/ فبراير عام 1968، لم تكن القضية الفلسطينية بعيدة عنه.

وللأسف فإن التحرّك الطلابي في العالم العربي بعد العدوان الإسرائيلي على غزّة لم يشكّل حالة نضالية إيجابية ناهضة، قياساً بما يوازيها في الجامعات الغربية الأمريكية والأوروبية، على الرغم من محاولات الكبح والتضييق التي تعرّضت لها الأخيرة، حيث تعرّض رؤساء جامعات هارفارد وبنسلفانيا ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إلى المساءلة أمام الكونغرس، وهو ما دعا عدداً من رؤساء الجامعات إلى الاستقالة وإعفاء آخرين من مناصبهم، خصوصاً بعد استدعاء رئيسة جامعة كولومبيا للشرطة لفضّ الاعتصام الطلابي، وجرت احتجاجات وتظاهرات واعتقالات في 62 جامعة ومعهد تضامناً مع فلسطين، والأمر سار على هذا النحو في بريطانيا وسويسرا وفرنسا وألمانيا وغيرها، على الرغم من القمع الممنهج.

ولعلّ مثل هذا الإجراء غير المسبوق طرح عدداً من التساؤلات المشروعة حول جوهر الديمقراطية الأمريكية وروحها، ودور مؤسسات التعليم في بعدها الأخلاقي، وعلاقة ذلك بالمصالح السياسية على حساب القيم الفلسفية والإنسانية، خصوصاً فيما يتعلّق بحريّة التعبير، ومدى المسموح والمحظور به في الجامعات، إضافة إلى تساؤلات حول استقلالية التعليم العالي وتمويلاته. وكانت 13 جامعة أمريكية قد أنشأت في أيلول/ سبتمبر 2023، وقبل حرب إسرائيل على غزّة، مجموعة للدفاع عن حريّة التعبير بوجه ما اعتُبر تهديداً للديمقراطية الأمريكية.

وكانت مؤسسة «فاير» للحقوق الفردية وحريّة التعبير، قد اعتبرت أن الحريّة الفكرية لا يمكن أن تسير كما يجب إذا كان الطلبة وأعضاء هيئة التدريس يخشون من العقاب بسبب التعبير عن آرائهم. وقبل سنوات هدّد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الجامعات بحرمانها من التمويلات البحثية الفيدرالية إذا لم تحافظ على «حريّة التعبير» في الحرم الجامعي. ومثل هذا الرأي هو سلاح ذو حدين، خصوصاً لمحاولات توظيفه واستخدامه، وهو ما ظهر على نحو صارخ في إشكاليات ومشكلات تتعلّق بالموقف من عدوان إسرائيل على غزّة، الأمر الذي يصيب في الصميم القيم والمبادئ التي تقوم عليها العملية التعليمية الأمريكية تاريخياً، بل إنه يهدّد بتصدّعها.

وكانت بعض الأوساط الأكاديمية المؤيدة للعرب تردّد أن فلسطين مستثناة من «الحق في التعبير»، مشيرة بإصبع الاتهام إلى الانحيازات المسبقة لصالح إسرائيل، لا سيّما بإلصاق تهمة معاداة السامية ودعم الإرهاب بمن ينتصر لغزّة، حيث تردّد أن ثمة قوائم سوداء يتم إعدادها ضدّ الأساتذة الذين ينتقدون إسرائيل، حيث تعرّض بعض المؤيدين لفلسطين إلى ضغوط كبيرة وممارسات قمعية وصلت إلى تهديد بعضهم في مكاتبهم واعتقال بعضهم.

لقد أشعل العدوان على غزّة حرباً أكاديمية، ففي البداية توجّه الجزء المهيمن من الرأي العام الغربي المؤيد لإسرائيل إلى التنديد بعملية «طوفان الأقصى»، لكن تصاعد وتيرة عمليات الإبادة الجماعية ضدّ المدنيين الفلسطينيين وصدور قرار محكمة العدل الدولية في لاهاي في 26 يناير 2024، أحدث انعطافاً كبيراً في الرأي العام الغربي وتوجهاته، بما فيه لدى بعض اليهود الشباب، وهو ما انعكس في تحركات وأنشطة تندد بالعدوان الإسرائيلي وتدعم فلسطين بصورة غير معهودة.

وبغض النظر عن مآلات الصراع ونتائجه في غزّة، فإن الوضع الأكاديمي في الجامعات الغربية لن يعود إلى سابق عهده، بل إن ثمة تحوّلاً نوعياً إزاء القضية الفلسطينية قد أصبح واقعاً، ولم يعد مقتصراً على الطلبة العرب، الذين يدرسون في الجامعات الغربية، بل تخطاه إلى شرائح واسعة من الطلبة الغربيين وغيرهم.

ولعلّ ذلك قد يؤدي إلى تغييرات مستقبلية ببروز قيادات مختلفة عن سابقاتها، التي كانت مؤيدة لإسرائيل بصورة تقليدية وعمياء. وقد تنشأ جماعات ضغط جديدة عربية تكون موازية لجماعات الضغط الإسرائيلية، وهو الأمر الذي يحتاج إلى دعم عربي شامل، لا سيما من جانب الحكومات العربية. فقد أطاحت غزّة بالشعارات الرنانة، ووضعت الجميع أمام استحقاقات جديدة ذات أبعاد إنسانية، بما فيها إعادة النظر بالديمقراطيات الغربية ذاتها، والتي يطلق عليها المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي «الديمقراطيات المنقوصة».

[email protected]

24 أبريل 2024
عن ظاهرة الترامبية

يستغرب كثيرون كيف تمكن دونالد ترامب، وهو من خارج النخبة السياسية المهيمنة من الوصول إلى السلطة (2016)، وحتى بعد خسارته في انتخابات العام 2020، فإنه بقيَ في المشهد السياسي، وكما يقول عن أنصاره إن ثلاثة أرباعهم يعتقدون أنه فاز في الانتخابات، وهو ما يدعوه اليوم إلى رفع صوته عاليًا للثأر من خصمه اللدود في الانتخابات المقبلة، التي ستجرى في شهر تشرين الثاني / نوفمبر 2024.

كان فوز ترامب مفاجأة كبرى، حيث كانت جميع الاستطلاعات ترجّح فوز منافسته هيلاري كلينتون، لكنه بحكم نجوميته وعلاقاته بعالم المال والأعمال والإعلام، تمكن من إحراز النصر عليها، واستطاع قلب المشهد السياسي، وظلّ متشبثًا بأحقيته حتى حين خسر أمام بايدن.

لم يهمل ترامب وسيلة لمقارعة بايدن، سواء كانت شخصية أم مالية أم قانونية أم إعلامية أم شعبوية، إلّا واستخدمها لتحقيق مآربه والوصول إلى مبتغاه، مستندًا إلى كارزميته وقوّة شخصيته وتمكّنه من الحصول على دعم الحزب الجمهوري، وهكذا أخذت تتشكّل «الترامبية» ويتجمّع حولها الأنصار، لا باعتبارها ظاهرة عابرة، بل بوصفها وليدة تشابك العديد من المصالح والتوجهات والروافد، التي التقت في تيارها.

وكانت فترة رئاسة أوباما واحدة من أسباب ظهورها، وبالتالي حصولها على قاعدة شعبية أوسع من القاعدة التي يهيمن عليها الحزب الجمهوري تاريخياً، فإضافة إلى أصحاب المصالح والمهن المرتفعة الدخل، فإن الاتجاهات العنصرية التي رفعت لواء الحمائية ومناهضة الهجرة غير الشرعية وتجاوز البيروقراطية الحكومية، كانت خلفية فكرية لها، وهكذا حاول ترامب اللعب على عدد من الشعارات الشعبوية التي شكّلت إطاراً عاماً للتيار الترامبي في السياسة الأمريكية، على المستويين الداخلي والخارجي، بما فيه العلاقة مع روسيا، ولا يزال هناك من يعتقد أن فوز ترامب في الانتخابات المقبلة سيوقف الحرب في أوكرانيا، خصوصًا بالامتناع عن تقديم المساعدات لها.

وإذا كان ترامب يسعى لتجديد الحزب الجمهوري وتوسيع قاعدته الاجتماعية، فإنه اشتغل حتى قبل تولّيه سدة الحكم على ما عُرف ﺑ «فن الصفقة»، وهو عنوان كتابه الصادر في العام 1987، وكان المال، ولا يزال، عنصراً أساسياً في توجهه، فقد استعان به على شحّ خبرته السياسية والحكومية والعسكرية، ويمكن الاستدلال على ذلك، بتصريحاته المثيرة للجدل وسلوكه الغريب أحيانًا، سواء خلال حملته الانتخابية أو بعدها، بما فيه خلال فترة رئاسته، ناهيك عن بعض تصرفاته التي تنمّ عن مسحة استعلائية ضدّ المرأة، فضلاً عن محاولات التفافه على القانون للتخلّص من عبء الضرائب، وركّز على الإعلام لمواجهة خصومه وعشرات الدعاوى القانونية، إضافة إلى مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، وقد تمكّن من إزاحة منافسيه من الحزب الجمهوري، حتى بدا هو الأول في مواجهة بايدن الديمقراطي.

ثمة أسباب عديدة لظهور «الترامبية»، لاسيّما في ظلّ تعمّق التوجهات المحافظة، وهي موجودة في المجتمع أساساً، وانعكست على السياسة بالطبع، وهكذا أخذت تنشأ بالتدرّج ما يمكن أن نطلق عليه «الترامبية»، وهذه الأخيرة يمكن تلمّسها عبر عدد من المجسّات الأساسية التي شكّلت سداها ولحمتها؛

*أولها – سلوك طريق الشهرة، من خلال علاقته بالمشاهير، سواء كانوا نجوماً سينمائيين أو كتاباً أو صحفيين، وقسم منهم اضطلعوا بأدوار في السياسة الأمريكية، ومن أبرزهم الرئيس الأسبق رونالد ريغان، وهكذا تمكّن من تقديم نفسه باعتباره صاحب قرار ويمتلك إرادة قوية ويستطيع أن ينفّذ ما يضعه كبرنامج من دون تردّد أو خشية، بالرغم من الأخطاء الفادحة التي وقع فيها، سواء خلال فترة حكمه أو في حملاته الانتخابية.

*ثانيها – إثبات فشل السياسيين التقليديين، الذين لم يحسنوا إدارة الحكم، حسب رأيه، لذلك سار على خطى ريغان، الذي كان يردد أنه مواطن عادي وغير سياسي، وأن لديه اعتقادًا راسخًا بأن السياسيين هم الأكثر إزعاجًا للمواطن، وما مكنّه من التبجّح بذلك أكثر، هو كونه «مليارديراً» وليس بحاجة كبيرة إلى جماعات الضغط كما يحتاجها غيره.

*ثالثها – إعلاء النزعة القومية المعادية للمهاجرين، وموقفه الاستعلائي من الأجانب بشكل عام، ووفقاً لشعار «أمريكا أولًا»، و«إعادة عظمة أمريكا»، عمل على بناء جدار على طول الحدود المكسيكية، وسعى إلى ترحيل المهاجرين غير الشرعيين، بل إنه قرّر منع مواطني عدد من البلدان الإسلامية من دخول الولايات المتحدة، واضعًا عقبات جديّة أمام حصولهم على الفيزا، فضلًا عن انسحابه من العديد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية.

*رابعها – الشعبويه، التي جذبت إليه أتباعاً حتى من خارج الحزب الجمهوري، وقسم من هؤلاء كانوا ساخطين على النخب السياسية التقليدية، فاستغلّ استياء العديد منهم ليحقق حضورًا كبيرًا على الساحة السياسية من خارجها، لدرجة أنه أصبح ظاهرة جديدة في السياسة الأمريكية.

ولعلّ المعركة الانتخابية المقبلة بين الترامبية والبايدنية ستكون هي الأكثر سخونة في تاريخ الولايات المتحدة، وأنها أول انتخابات رئاسية، منذ فوز دوايت أيزنهاور في 1956، تشهد إعادة منافسة، خصوصاً أن ثمة اختلافات وخلافات جوهرية بين الاتجاهين في ما يتعلّق بالاقتصاد والسياسة الخارجية والقضايا الدولية، وفي جزء منها اختبار جديد للديمقراطية الأمريكية، التي يعتقد البعض أنها تحتاج إلى المزيد من إعادة النظر بجوانبها المختلفة ومعالجة نواقصها وثغراتها وعيوبها، بل حتى أُسسها.

[email protected]

17 أبريل 2024
تولستوي.. والنبي محمد

عبد الحسين شعبان

تُعتبر رواية «الحرب والسلم»، للأديب والفيلسوف الروسي ليو تولستوي (1828 - 1910)، الرواية الأكثر شهرة وانتشاراً، والتي شاهدنا فيلماً مقتبساً عنها في ستينات القرن الماضي، من بطولة أودري هيبورن وهنري فوندا، ومن إخراج فكتور كينغ، لكنَّ آراءه بخصوص النبي محمد (ص) لم تكن قد اشتهرت إلّا في العقود الخمسة المنصرمة، وإن كان كتابه «حِكَم النبي محمد» قد نشر قبل ذلك بفترة طويلة، وترجمه سليم قبعين إلى اللغة العربية في عام 1912 (مطبعة التقدم - مصر).

وكان مالك منصور، حفيد محمد عبده مفتي الديار المصرية وأحد أركان حركة الإصلاح الديني منذ أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، قد أشار إلى أن متحف تولستوي يحتوي على رسالتين متبادلتين بينهما، علماً بأن تولستوي كان قد وجّه رسالةً إلى عبده أبدى فيها رغبته في تأليف كتاب عن النبي محمد (ص)، وطلب منه مساعدته في جمع الأحاديث الشريفة وتدقيقها، والتي تُعدّ من كَلِم النبي، لاعتقاده أن أحاديث النبي ومواعظه وحِكمه، هي ما يحتاجه بنو البشر، بغضّ النظر عن دينهم وملّتهم، لأن الأنبياء هم ملك للبشرية جمعاء.

وقد شجّع الشيخ محمد عبده تولستوي على ذلك، دون النظر إلى أنه من دين آخر، وقال يكفي أن يكتب تولستوي، أديب روسيا، وأعظم كتابها عن النبي (ص). وبالفعل فقد جمع تولستوي في كتابه نحو 600 حديث من أحاديث الرسول الكريم، وضمّها في باقة ملوّنة ومتنوّعة، تُمثّل القيم الإنسانية السامية.

وكان تولستوي قد أبدى انبهاره بالنبي محمد (ص)، واعتبره من كبار المصلحين في التاريخ، الذين خدموا البشرية خدمةً جليلةً، ويكفيه شرفاً أنه هدى أمةً برمّتها إلى الحق، وجعلها تجنح إلى السلام وتجد طريقها إلى المدنية والتقدم.

ويعود سبب اهتمام تولستوي بالسيرة المعطرة للرسول الكريم إلى اهتمامه بقضايا الخير والشر والدين والأخلاق، وانفتاحه على الثقافات العالمية بحثاً عن القيم الإنسانية، حيث كان قد تعرّف إلى الأدب العربي، وأراد الاستزادة من الإسلام ورسالته الإنسانية لتعميق جوهر ثقافته، بالاطلاع على فلسفة النبي محمد ورؤيته الاجتماعية.

وكان قد قرأ منذ وقت مبكّر حكايات «علاء الدين والمصباح السحري»، و«ألف ليلة وليلة»، و«علي بابا والأربعون حرامي»، و«قمر الزمان بن الملك شهرمان»، وقد أشار إلى ما تركته الحكايتان الأخيرتان في نفسه من أثر كبير، وهو لم يبلغ الرابعة عشرة من عمره، ولغرض إشباع رغبته في التعرف إلى نفائس الأدب العربي اتّجه إلى دراسة اللغتين العربية والتركية في كلية الدراسات الشرقية بجامعة قازان (كازان) الروسية (1844)، لكنه لم يستمر في الدراسة، التي لم تعجبه فيها طريقة التدريس العقيمة، كما قال.

لقد دافع تولستوي عن الإسلام وقيمه السمحاء، راداً على الاتهامات التي كانت توجّه إليه وإلى نبيّه، والتي كان يتم ترويجها من جانب «جمعيات المبشّرين»، ولذلك اتّجه إلى تأليف كتابه المذكور، وفي مقدمته ذات البُعد الإنساني كتب قائلًا: إن تعاليم الشريعة الإسلامية لا تقل في شيء عن تعاليم الديانة المسيحية. وبهذا المعنى أراد تولستوي أن يؤكّد أن قيم الأديان مشتركة ومتقاربة، وأن رسالة النبي محمد (ص) هي امتداد لرسالة النبيين موسى وعيسى عليهما السلام، وهو ما يؤكّده القرآن الكريم.

كما اعترف تولستوي بمكارم أخلاق الصحابة وزهدهم وطهارة سيرتهم واستقامتهم ونزاهتهم، مشيراً إلى أن من فضيلة المسلمين أن دينهم أوصى خيراً بالمسيحيين واليهود، وكتب ذلك في مقدمته الجليلة عن حِكَم الرسول، وربما قصد بذلك صحيفة المدينة، التي سنّها الرسول بعد هجرته من مكّة إلى يثرب (المدينة المنورة).

اتفق تولستوي ومحمد عبده أن الدين والإنسان يشكلان أساس الحياة، وأن قيمة الإنسان لا يمكن تقديرها بأي ثمن، ووظيفة الدين هي النهوض بالإنسان وعقله، كي يبني الحياة ويعيش بسلام.

وجاء في رسالة محمد عبده المؤرخة في 8 نيسان/ إبريل 1904، أي قبل 6 سنوات على رحيل تولستوي 1910، مخاطباً إياه: «أيها الحكيم الجليل، لم نحظ بمعرفة شخصك، ولكن لم نُحرم التعارف بروحك، فقد سطع علينا نور من أفكارك، وأشرقت في آفاقنا شموس من آرائك آلفت بين نفوس العقلاء ونفسك...».

وردّ تولستوي عليه بخطاب رقيق قال فيه: أيها الصديق العزيز، إن خطابك أدخل في نفسي عظيم السرور، حين جعلني على تواصل مع رجل مستنير، وإن يكن من أصل ملّة غير الملّة التي ولدت عليها وربيت في أحضانها، فإن دينك وديني سواء، وإن كانت المعتقدات مختلفة، وهي كثيرة، ولكن لا يوجد إلّا دين واحد هو الصحيح... وكلّما نزعت المعتقدات إلى البساطة وخلصت من الشوائب اقتربت من الهدف المثالي الذي تسعى الإنسانية إليه، وهو اتحاد الناس جميعاً.

الرسالة الأخلاقية التي تمسّك بها تولستوي في أعماله الإبداعية، هي التي كانت وراء قناعاته بالمشترك الإنساني للأديان وفي بحثه عن السلام واللّاعنف والتسامح، بما فيها مراسلاته مع المهاتما غاندي، وهذه الرسالة هي التجسيد العملي لقول الرسول الكريم: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق». وحين سئل من أحب عباد الله إلى الله، قال: «أحسنهم خلقاً». وقال «خالق الناس بخلق حسن». ورُوي عن الحسن عن أبي الحسن عن جدّ الحسن «أحسن الحُسن الخلق الحسن».

[email protected]

10 أبريل 2024
الذاكرة وثقافة الاعتذار

دانت الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان)، يوم 28 آذار/ مارس 2024، المذبحة التي ارتكبتها شرطة باريس بحق تظاهرة سلمية جزائرية، يعود تاريخها إلى يوم 17 تشرين الأول/ أكتوبر 1961. وأصيب فيها نحو 200 شخص بين قتيل وجريح، ورُميت جثث بعضهم في نهر السين.

وندّد القرار بالقمع الدامي والقاتل بحق الجزائريين، ووضع المسؤولية على موريس بابون مدير الشرطة، الذي اتخذ قرار إطلاق النار على المتظاهرين. وخصّص القرار يوماً لإحياء ذكرى المذبحة ضمن جدول الأيام الوطنية والمراسم الرسمية.

تقدّم «حزب الخضر» بالمقترح، حسب وكالة الصحافة الفرنسية، وعارضه مجموعة من اليمينيين المتطرّفين. واعتبرت النائبة صابرينا صبايحي هذا التصويت تاريخياً، ويشكل محطة أوّلية لإدانة هذه الجريمة الاستعمارية، التي قامت بها الدولة، ولعل بقاء الأمر من دون حل يؤثر في العلاقات الجزائرية - الفرنسية، حيث ظلت الجزائر تطالب بإدانة الجريمة والاعتذار الرسمي وتعويض الضحايا، وفقاً لمعايير العدالة الانتقالية، التي تقتضي كشف الحقيقة والمساءلة وتعويض الضحايا، وجبر الضرر المادي والمعنوي وإصلاح الأنظمة القانونية والقضائية والأمنية، وصولاً إلى المصالحة.

وجاء قرار الجمعية الوطنية بعد أسابيع قليلة من إعلان قصر الإليزيه، عن زيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى باريس (أواخر أيلول/ سبتمبر وبداية تشرين الأول/ أكتوبر 2024).

الجدير بالذكر، أن الرئيس فرانسوا هولاند كرّم ضحايا القمع الدامي في العام 2012، الذين تظاهروا من أجل استقلال الجزائر، واعتبر الرئيس ايمانويل ماكرون، أن تلك الجرائم لا تغتفر، وأوعز باتخاذ خطوات رمزية تهدف إلى تعزيز المصالحة، لكنّ ذلك لم يُرضِ الجزائر، التي تطالب باعتذار صريح وواضح، وتحمّل مسؤولية ما حدث.

والعدالة الانتقالية، سواء على المستوى الوطني أو على المستوى الدولي، تعني كيفية استجابة الأطراف المعنية في المجتمع أو الدول على نطاق العلاقات الدولية، كما هي الحالة التي نحن بصددها، المتعلّقة بإرث الانتهاكات الجسيمة الصارخة لحقوق الإنسان، علماً بأنها تطرح أسئلة في غاية الصعوبة عن مدى تشرّب الأطراف المعنيّة بالثقافة القانونية، وقناعتها بمدى تحقّق مبادئ العدالة والإنصاف، واستعدادها للوصول إلى كشف الحقيقة، وتحمّل مسؤوليتها، وخصوصاً ما ترتبه من تعويضات مادية ومعنوية، وبالتالي وضع حدّ لعدم تكرارها بإجراء إصلاحات دستورية وقانونية لضمان ذلك.

ولعل الاحتلال الفرنسي للجزائر، الذي دام 132 عاماً، ما يزال لا يريد مغادرة الذاكرة الجمعية، والأمر لا يتعلق فقط بمجزرة باريس، بل بمئات الآلاف من الضحايا، الذين ذهبوا ثمناً للاستقلال.

وكانت أزمة فرنسية – جزائرية قد اندلعت عام 2021، إثر تصريحات أدلى بها الرئيس ماكرون خلال لقائه بمجموعة من الطلبة الجزائريين ومزدوجي الجنسية، وفرنسيين من المعمرين السابقين من بقايا الإرث الاستعماري. وأشار فيها إلى أن الجزائر تستغل ذكريات الحرب الدموية، وهو ما أثار ردود فعل شديدة من جانب الجزائر، التي أكدت شرعية الكفاح الوطني، والذي واجهته السلطات الفرنسية المحتلة بجرائم إبادة جماعية وجرائم ضدّ الإنسانية، وهي جرائم لا تسقط بالتقادم.

إن عزوف الدول الاستعمارية عن الاعتذار بخصوص ماضيها الاستعماري، يُبقي ملف العلاقات الدولية بينها وبين الدول التي كانت مستعمَرة (بالفتح)، شائكاً ومعقداً وملتبساً، لاسيّما بخصوص مسار العدالة المنشودة، والأمر أحياناً يتعلق برأي عام مضلَّل، عاش على أمجاد بلاده الاستعمارية، وهو ما يمكن ملاحظته من وجهات نظر وآراء لليمين المتطرّف، والاتجاهات الشعبوية الجديدة.

وكانت الهيئة العامة المصرية للكتاب، قد نشرت ترجمة لكتاب بعنوان «زمن الاعتذار - مواجهة الماضي الاستعماري بشجاعة» في العام 2019، لمجموعة مؤلفين غربيين، جاء فيه على لسانهم: إن الدول الاستعمارية الغربية تستنكف الاعتذار عن ماضيها، ويلتجئ بعضها تحت ضغط الرأي العام، والمنظمات الدولية لحقوق الإنسان، إلى الاكتفاء بكلمات غامضة وعمومية، مثل إبداء الأسف إزاء الدول الضحية، دون الإقرار رسمياً بحدوث ارتكابات جسيمة، وتقديم اعتذار واضح وصريح، الذي يقتضي تحمّل المسؤولية، في إطار مبادئ العدالة الانتقالية، تلك التي تستتبع التعويض المادي والمعنوي عن الأذى الجسدي والنفسي لما أصاب الضحايا وذويهم من الأبناء والأحفاد، فضلاً عن الأجيال اللاحقة، فضلاً عن جبر الضرر الجماعي، بما فيه إبقاء الذاكرة حيّة.

لقد كابدت الدول المستعمَرة (بالفتح) من الإذلال لكرامتها الوطنية، إضافة إلى نهب ثرواتها على نحو ممنهج، الأمر الذي ترك ندوباً كبيرةً وجروحاً فاغرةً على تطور مجتمعاتها، فضلاً عن إعاقة تنميتها، وإذا كان مؤتمر ديربن (جنوب إفريقيا 2001) قد طالب الولايات المتحدة الاعتذار عن حرب الإبادة للسكان الأصليين، فإنه وجّه رسالةً إلى المجتمع الدولي دعاه فيها إلى ضرورة إدانة الجرائم العنصرية، التي ارتُكبت تحت عناوين تفوّق «الرجل الأبيض» و«المدنية» و«التحضّر»، وغيرها من المسوّغات الأيديولوجية، التي تعكزت عليها الدول الاستعمارية، سواء بريطانيا أم فرنسا أم بلجيكا أم هولندا أم البرتغال أم إيطاليا أم ألمانيا أم إسبانيا أم غيرها.

ولعل مثل هذا الأمر يصبح أكثر إلحاحاً وراهنيةً، لما يجري اليوم في غزة وعموم فلسطين، تلك التي تقوم بها سلطة الاحتلال من مجازر وحرب إبادة جماعية، وهو ما أكّدته محكمة العدل الدولية كموقف قانوني وأخلاقي وإنساني.

[email protected]

3 أبريل 2024
«11 سبتمبر» الروسية

النسخة الروسية من 11 سبتمبر، التي ظهّرها تنظيم «داعش خراسان» بمهاجمة قاعة كروكوس، خلال حفل موسيقي في منطقة كراسناغورسك شمال غربي موسكو، أثارت العديد من التساؤلات الخاصة والعامة عن دوافع تلك العملية، وقد نشرت وكالة «رويترز» تفاصيل قالت فيها: إن المشتبه فيهم وصلوا إلى موسكو عبر تركيا.

وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي فاز مؤخراً بالانتخابات بنسبة 87% من الأصوات، إن العالم الإسلامي نفسه يعاني أيديولوجية هؤلاء، لكنه استدرك بأن هذا الهجوم يتّسق مع حملة أوسع من تهديدات أوكرانيا لبلاده.

فهل مثل هذه العملية الكبرى إعلان جديد عن بدء نشاط موسّع ل«داعش» وأخواتها؟ علماً بأن «تنظيم القاعدة» أعاد نشاطه هذه الأيام في اليمن، وتمّ اختيار رئيس جديد له بعد مقتل خالد باطرفي زعيمه في العالم، والمدعو سيف العدل في مأرب.

والسؤال الأكبر، هل «داعش» غبّ الطلب؟ فهو يغيب ويظهر، ثم يعود ويختفي، وهل هدف «داعش» إذكاء نار الصراع بين روسيا والغرب؟ ثم كيف يتحرّك أنصاره؟ وثمة سؤال جوهري؟ لماذا لا يقدم «داعش» على أي عملية ضد إسرائيل؟ وهي تستبيح دماء أهل غزّة وتدنّس القدس وترتكب أبشع المجازر في فلسطين؟

وكانت السفيرة الأمريكية في العراق ألينا رومانوسكي قد صرحت: إن «داعش» لا يزال يمثّل تهديداً خطِراً في العراق، فهو يقوم بأعمال التجنيد والدعاية، وأعتقد بأن ذلك بحكم وجود بيئة حاضنة وأخرى منتجة وثالثة مساعدة، خصوصاً باستخدامه منصات العمل الرقمية، ناهيك عن متعاونين معه يمهدون السبيل للقيام بمهماته، لاسيما في ظل استمرار الحروب والنزاعات الأهلية في كل من اليمن وسوريا وليبيا والسودان، وهشاشة الدولة في لبنان والعراق بفعل أنظمة المحاصصة، ووجود ثغرات أمنية عديدة بما فيها الفساد المالي والإداري وتجارة المخدرات والاتجار بالبشر وتجارة السلاح، وهذه كلها عوامل مترابطة ومتشابكة مع أعمال الإرهاب.

فهل استفاق «داعش» حقيقةً في العراق وسوريا؟ وثمة مخاوف أن يستيقظ في لبنان في ظل أزمته الاقتصادية الخانقة، والاستهدافات «الإسرائيلية» المستمرة، وغياب الوحدة الوطنية، وعدم التوصّل إلى اتفاق لانتخاب رئيس للجمهورية.

الأساس في تفقيس بيض الإرهاب، هو بيئة التعصّب، سواء كانت دينية أم طائفية أم إثنية أم لغوية أم سلالية أم فكرية أم اجتماعية، لاسيّما في ظل الفقر والتفاوت الطبقي، وتفشي ظواهر الأمية والتخلف، وانتشار السلاح وضعف الدولة، ناهيك عن تسهيلات دولية تستقطب بعض الجماعات الإرهابية لمصالحها الخاصة.

التطرّف ابن التعصب ونتاجهما العنف، وهذا الأخير يستهدف الضحية بذاتها ولذاتها، وإذا ما ضرب عشوائياً وأصبح عابراً للحدود، بقصد إضعاف ثقة الدولة بنفسها وثقة المجتمع والفرد بالدولة، صار إرهاباً دولياً، والإرهاب الدولي يخضع للقوانين الدولية، إضافة إلى القوانين الوطنية، لاسيّما بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب، إضافة إلى جرائم العدوان وتهديد السلم والأمن الدوليين.

إن جريمة موسكو الإرهابية هي امتداد لعدد من جرائم العصر الإرهابية الكبرى، ولعل أبرزها اليوم جريمة الإبادة الجماعية، التي تمارسها السلطات الإسرائيلية، التي تمثّل إرهاب الدولة ضد سكان غزة الأبرياء العزل؛ حيث تتحدى إسرائيل قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقراراتها، وآخرها قرار وقف إطلاق النار، وتضع نفسها دولة خارجة عن القانون ومارقة وإرهابية بامتياز.

وبغض النظر عن الروايات المتعددة، فالمؤكد أن تنظيم «داعش» وأخواته، ما زال يعمل في العديد من البلدان، مستغلاً ثغرات أمنية لتنفيذ مخططاته الجهنمية، وغالباً ما تنقلب هذه المنظمات الإرهابية على صانعيها، فقد انقلب تنظيم المجاهدين الأفغان، الذي أصبح تنظيم «القاعدة» على عدد من الدول الغربية والإسلامية، التي أسهمت في إنشائه ليقوم بمهمة مواجهة الاحتلال السوفييتي لأفغانستان بعد غزوها عام 1979، لكن التنظيم، برئاسة أسامة بن لادن، استدار بمواجهاته وخططه الاستراتيجية، فاختار برجي التجارة العالمية في نيويورك، في عملية غير مسبوقة، وكان ذلك بداية مرحلة جديدة للإرهاب الدولي منذ عام 2001، وبدأت مرحلة لاحقة بعد احتلال الولايات المتحدة أفغانستان في العام نفسه، ومن ثم احتلال العراق في عام 2003، ليتم تفريخ التنظيم إلى تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، الذي احتل في عام 2014 الموصل وثلث الأراضي العراقية، كما احتل ثلث الأراضي السورية واختار الرقة عاصمة له.

الجدير بالذكر أن تنظيم «داعش خرسان»، كان قد نفذ هجوماً في مطلع شهر كانون الثاني/يناير 2024 في كرمان بإيران، في ذكرى مقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني، وأسفر الهجوم عن مقتل 103 أشخاص.

وبعيداً عن الاتهامات المتبادلة بمن يقف وراء «داعش» ويسهّل مهماته، فإن «الثقب الأسود» لا يزال موجوداً، والعالم بحاجة إلى الكشف عنه، وبالتالي علينا فهم طبيعة هذه الحركات، وماذا تريد؟ وكيف تعمل؟ وما هي سبل مواجهتها؟ فليس بالسلاح والأمن حسب، لأنها حركات تعتمد على الإرهاب والعنف كنظرية عمل، وبالتالي لابد من تفكيك وفضح منطلقاتها الفكرية، وسد الثغرات التي تعانيها مجتمعاتنا، بغض النظر عن أنظمتها، ولاسيما باعتماد معايير المواطنة المتساوية والمتكافئة، واتباع خطط مناسبة لمواجهتها، والحيلولة دون تمكينها من تجنيد الشباب، فضلاً عن الاهتمام بوسائل القوة الناعمة لرفع درجة وعي المجتمع وتعزيز مناعتها.

[email protected]