د. عبدالله الدرمكي
أضافت إمارة الشارقة إلى مكانتها ما يبعث على الفخر والاعتزاز بها، في إطار الوطن الإماراتي، وضمن محيطها واتصالها الثقافي والاقتصادي بالعالم، وذلك من خلال إطلاق هويتها البصرية الجديدة والمتكاملة التي تمثلها وتعكس تنوع فرصها ومعالم تميزها، وتمنح كل نشاط في بنيانها المؤسسي وكل دائرة حكومية ما يعينها على التعبير بتكثيف دقيق عن هوية الإمارة وشخصيتها بكافة مكوناتها الثقافية والحضارية.
وحملت الهوية المعلن عنها شعار «الشارقة منها الزود» وهي بالفعل كذلك «منها الزود» بما تمثله في مسار تنمية مجتمعها من ريادة على كافة الأصعدة، بحيث أصبح للإمارة الباسمة بصمتها وهويتها اللتان تعكسان ثراء مجتمعها ضمن الهوية الوطنية الغنية بتنوعها البيئي والثقافي. وهذا الشعار مستلهم من عبارة شعبية تستخدم في اللهجة الإماراتية للتعبير عن الكرم والتميز في الجود، وهي عبارة تلخص بالفعل كرم الشارقة وما تقدمه لمجتمعها وزوارها من مزايا وفرص وإمكانات هائلة في كافة المجالات، وتدعو إلى استكشاف التنوع الذي تمتلكه الإمارة الباسمة.
كما أن إطلاق هوية الشارقة استحقاق يعكس ما يميزها من اهتمام وخصوصية بالعمران والسياحة وجذب الاستثمار وتنشيط الثقافة بأبعادها المحلية والعربية والعالمية، وتنظيم واستضافة أكبر المعارض والأنشطة الثقافية والفنية والصناعية والاقتصادية، بجانب ما تمتلكه الإمارة من المحميات والآثار والمتاحف والصروح المعمارية والمكتبات والجامعات والمناطق الحرة والبيئة السياحية المتنوعة التي تجمع بين الصحراء والساحل والجبل والبادية، والأهم من كل ذلك ما تكتنزه من عراقة وأصالة أبنائها وتلاحمهم والتفافهم حول رائد نهضة إمارتهم وقائد مسيرتها وملهم هويتها منذ أكثر من خمسين عاماً، والدنا صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم إمارة الشارقة، بقيادته الأبوية الحكيمة، وما يمثله سموه من قدوة في الريادة وابتكار الطموحات والسعي الجاد لتحقيقها والشروع في ابتكار الأفضل دائماً.
وتعكس الهوية البصرية للشارقة كذلك ما يليق بالإمارة وما يشير إلى شخصيتها ومعالم هويتها التي تجسد شعار «الشارقة منها الزود» المعبر عن القيم وروح العطاء الذي تمتاز به أرض الأجداد.
وكل من يزور الشارقة لحضور فعالياتها ومعارضها التي لا تتوقف، يدرك أن هوية الإمارة تعلن عن نفسها في كل نشاط حيوي تنظمه، وأن كل ما تحتضنه الشارقة من نشاط اقتصادي وثقافي وسياحي جعل لها بصمة تستحق أن تتجسد في هوية بصرية تُعرّف بها وتشير إليها وتسوق لها ولفرصها الغنية في المحافل الاقتصادية والسياحية الدولية.
إنها الهوية التي تمثل دفعة قوية للتنمية والاستثمار والوعي بقيمة المنجزات التي ترسخت.
ولشعار هوية الشارقة وهويتها الجديدة ما يسهم كذلك في إبراز تنوع طبيعتها وجماليات عمرانها والإشارة إلى كل ما يجعلها وجهة مثالية للسياحة من الشواطئ الخلابة إلى المعالم التاريخية والصروح الثقافية التي تقدم من خلالها الشارقة هويتها بأداء عملي ملموس.
د. عبدالله الدرمكي
في لفتة إنسانية أبوية حانية، وكما عهدنا من سموه الحرص الدائم على إسعاد المواطنين ودعم كل ما يسهم في الارتقاء بجودة حياتهم، جاء توجيه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، بتعويض ملاك البنايات المعاد ترميمها على شاطئ كلباء عن تعطّل مشاريعهم وانقطاع مداخيلهم خلال فترة الترميم وإعادة البناء، حيث أمر سموه بمنح 150 ألف درهم لكل صاحب بناية، في تقدير لما فات مُلّاكها من إيرادات متوقعة.
وفي كلمة مؤثرة خاطب سموه المواطنين الذين تأثروا بالتغيرات العمرانية خلال فترة السنتين التي تطلبتها أعمال ترميم المباني، والتمس منهم العذر والسماح، وأكد سموه أن مبلغ التعويض استحقاق وليس مكرمة، رغم أن فترة الترميم حققت هدفها للإمارة وللمجتمع وللملاك، وللمشهد السياحي العام، حيث عكس مظهر المباني الجديدة النهضة العمرانية في كلباء وإمارة الشارقة عامة، وأثبت المشروع في صورته النهائية أنه يصب في مصلحة أبناء كلباء وحركة التجارة والسياحة فيها.
وما جعل هذه اللفتة الكريمة ذات أثر كبير أنها اقترنت بتسليم شهادات الملكية ومفاتيح بنايات مشروع سهيلة كلباء لملاكها من المواطنين، وبلغ عددها 41 بناية تضم شققاً سكنية ومحال تجارية، وتضاعفت مشاعر السعادة والفخر لدى الجميع، لأن تسليم المباني الجاهزة تزامن كذلك مع إطلاق المرحلة الثانية للبنايات التجارية، في دلالة على الخير الذي سيعم أهالي كلباء.
قرار التعويض الحكيم يؤكد من جديد ما لدى صاحب السمو حاكم الشارقة من حرص على الموازنة بين إنصاف ملاك المباني القديمة ومكافأتهم على صبرهم خلال مرحلة الترميم والبناء، وبين إحداث نهضة عمرانية وتجارية في كلباء وفي إمارة الشارقة عامة.
وسيكون للمباني التجارية التي تسلمها ملّاكها أثر ونفع أكبر، بعد أن حلّت محل البيوت والمباني القديمة في شاطئ كلباء، وفي الوقت نفسه جاءت المباني الجديدة محافظة بطرازها المعماري على نكهة التراث، وتبشر بالمساهمة الفعالة في تنشيط الحركة السياحية والتجارية في المدينة، وتوفير فرص عمل جديدة، وزيادة في الدخل وتعزيز مكانة كلباء كوجهة للسياحة.
وتنتظر الشارقة بكل مناطقها مشاريع تنموية عديدة تسهم في تحسين جودة الحياة وازدهار الأنشطة الاقتصادية، فإضافة إلى تسليم المباني الجاهزة، تشهد مدينة كلباء تنفيذ عدد من المشاريع التنموية، مثل مشروع بحيرة الحفية، والحدائق المعلّقة، والذي يحمل أبعاداً سياحية وثقافية تعزز مكانة كلباء كوجهة سياحية مهمة، ومشروع المرحلة الثانية من سوق كلباء التراثي، وغيرها من المشاريع التي تحمل رؤية وتصميم صاحب السمو حاكم الشارقة، على أن تظل الأولوية لجودة حياة المواطنين ونمو اقتصاد مجتمع الإمارة.
وإذا تأملنا التطور التدريجي المدروس في إطلاق مشاريع الإسكان والمباني والواجهات البحرية والتجارية، فإننا سنقف أمام استراتيجية في الشارقة لها أبعادها المستقبلية التي ستسهم في توفير مصادر الرزق وزيادة حركة التجارة والنهوض السياحي.
وعلينا أن نكون عند مستوى الطموح من خلال الاهتمام ببناء مشاريع مستدامة تدعم تعزيز اقتصاد الإمارة، وتحافظ على البيئة والتراث، وتعزز الهوية الوطنية، وهذا ما يمكن أن تلهمنا به واجهات وتصاميم المباني التي تسلّم أصحابها مفاتيحها وشهادات ملكيتها في كلباء، والتي تعكس روح التراث ونكهة المعمار الذي يتناسب مع روح المدينة وعراقتها.
بتوفيق من الله، وبعد أربع سنوات من العطاء، اختتم المجلس الاستشاري لإمارة الشارقة فصله التشريعي العاشر، وكنت شاهداً من خلال عضويتي في المجلس، ورئاستي للجنة إعداد مشروع التوصيات، على ما حققه أعضاء المجلس ولجانه وأمانته العامة من الإنجازات والنجاحات في مجالات التشريع والرقابة والتوصيات والتواصل مع المجتمع.
وبفضل ما يتمتع به المجلس من صلاحيات واسعة، تجسد رؤية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وحرص سموه على أن يمثل المجلس عوناً للحاكم وسنداً له وللمجلس التنفيذي والدوائر والهيئات الحكومية، فقد بذل المجلس من خلال أنشطته ومهامه جهوده في تمثيل المواطنين، باعتباره يتولى الدور الأساسي في تقديم المشورة والرأي ورفع التوصيات النافعة، ومناقشة واقتراح مشاريع القوانين الرامية إلى تحسين جودة الحياة والارتقاء بالعمل المؤسسي لتسريع العمل الحكومي.
وخلال الفصل التشريعي العاشر، أدى أعضاء المجلس دورهم بكل جدية وإخلاص، حيث نظروا في مجموعة كبيرة من القوانين، وبادروا باقتراح بعضها، وبالإضافة إلى دوره التشريعي، مارَس المجلس دوره الرقابي الفعال، حيث استضاف عدداً من المسؤولين ورؤساء الدوائر والجهات الحكومية في إمارة الشارقة، للاستماع إلى شروحاتهم عن أداء هذه الجهات والتحديات التي تواجهها والخطط المستقبلية لتطويرها.
وبهذا يكون المجلس الاستشاري لإمارة الشارقة قد أوفى بالوعد الذي قطعه على نفسه أمام سمو حاكم الشارقة عند أداء القسم، بأن يكون عوناً وشريكاً في تحقيق التنمية والرخاء، ومع نهاية كل فصل تشريعي للمجلس الاستشاري لإمارة الشارقة يودع الأعضاء المجلس، بعد أن نقلوا خبراتهم التشريعية وأدوا واجبهم الوطني، وهذا ما تميزت به رحلة الفصل التشريعي العاشر، حيث كان الجميع فيها شركاء في تحقيق الرؤية والأهداف الاستراتيجية للتنمية والمزيد من النهوض بالإمارة وتعزيز ازدهارها، من خلال طرح الأفكار المبتكرة ومناقشة مشاريع القوانين النافعة التي تعزز التنمية المستدامة وتدعم القطاعات الحيوية وتوجد الحلول المناسبة التي تكفل المزيد من المرونة في الأداء، وكان لمجمل الجهود التي بذلها المجلس أثر كبير في تعزيز الترابط بين المجتمع والدوائر الحكومية.
وتناول المجلس في الفصل التشريعي العاشر مجموعة واسعة من القضايا والمواضيع المهمة التي تهم المجتمع بشكل عام، وبفضل جهود أعضائه وأمانته العامة، أضاف المجلس لبنات جديدة في مجال تعزيز الشفافية والمشاركة المجتمعية، وساهم في بناء الثقة ونقل رسالة الحاكم ومدى حرص سموه على أن يكون صوت كل مواطن حاضراً من خلال ممثليه في المجلس.
وختاماً، فإن إسدال الستار على الفصل التشريعي العاشر للمجلس الاستشاري لإمارة الشارقة، يعتبر بداية جديدة يشترك فيها المجتمع مرة أخرى بوعي وبحماس أكبر لاختيار ممثليه، في فرصة لتطوير التجربة البرلمانية في الإمارة، والاستفادة من كل فصل تشريعي، ومن إنجازاته لإضافة المزيد من النجاحات والتجارب في الفصول التشريعية القادمة.
من الآية الكريمة في الذكر الحكيم في قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سِنابِلٍ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم}، استلهم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة مسمى «سبع سنابل» تيمناً بالآية الكريمة، وأطلقه سموه على مشروع زراعة القمح في منطقة مليحة بالشارقة.
هذا المشروع الذي يجسد الرؤية الحكمية ذات العمق والاستشراف الأمين لما يتطلبه المستقبل من مشاريع استراتيجية في نهج سموه، يأتي استمراراً لما عودنا عليه من مبادرات لها قيمتها الجوهرية في واقعنا المعيش.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى دلالات إطلاق المرحلة الأولى لزراعة القمح في منطقة مليحة، التي سيكون لها الدور الأساسي والإسهام المباشر في رفع مستوى الأمن الغذائي في نطاق إمارة الشارقة ودولة الإمارات.
ولعل الرؤية الحكمية التي كانت المحفز والدافع لإطلاق هذا المشروع النافع هي نتاج قراءة متبصرة من سمو الحاكم، بعد تأمل ما واجه العالم ابتداء من أزمة تفشي جائحة كورونا التي أظهرت مدى الارتباك في انتظام سلاسل التوريد والإمداد، ولاسيما في مجال الغذاء.
وبعيداً عن كورونا التي فتحت ملف اختلال سلاسل الإمداد والتوريد في بعض الدول، وقبل أن تخف آثار الجائحة، تفاجأ العالم مرة أخرى بأن واردات القمح والحبوب أصبحت مرتهنة بمتغيرات جديدة فرضتها الحرب الروسية الأوكرانية، ولاسيما أن روسيا وأوكرانيا من البلدان الأعلى تصديراً للقمح.
ويبعث إطلاق مشروع «سبع سنابل» السعادة والفخر، كما يفتح المجال للتفكير في حجم الفوائد الاقتصادية والبيئية التي سيوفرها لإمارة الشارقة والإمارات بشكل عام، ومنها الإسهام في تحقيق المزيد من عوامل الأمن الغذائي من خلال تخفيض نسبة استيراد القمح، وتوفير احتياطات استراتيجية من هذه المادة الغذائية الأساسية وتخزينها بشكل آمن لاستخدامها عند الحاجة، بعد أن قدمت العديد من الأزمات العالمية دروساً لمختلف الدول ونبّهت إلى أهمية وضرورة التحرك لوضع الحلول بعيدة المدى وذات الأثر المستقبلي.
كما يبشر مشروع «سبع سنابل» بتحسين دخل المزارعين في المنطقتين الوسطى والشرقية بإمارة الشارقة؛ نظراً للفرص التي تترتب على تطور المشروع، ولاسيما في منطقة مليحة، كما أن هذا المشروع المبارك يتميز بالعديد من الدلالات التي سيكون لها أثرها الإيجابي في المجتمع والاقتصاد المحلي، وفي مقدمتها توفير مصادر غذائية صحية نظراً لاعتماد المشروع أفضل أساليب الزراعة المستدامة والعضوية.
وأخيراً يمكن القول إن مشروع «سبع سنابل» يعد نموذجاً مثالياً يحتذى به في مجال الزراعة وتحقيق الأهداف الاستراتيجية للدولة، ومثالاً رائعاً للأفكار المبتكرة التي تولدت في ظل الحكم الرشيد.
لكل مثل أو قصة يتداولها الناس مناسبة أو موقف، ولكل كريم بدايات ومؤشرات تكشف عن معدنه وأصالته وقيمه التي اكتسبها من هذه الأرض الطيبة، ويوم الخميس الماضي كانت الشارقة على موعد مع فعالية تكريمية مستحقة، تضاف إلى الرصيد الكبير لرمز من رموز مجتمعنا وثقافتنا واتحادنا، إنه صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، عندما تسلّم سموه الزمالة الفخرية العالمية من «جامعة باريس بانثيون أساس»، تقديراً لإسهامات سموّه المشهودة على المستوى الأكاديمي والعلمي والثقافي والأدبي العالمي، وهذا مبعث فخرنا وعزنا جميعاً في الشارقة ودولة الإمارات، أن يكون من بين شيوخنا وقادتنا من توقّره وتكرّمه أكبر جامعات العالم، نظير ما يقدّمه من دعم لمسيرة التعليم الأكاديمي والبحث العلمي، ومن خدمات جليلة للمعرفة في مختلف حقولها وفنونها.
إلى هنا يبقى الحدث إضافة ليست غريبة على صاحب السمو، حاكم الشارقة، الذي تحفل سيرة سموه، بمنجزات علمية وأكاديمية في حقول التاريخ والمسرح والأدب، تشهد بها كبريات الجامعات في العالم، لكن الجديد هو أن الكلمة التي ألقاها سموّ الشيخ سلطان بن أحمد بن سلطان القاسمي، نائب حاكم الشارقة، رئيس جامعة الشارقة، في الحفل، كشفت لنا عن تعلّق صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، بصفة الكرم، واهتمام سموه منذ الطفولة بالشخصيات التي عُرف عنها البذل والعطاء وتفقّد احتياجات المحرومين والمحتاجين.
فقد كشفت الكلمة قصة أداء سلطان في مسرحية مدرسية، دور شخصية «جابر عثرات الكرام»، وهو الموقف الذي ينبئ عن شخصية صاحب السمو، حاكم الشارقة، منذ وقت مبكر، وبالتحديد منذ عام 1955، عندما اختار مدير المدرسة القاسمية في الشارقة لطلاب المدرسة وكان سلطان أحدهم آنذاك أن يمثّلوا مسرحية شعرية بعنوان «جابر عثرات الكرام»، فاختار سلطان بنفسه أن يؤدي دور جابر عثرات الكرام، وأثبتت الأيام أن سموه، بالفعل، رمز للكرم وجبر العثرات.
وتروي كتب التراث لماذا سمي أحد الكرماء «جابر عثرات الكرام»، وهو عكرمة الفياض، أحد الولاة في عهد الدولة الأموية، وكان يسمع عن كرم شخص يدعى خزيمة، الذي لم يكن يردّ أي محتاج، لكنه تعرّض كما نقول بلغة اليوم للإفلاس، فلما سأل الوالي عن حال ذلك الكريم، قال له أصحابه إنه أصبح سيئ الحال، ولم يعد لديه أي مال أو صديق، فانطلق الوالي في الليل متلثّماً ومتنكراً، وطرق باب خزيمة، ففتح له، وأعطاه مبلغاً كبيراً من المال، فلما سأله خزيمة من أنت، ردّ عليه: «أنا جابر عثرات الكرام»، وتعني أنه الذي يصلح حال كرام قومه عند عثراتهم.
فكان أداء صاحب السمو، حاكم الشارقة، لهذا الدور منذ طفولته، تطلّعاً مبكراً لما يقوم به سموه اليوم من جبر للعثرات ومن تفقّد لأحوال المجتمع، ومن متابعة مستمرة لشؤون المواطنين وبذل وعطاء بهدف توفير الحياة الكريمة للجميع، واهتمام بجودة الخدمات من تعليم وصحة وتثقيف وريادة في مختلف المجالات.
هذا هو سلطان «جابر عثرات الكرام» وملهم الأجيال، الذي يؤكد لنا بعلمه وعمله أن الشخصيات الحكيمة والملهمة التي كنّا نقرأ عنها في كتب التراث، يمكن أن توجد بيننا اليوم، بدليل أن الشارقة حظيت بسموه حاكماً مؤتمناً، يلمس المجتمع كرمه وجبره للعثرات، ويلمس أهل العلم تحفيزه للطلاب ليبدعوا ويحصدوا ثمار تعبهم ويلهموا غيرهم، كما فعل «جابر العثرات» الذي يمتدّ كرمه إلى ساحة القيم والفكر، وإلى استشراف المستقبل بثقة من يراهن على الجد والاجتهاد والإخلاص.
د. عبدالله إبراهيم الدرمكي
الآن نستطيع القول إن الرياضة والشباب وكافة الأندية الرياضية في الشارقة والإمارات، مقبلة على حراك وإصلاح مستقبلي حاسم يبدأ من هذه اللحظة، والفضل في هذا المسار الجديد والعملي يعود إلى والدنا صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، بعد أن وجّه سموه في مداخلة من خلال برنامج «الخط المباشر» في قناة الشارقة الرياضية، ببحث أحوال الرياضة وإعادة النظر في كثير من الإجراءات التي سببت الركود الرياضي، ولم تمنح الرياضيين الإماراتيين الشباب الفرص الكافية لتمثيل بلدهم، وصقل مهاراتهم وبناء أندية قوية تعتمد على أبناء الإمارات، وتستثمر حماسهم واندفاعهم الصادق لرفع اسم بلدهم عالياً في المحافل الرياضية الإقليمية والعالمية.
هذا التحرّك المبشّر بالخير في قطاع الرياضة أثلج صدور كل الشباب والرياضيين والمجتمع الإماراتي بصفة عامة؛ لأنه يكتسب أهميته من الدوافع الأبوية لدى والدنا سلطان، وحرص سموه على أن يكون للشباب والكوادر المحلية دور بارز في النهوض بالأندية والرياضة في بلدهم، وتلمّس مواضع الخلل ومعالجتها، وفي مقدمتها منح الأولوية للرياضي المواطن، سواء على مستوى اللاعبين أو المدربين.
ومن شأن هذه الخطوة أن تسهم بكل تأكيد مع مرور الوقت في تخريج لاعبين إماراتيين محترفين ومدرّبين قادرين على تشريف أنديتهم ومنتخبهم الوطني في كافة المناسبات الرياضية، كما أن ثقة الساحة الرياضية في الإمارات بشبابها ستوفر على الأندية مبالغ طائلة تذهب لشراء رياضيين محترفين، نستطيع أن نوجد مثلهم وأفضل، من أبناء الوطن من خلال التدريب والإعداد الجيّد.
ولحسن الحظ فإن مجتمعنا الإماراتي يحظى بالحكام الذين يبادرون بتشجيع أبنائهم وتحفيزهم على النهوض بمختلف القطاعات، ومنها الرياضة، ولا نملك إلا الاعتزاز والفخر بتوجيهات صاحب السمو، حاكم الشارقة، لإعادة الاعتبار للرياضة في الإمارات؛ لأن في تلك التوجيهات ما يدل على تفاعل سموه مع مختلف قضايا وهموم المجتمع، بكل فئاته، وفي مقدمتها الشباب.
وبالفعل جاءت أولى ثمار ترجمة التوجيهات الكريمة من خلال اجتماع مجلس الشارقة الرياضي، الذي بدأ تحركاته العملية بإجراءات ومخاطبات تؤكد الحاجة إلى التواصل بين مختلف الاتحادات الرياضية في الدولة، تحت مظلة الهيئة العامة للرياضة، ويتوقع جمهور الرياضة في الإمارات أن تثمر هذه التحركات، بما يعود على الرياضة والشباب في بلدنا، بتحول إيجابي كبير خلال المواسم الرياضية القادمة، خاصة أن هذا التحرك يأتي بعد ما لمسه الجمهور من تراجع في أداء المنتخب الوطني في «خليجي 25» في البصرة، والذي كان أهم مؤشر دفع صاحب السمو، حاكم الشارقة، إلى توجيه المعنّيين بالرياضة بخطاب صريح ومباشر من خلال قول سموه لهم: «أعيدوا حساباتكم».
وأعتقد أن خطوة إعادة الحسابات بدأت من خلال اللجنة العليا التي أقر مجلس الشارقة الرياضي تشكيلها على صعيد إمارة الشارقة، لبحث آلية تقليص عدد اللاعبين الأجانب والمقيمين، وإتاحة الفرصة كاملة للاعبين المواطنين، حتى لا يكونوا الحلقة الأضعف في المنظومة الرياضية للإمارة، وتطبيق هذا التوجّه فعلياً من خلال استبعاد اللاعبين الأجانب من مسابقات كرة قدم الصالات اعتباراً من الموسم المقبل 2023-2024، حتى يحظى اللاعبون المواطنون بفرصة أكبر، وبذلك تقع مسؤولية انتشال الرياضة في الإمارات على عاتق شبابنا، وبمزيد من الثقة يمكن أن نصنع المستحيل في الرياضة كما تصنعه بلادنا في بقية القطاعات التي حققت لها مراتب إقليمية ودولية تنافسية ورفعت اسم الإمارات عالياً.
[email protected]
عضو المجلس الاستشاري لإمارة الشارقة